ملخص تنفيذي:
تمثل سياسة التوازن وعدم الانحياز التي تتبناها الحكومة السورية الجديدة تحولاً استراتيجياً في الدبلوماسية السورية، بعد عقود من الانحياز لمحاور إقليمية ودولية أضرت بمصالح البلاد وأدخلتها في صراعات لم تكن طرفاً فيها.
يستند هذا التوجه إلى مبادئ حركة عدم الانحياز التي شاركت سورية في تأسيسها عام 1961، وإلى نظرية التوازن في العلاقات الدولية التي تؤكد أن استقلالية القرار الوطني تتحقق عبر تنويع العلاقات وعدم الارتهان لقوة مهيمنة واحدة.
تستعرض هذه الدراسة الأسس النظرية لسياسة التوازن وعدم الانحياز، وتُحلل تطبيقاتها العملية في السياسة الخارجية السورية الجديدة، وتناقش التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها، وتقدم توصيات براغماتية لضمان استدامتها، انطلاقاً من رؤية تيار المستقبل السوري القائمة على السيادة الوطنية والمصالح العليا للشعب السوري.
أولاً: الإطار النظري:
أ. حركة عدم الانحياز:
تأسست حركة عدم الانحياز في مؤتمر بلغراد عام 1961، وانبثقت من مؤتمر باندونغ الذي عُقد في أبريل/نيسان 1955، حيث اجتمع قادة 29 دولة أفريقية وآسيوية، بينها سورية، لوضع أسس التعاون بين دول "العالم الثالث" في خضم الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
وقد أعلن المؤتمر عن مبادئ باندونغ العشرة، التي أصبحت جوهر سياسة عدم الانحياز، وتضمنت: احترام حقوق الإنسان الأساسية، واحترام سيادة جميع الدول، والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة، والحل السلمي للنزاعات الدولية، وتعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل، واحترام العدالة والالتزامات الدولية .
وقد شاركت سورية في المؤتمر التأسيسي للحركة عام 1961، مما يجعل عودتها النشطة إلى هذه المنصة اليوم تجسيداً لاستمرارية تاريخية وانسجاماً مع مبادئها.
ب. نظرية التوازن في العلاقات الدولية:
تستند سياسة التوازن وعدم الانحياز إلى نظرية التوازن في العلاقات الدولية، التي تؤكد أن استقرار النظام الدولي يتحقق عندما لا تهيمن عليه قوة واحدة، وأن الدول الصغرى والمتوسطة تحقق مصالحها عبر تنويع علاقاتها وعدم الارتهان لقوة كبرى.
في السياق السوري، يعني هذا أن سورية الجديدة تسعى إلى:
- تنويع الشراكات الدولية مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، أوروبا) والإقليمية (تركيا، السعودية، الإمارات، قطر، الأردن).
- تجنب الاصطفاف في صراعات القوى الكبرى، مع الحفاظ على مواقف مستقلة تعكس المصالح الوطنية.
- المشاركة الفاعلة في المنظمات الدولية، لتعزيز الحضور الدبلوماسي ودفع المصالح الوطنية.
ثانياً، التطبيقات العملية في السياسة الخارجية السورية الجديدة:
أ. المشاركة الفاعلة في المنظمات الدولية:
أكدت سورية الجديدة التزامها بمبادئ حركة عدم الانحياز من خلال مشاركتها الفاعلة في قمة الحركة في كمبالا في تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث شدد الوفد السوري على "النهج المتوازن الذي تنتهجه في علاقاتها الإقليمية والدولية".
كما جددت دول الحركة ترحيبها بعودة سورية إلى مكانتها الطبيعية داخل المنظومة الدولية، مشيدةً بمسار التغيير القائم على القيادة والملكية الوطنية .
ب. تنويع العلاقات الدولية:
تمكنت سورية الجديدة من بناء جسور تواصل مع مختلف الأطراف الدولية، في تحول لافت عن عقود من الارتباط الوثيق بالسياسات الإيرانية والتحالف مع روسيا.
وقد حققت سورية اختراقات ملحوظة في ملفات العلاقات الدولية، وتشمل:
- العلاقات مع الولايات المتحدة: تحولت العلاقة مع واشنطن من العداء إلى التنسيق، وتوج هذا المسار بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وإعلان انضمام سورية إلى التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
كما رعت واشنطن قرار مجلس الأمن الذي أزال العقوبات من أبرز المسؤولين السوريين الجدد، مما ساهم في إعادة إدماج سورية في النظام المالي العالمي، وعزز الاستقرار المالي. - العلاقات مع روسيا: تحولت العلاقة مع موسكو من خانة العداء إلى التنسيق والشراكة، وتم تبادل الزيارات الرسمية بين المسؤولين السوريين والروس، واختتمت بلقاء الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وأكدت التقارير التوافق بين الجانبين على التعاون العسكري، كما زار وفد تقني روسي محافظة القنيطرة أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2025. - العلاقات مع الصين: ظهرت مؤشرات على تطور العلاقات مع بكين، تمثلت بامتناع الصين عن استخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الذي أقر رفع العقوبات عن القيادة السورية الجديدة، واستقبال بكين لوزير الخارجية أسعد الشيباني والتوافق على تأسيس مجلس الأعمال السوري الصيني.
