العلاقة مع الكيان الصهيوني المحتل

منذ يومين تقريباً، ينشغل السوريون بما رشح عن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس جهاز الموساد في الأردن، وما سبقه أو رافقه من حديث عن اتصالات مباشرة بين مسؤولين سوريين ومسؤولين في الكيان الصهيوني المحتل.

ولست هنا بصدد الدخول في مزايدات وطنية، ولا محاكمة النوايا، ولا أريد وضع الدولة السورية الجديدة في زاوية الاتهام لمجرد أنها تبحث عن وسائل تحمي بها سورية، وتوقف الاعتداءات عليها، وتتجنب حرباً جديدة لا يريدها السوريون ولا تحتملها بلادهم.

لكنني أعتقد أن ما يجري يطرح سؤالاً أكبر بكثير من تفاصيل لقاء واحد، وأبعد أثراً من اسم مسؤول حضر أو غاب: من يملك ملف العلاقة السورية مع الكيان الصهيوني المحتل؟
وجوابنا واضح: لا يملكه وزير، ولا جهاز أمني، ولا حكومة بمفردها، ولا حتى رئيس دولة بمفرده.

إنه ملف دولة وشعب، واحتلال وحدود، وحرب وسلام، وسيادة وأرض، ودماء وحقوق، والتزامات قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
ولهذا يجب أن يكون واحداً من أكثر ملفات السياسة الخارجية السورية خضوعاً للمؤسسات والرقابة والمساءلة الوطنية.

ملف مختلف عن بقية ملفات السياسة الخارجية:
إن الكيان الصهيوني المحتل ليس بالنسبة إلى السوريين دولة بعيدة نختلف معها على ملف تجاري أو اقتصادي أو دبلوماسي عابر.

هنا نحن نتحدث عن كيان يحتل الجولان السوري، وتجاوز بعد سقوط النظام السابق خطوطاً ومواقع جديدة داخل الأراضي السورية، وشن اعتداءات متكررة على سورية، واستهدف مواقع ومنشآت داخل أراضيها.

كما أن سورية والكيان المحتل يحملان إرثاً طويلاً من الحروب والصراع والاحتلال، ولذلك فإن أي اتصال أو تفاوض أو اتفاق معه لا يمكن التعامل معه بوصفه ملفاً تقنياً أو أمنياً فحسب!! (إنه ملف سيادة وطنية بامتياز).
والموقف السوري من الجولان ليس مجرد موقف عاطفي أو تاريخي، بل يستند إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي اعتبر فرض قوانين الكيان المحتل وولايته وإدارته على الجولان السوري المحتل لاغياً وباطلاً ومن دون أثر قانوني دولي.

ومن هنا، فإننا عندما نتحدث عن المفاوضات لا نتحدث عن علاقة طبيعية بين دولتين مختلفتين سياسياً، وإنما عن دولة تتفاوض بينما جزء من أرضها ما يزال تحت الاحتلال.

موقفنا من التفاوض:

أقولها بوضوح: نحن في تيار المستقبل السوري لا نرفض الدبلوماسية، ولا ندعو إلى حرب لا تملك سورية اليوم شروطها، ولا نعتبر مجرد التفاوض تفريطاً بالحقوق.
بل إن حماية سورية، ووقف الاعتداءات عليها، واستعادة حقوقها وأراضيها، قد تقتضي التفاوض واستخدام السياسة والدبلوماسية والقانون الدولي والتحالفات وكل أدوات الدولة.

السياسة ليست حرباً أو استسلاماً:
إنه بين الحرب والتنازل مساحة هائلة اسمها الدبلوماسية.
لكننا نفرق بين ضرورة التفاوض وبين طريقة إدارة التفاوض.
كما يجب أن نفرق بوضوح بين الاتصال والتفاوض والاتفاق والتطبيع والاعتراف.

فليس كل اتصال تطبيعاً، وليس كل تفاوض اعترافاً، وليس كل اتفاق أمني علاقة سياسية كاملة.

لكن الخطورة تبدأ عندما تنتقل الدولة من مرحلة إلى أخرى دون تعريف سياسي وقانوني واضح لما تقوم به، ودون أن يعرف السوريون إلى أين يتجه هذا المسار.

ولهذا فإن تحديد طبيعة المرحلة التي تقف عندها الدولة السورية اليوم أمر ضروري.

هل نحن أمام اتصالات أمنية محدودة؟
أم مفاوضات لإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974؟
أم تفاوض حول ترتيبات أمنية جديدة؟
أم أننا أمام بداية مسار سياسي مختلف يمكن أن يتطور مستقبلاً إلى شكل آخر من العلاقات؟

هذه ليست أسئلة فضول صحفي! إنها أسئلة سيادة.

الاتصال المباشر يجب ألا يتحول إلى قاعدة:

نحن في تيار المستقبل السوري لا نرى ضرورة للقاءات المباشرة مع ممثلي الكيان الصهيوني المحتل ما دام بالإمكان تحقيق الغاية التفاوضية من خلال طرف ثالث، أميركياً كان أم عربياً أم دولياً.
فالوساطة ليست ضعفاً، بل أداة دبلوماسية معروفة، وخصوصاً عندما تكون العلاقة بين الطرفين محكومة بالاحتلال والصراع.

وإذا فرضت المصلحة الوطنية في مرحلة ما اتصالاً مباشراً، فيجب أن يبقى ذلك استثناءً تفرضه ضرورة وطنية محددة، لا أن يتحول تدريجياً إلى أمر اعتيادي.

والأهم أن قراراً بهذا الحجم لا ينبغي أن يتحول إلى أمر واقع يكتشفه السوريون من وكالة أنباء أجنبية أو من تسريب إسرائيلي أو أميركي، ثم ينتظرون مؤسسات دولتهم لتشرح لهم لاحقاً ما حدث.

من فوّض؟ وما حدود التفويض؟
هناك سؤال مؤسساتي يجب ألا نخشى طرحه: من يحدد التفويض التفاوضي السوري؟ وما حدود هذا التفويض؟ وما الذي يستطيع المفاوض السوري مناقشته، وما الذي لا يملك حق التنازل عنه أو الالتزام بشأنه؟
هذه الأسئلة لا تستهدف وزير الخارجية ولا تشكك في وطنيته أو وطنية أي مسؤول سوري حالياً، بل العكس تماماً، فوجود تفويض وطني ومؤسساتي واضح يحمي المفاوض السوري ويقويه.
والمفاوض الذي تقف خلفه مؤسسات دولة وبرلمان ورأي عام يستطيع أن يقول للطرف المقابل: لا أملك صلاحية تقديم هذا التنازل، ولا يستطيع أحد إلزام سورية بما يتجاوز التفويض الذي أحمله.
وهكذا تتحول الرقابة المؤسساتية من قيد على المفاوض إلى ورقة قوة في يده.

كما إننا نتفهم سرية التفاوض، ولا نقبل سرية القرار ! فالدبلوماسية لا تجري دائماً أمام الكاميرات، ونحن ندرك أن المفاوضات الحساسة تحتاج أحياناً إلى السرية، وأن كشف كل التفاصيل والمقترحات والأوراق قد يضر بالمصلحة الوطنية ويضعف الموقف السوري.
ولا نطالب وزارة الخارجية بأن تنشر محاضر الاجتماعات أو تكشف تكتيكاتها التفاوضية.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين سرية التفاوض وسرية القرار.

يمكن أن تبقى بعض التفاصيل داخل الغرفة، لكن الاتجاه الاستراتيجي للدولة لا يجوز أن يبقى داخلها.
ومن حق السوريين أن يعرفوا ما الأهداف العامة للمفاوضات، وما طبيعتها، وما الخطوط الحمراء، وما الثوابت التي لا يستطيع أحد تجاوزها.

فالسرية قد تشمل كيف نفاوض، لكنها لا ينبغي أن تشمل على ماذا نفاوض، وإلى أين نريد الوصول.

وهنا، فليس من الطبيعي أن يصبح المواطن السوري متلقياً لأخبار أحد أخطر ملفات بلاده من التسريبات الإسرائيلية والأميركية أو من وسائل الإعلام الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ووزارة الخارجية السورية مطالبة بأن تكون هي المصدر الأول للمعلومة السورية في هذا الملف، لا المصدر الذي يأتي لاحقاً لتفسير روايات الآخرين.
فهذه ليست مسألة إعلامية فقط، إنها أيضاً جزء من إدارة التفاوض.
والفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغاً، بل يملؤه الآخرون.
وعندما تصمت الدولة، يستطيع الطرف المقابل استخدام التسريب نفسه أداة تفاوضية: ينشر ما يريد، ويخفي ما يريد، ويقدم نصف المعلومة أو تفسيره الخاص لها، ثم تجد الدولة السورية نفسها في موقع الرد على رواية صنعها غيرها.

ولهذا فإن التواصل الرسمي المدروس مع السوريين ليس عبئاً على المفاوضات، بل يمكن أن يكون أحد عناصر قوتها.

وإذا كانت هناك معلومات لا تسمح المصلحة الوطنية بكشفها الآن، فقولوا بوضوح إن هناك تفاصيل لا يمكن نشرها في هذه المرحلة.
هذا أفضل بكثير من ترك السوري يبحث عن سياسة دولته في الصحافة الأجنبية.

ما الخطوط الحمراء السورية؟
إنه من الضروري أن يعرف السوريون الثوابت العامة التي تحكم أي تفاوض، وفي مقدمتها أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن وحدة الأراضي السورية وسيادتها ليستا موضع مساومة، وأن أي ترتيبات أمنية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لانتقاص سيادة الدولة السورية.

كما يجب الحذر بصورة خاصة من انتقال التفاوض من ترتيبات أمنية حدودية إلى قيود استراتيجية على سورية نفسها.

فلا يجوز أن يصبح وقف الاعتداءات ثمناً لمنح الكيان الصهيوني المحتل حقاً مباشراً أو غير مباشر في تقرير شكل الجيش السوري، أو نوع تسليحه، أو أماكن انتشاره داخل أرضه، أو تحديد الدول التي تستطيع سورية بناء علاقات أو تحالفات معها.

نعم، يمكن للدول أن تتفق على ترتيبات أمنية متبادلة، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الترتيبات الأمنية وبين التنازل عن جزء من القرار السيادي للدولة.

أين مبدأ المعاملة بالمثل؟
هناك سؤال يجب أن يكون حاضراً في أي تفاوض: ماذا تحصل سورية مقابل ما يُطلب منها؟
إذا طُلب من سورية إبعاد قوات أو أسلحة عن منطقة معينة، فما الالتزام المقابل؟
وإذا طُرحت منطقة منزوعة السلاح، فهل ستكون الالتزامات متبادلة؟
وإذا كانت هناك ضمانات لأمن الطرف الآخر، فأين ضمانات أمن السوريين؟
ومن يضمن وقف الاعتداءات؟
ومن يضمن الانسحاب من الأراضي التي جرى التوغل فيها؟
فلا يمكن بحال بناء ترتيبات أمنية مستدامة على أمن طرف واحد.
فالأمن الحقيقي إما أن يكون متبادلاً، أو يتحول إلى معادلة قوة مفروضة على الطرف الأضعف.
وسورية لا تحتاج إلى اتفاق يمنحها هدوءاً مؤقتاً مقابل قيود استراتيجية دائمة.

أخطر ما في الأمر هو احتكار الملف:

إن الأخطر من تفاصيل أي لقاء أن يتحول هذا الملف تدريجياً إلى اختصاص دائرة ضيقة داخل السلطة التنفيذية أو الأمنية.
فسورية الجديدة التي دفع السوريون ثمناً هائلاً للوصول إليها يجب ألا تعيد إنتاج فكرة أن القضايا المصيرية تُقرر في الغرف المغلقة ثم يُطلب من الشعب مباركة نتائجها.

لقد قامت ثورة السوريين، في جانب جوهري منها، ضد احتكار السلطة والقرار.
ولا ينبغي بعد كل تلك التضحيات أن ينتقل القرار المصيري السوري من غرفة مغلقة إلى غرفة مغلقة أخرى.
ولا نقول ذلك مساواةً بين النظام السابق والدولة الجديدة؛ فهذا ليس مقصدنا.

لكن نقول إن أحد أهم مكتسبات الثورة التي يجب حمايتها هو أن السوري لم يعد رعية يُبلَّغ بالقرار بعد اتخاذه، وإنما مواطن له حق في معرفة الاتجاهات الكبرى لدولته ومساءلة من يتخذ القرارات باسمه.

وكلما كان القرار أبعد أثراً في مستقبل الأجيال، ازدادت الحاجة إلى توسيع قاعدة الشرعية التي يستند إليها.

الملف يجب أن يصل إلى قبة البرلمان:

لهذا نرى في تيار المستقبل السوري أن أي انتقال من اتصالات أو ترتيبات أمنية مؤقتة إلى اتفاقات سياسية أو التزامات استراتيجية طويلة الأمد يجب أن يعود إلى المؤسسات الدستورية السورية، وفي مقدمتها مجلس الشعب.

وينبغي أن تكون هناك رقابة برلمانية حقيقية من خلال اللجان المختصة بالسياسة الخارجية والأمن القومي، والاستفادة من خبراء القانون الدولي والدبلوماسية والأمن والاستراتيجية.

ولا يعني ذلك أن يجلس الجميع إلى طاولة المفاوضات، فصناعة القرار الاستراتيجي شيء، وإدارة المفاوضات اليومية شيء آخر.
لكن لا يجوز أن يحتكر الفريق المفاوض الأمرين معاً.
فالوزراء يتغيرون، والحكومات تتغير، والرؤساء يتغيرون، أما التزامات الدول فقد تبقى لعقود.

ولذلك لا ينبغي إبرام أي اتفاق يمس الأرض السورية أو السيادة أو الوضع القانوني للجولان أو مستقبل العلاقات السورية مع الكيان الصهيوني المحتل بعيداً عن المؤسسات الدستورية والرقابة الوطنية.

وماذا عن حكمت الهجري؟
وهنا أصل إلى مسألة شديدة الحساسية، وقد تكون غير مريحة للبعض، لكنها ضرورية.

لقد هاجم قطاع واسع من السوريين الشيخ حكمت الهجري، ووصل كثيرون إلى وصف مواقفه بالخيانة، بسبب تصريحاته ومواقفه التي تستقوي بالكيان الصهيوني المحتل وتطلب دعمه في مواجهة الدولة السورية.

ونحن نرفض بصورة قاطعة أي استقواء بقوة تحتل أرضاً سورية ضد الدولة السورية، ونرفض أي مشروع يضع جزءاً من سورية تحت حماية الكيان المحتل أو نفوذه.

لكن الدولة، إذا أرادت بناء معيار وطني يحترمه الجميع، فلا تستطيع استخدام ميزانين.
فالهجري، وفق ما هو معلن، اتخذ مواقف وصدرت عنه تصريحات خطيرة، لكن السوريين في المقابل يسمعون اليوم عن لقاءات مباشرة بين شخصيات في الإدارة السورية الجديدة وشخصيات رفيعة في الكيان الصهيوني المحتل!!

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

إذا كان مجرد الدعوة إلى التواصل أو الاستقواء بالكيان المحتل كافياً لإطلاق أحكام وطنية قاسية، فكيف نطلب من السوري في المقابل ألا يسأل عن اللقاء المباشر عندما تقوم به شخصيات رسمية؟

صحيح أن هناك فرقاً جوهرياً بين من يستقوي بقوة أجنبية على دولته وبين دولة تتفاوض لحماية مصالحها وحقوقها (وهذا فرق حقيقي لا يجوز تجاهله).
لكن هذا الفرق في الغاية والصفة السياسية لا يلغي ضرورة وجود معيار واضح يحكم وسيلة الاتصال وحدودها وشرعيتها والرقابة عليها.
فإذا كان الاتصال المباشر محرّماً وطنياً بالمطلق، فيجب أن يكون المعيار واضحاً على الجميع.
أما إذا كان الاتصال المباشر أداة سياسية تستطيع الدولة استخدامها عند الضرورة، فلا يجوز تحويل مجرد الاتصال في ذاته إلى معيار وحيد للخيانة، بل تصبح المحاسبة على مضمون الاتصال وغايته ونتيجته: هل يخدم سورية أم يستقوي عليها؟ وهل يحفظ وحدتها أم يسعى إلى تقسيمها؟ وهل يستعيد حقوقها أم يتنازل عنها؟ وهل يحمي سيادتها أم يمنح الآخرين سلطة عليها؟ فالدولة العادلة لا تكيل بمكيالين!.

وما نرفضه وطنياً على طرف يجب أن تكون لدينا الشجاعة لوضع معيار واضح بشأنه عندما يتعلق بالطرف الآخر.

لا نريد تخوين المفاوض السوري:
إنه ومن الضروري هنا التأكيد أن مطالبتنا بالشفافية والرقابة المؤسساتية ليست اتهاماً للمفاوض السوري ولا تشكيكاً في وطنيته.
فنحن لا نريد نقل سورية من ثقافة التخوين القديمة إلى ثقافة تخوين جديدة.
ولا ينبغي أن يصبح كل من يتفاوض خائناً، كما لا ينبغي أن يصبح كل من يسأل عن المفاوضات مشكوكاً في وطنيته.

فالدولة الوليدة تقوم على المؤسسات لا على الثقة الشخصية وحدها.
قد نثق بالوزير، لكننا نطالب بالمؤسسة.
وقد نحسن الظن بالمفاوض، لكننا نطالب بالتفويض.
وقد نؤيد هدف المفاوضات، لكننا نطالب بالرقابة على نتائجها.
فالمؤسسات لا تُبنى لأن المسؤولين سيئون، وإنما لأنها الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الدولة مهما تغير المسؤولون.

نحو عقيدة سورية واضحة للتفاوض:

ما تحتاج إليه سورية اليوم ليس مجرد موقف من لقاء هنا أو تسريب هناك، وإنما عقيدة وطنية واضحة لإدارة هذا الملف.
عقيدة تقول: نفاوض عندما تقتضي المصلحة السورية التفاوض، ونستخدم الوسطاء كلما كان ذلك ممكناً ومفيداً، ونجعل الاتصال المباشر استثناءً تحكمه الضرورة، لا مساراً اعتيادياً يتطور بصمت، ونتمسك بالجولان السوري المحتل وبكامل الحقوق السورية، ونرفض أي ترتيبات تنتقص من سيادة سورية أو تمنح طرفاً خارجياً حق التحكم بقرارها العسكري أو السياسي أو بعلاقاتها الدولية، ونقبل بسرية التكتيكات التفاوضية، لكننا نرفض سرية الاتجاهات والقرارات الاستراتيجية، ونطالب بالمعاملة بالمثل في أي ترتيبات أمنية، ونجعل المؤسسات الدستورية شريكاً في القرارات المصيرية، ونصارح الشعب بما يمكن مصارحته به، لأن الشعب شريك في الدولة وليس متلقياً لقراراتها.

قولوا للسوريين ما يجري:

وأقول للحكومة السورية الجديدة ووزارة الخارجية: لا تخافوا من إشراك السوريين في الحقيقة.
فالشعب الذي تحمل الاعتقال والتهجير والقصف والموت طوال سنوات الثورة والحرب ليس شعباً قاصراً يحتاج إلى أن تُدار عنه قضاياه المصيرية.
قولوا له ما تستطيعون قوله، ووضحوا له أين تقفون، وحددوا له خطوطكم الحمراء، واشرحوا له ماذا تريد سورية من هذه المفاوضات.
وإذا كانت هناك معلومات لا تسمح المصلحة الوطنية بنشرها، فقولوا إن هناك ما لا يمكن نشره الآن.
فالثقة بين الدولة والمواطن لا تُبنى بالصمت، وإنما بالصدق والوضوح.

وأخيراً، لسنا أمام خيارين فقط: الحرب أو الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني المحتل! فبينهما مساحة هائلة اسمها السياسة.
ويمكن لسورية أن تفاوض دون أن تتنازل، وأن تستخدم الوسطاء دون أن تعزل نفسها، وأن تبحث عن الأمن دون أن تتخلى عن الجولان، وأن تتجنب الحرب دون أن تقبل الاحتلال، وأن تكون براغماتية دون أن تفقد ذاكرتها الوطنية، وأن تبحث عن مصالحها دون أن تتخلى عن كرامتها وسيادتها.

لكن ذلك كله يحتاج إلى قاعدة وطنية واحدة لا ينبغي لأحد تجاوزها: أن العلاقة مع الكيان الصهيوني المحتل ليست ملكاً لحكومة، ولا لوزير، ولا لجهاز، ولا لشخص.
وإنما هي قضية وطنية سورية تتصل بالأرض والسيادة والحرب والسلام ومستقبل الأجيال.

ولهذا فإن أي قرار تاريخي بشأنها يجب أن يصنعه السوريون من خلال دولتهم ومؤسساتهم الدستورية، وأن يعرف الشعب اتجاهه وحدوده، لا أن يعلم به بعد أن يصنعه الآخرون.

نريد لسورية أن تفاوض من موقع الدولة، وأن تقرر من داخل مؤسساتها، وأن يكون شعبها شريكاً في الخيارات المصيرية التي ستحدد مستقبلها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

فعاليات الأسبوع العالمي للمياه

تسليط الضوء على فعاليات الأسبوع العالمي للمياه وكيفية تأثيرها على الأمن المائي في سورية.

24 أغسطس 2026

إدارة الموقع

دعم بيان الخارجية السورية حول التوغل الإسرائيلي

دعم بيان الخارجية السورية حول التوغل الإسرائيلي يبرز أهمية حماية المدنيين وضرورة وقف العدوان.

23 أغسطس 2026

إدارة الموقع