- العلاقات مع الدول العربية والإقليمية: أعادت سورية تموضعها إقليمياً، وعززت علاقاتها مع تركيا والسعودية وقطر والأردن، وانعكست نتائج هذه التحولات في أولى زيارات الشرع الخارجية مطلع 2025 إلى السعودية وتركيا وقطر والأردن.
ج. الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية:
إلى جانب الدبلوماسية السياسية، تستثمر سورية الجديدة في دبلوماسية اقتصادية تهدف إلى جذب الاستثمارات ودعم جهود إعادة الإعمار، من خلال تقديم سورية كوجهة استثمارية آمنة ومستقرة، وبيئة جاذبة للشراكات الدولية.
كما تعمل سورية على تعزيز حضورها في المحافل الثقافية، لإبراز صورتها الجديدة كدولة منفتحة على العالم، وقادرة على الإسهام في السلام والتنمية الإقليمية.
ثالثاً، التحديات الداخلية:
أ. موجة الاحتجاجات الداخلية:
تشير تحليلات معهد واشنطن إلى أن سورية تشهد موجة احتجاجات منذ بداية العام 2026، شارك فيها عمال النقل والمزارعون والممرضون والمعلمون والمحامون وطلاب الجامعات، وتركزت مطالبهم على تخفيف حدة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وضمان الحقوق المدنية، ومحاكمة المتورطين في جرائم النظام السابق.
ويمكن ملاحظة أن هذه الاحتجاجات تعكس "رغبة في مساءلة الحكومة الجديدة عبر إحدى القنوات القليلة المتاحة حالياً" .
وتتزامن هذه الاحتجاجات مع تحذيرات دويتشه فيله من أن غياب العدالة الانتقالية يؤجج أعمال الانتقام ويهدد الاستقرار .
ومن شأن هذه التحديات الداخلية أن تُضعف قدرة الحكومة على تركيز مواردها وطاقاتها في تنفيذ سياسة خارجية متوازنة، وتجعلها أكثر عرضة للضغوط الدولية في حال فشلت في تلبية مطالب المواطنين.
ب. العنف الطائفي وعدم الاستقرار الأمني:
تشير بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع (ACLED) إلى أن الاستقرار لم يشمل المناطق التي تقطنها أقليات، حيث عجزت الدولة عن ترسيخ سلطتها بشكل كامل.
وقد سجلت خمس محافظات (اللاذقية، السويداء، طرطوس، حماة، وحمص) اشتباكات عنيفة وعمليات قتل طالت مجتمعات درزية وعلوية .
هذا الوضع الأمني الهش يُضعف الموقف التفاوضي لسورية، ويُقلص من قدرتها على المناورة في المحافل الدولية، حيث يمكن للخصوم استغلال هذه الثغرات للضغط على الحكومة.
ج. الأزمة الاقتصادية وتكاليف إعادة الإعمار:
تشير تحليلات معهد واشنطن إلى أن تكاليف إعادة الإعمار في سورية تقدر بـ 216 مليار دولار، في وقت تعاني فيه الحكومة من محدودية الموارد المالية وضعف البنية التحتية .
هذه الأزمة الاقتصادية تؤثر على قدرة سورية على تنفيذ سياسة خارجية مستقلة، وتجعلها أكثر احتياجاً للدعم الخارجي، مما قد يحد من استقلالية قرارها ويجعلها عرضة للإملاءات الدولية.
رابعاً، التحديات الخارجية:
أ. تعدد المصالح الإقليمية المتضاربة:
تواجه سياسة التوازن تحدياً كبيراً في التوفيق بين المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية الفاعلة في سورية.
فتركيا وإيران وإسرائيل والسعودية وقطر والإمارات، لكل منها مصالحها الخاصة في سورية.
والموازنة بين هذه المصالح تتطلب حنكة دبلوماسية استثنائية، وقدرة على إدارة التناقضات دون الانحياز لأحد الأطراف على حساب الآخر.
ويشير تقرير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إلى أن "الدعم السعودي لدمشق سيكون حاسماً في سياق إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، خاصة بين القوى غير العربية مثل تركيا وإسرائيل وإيران" .
وهذا يعني أن سورية بحاجة إلى إدارة علاقاتها مع الرياض وأنقرة وطهران وتل أبيب في وقت واحد، دون أن تُتهم بالانحياز لأي منها.
ب. استمرار العقوبات الاقتصادية:
تشير تقديرات مجلس الشرق الأوسط إلى أن رفع العقوبات المفروضة على سورية "ضروري لإفساح المجال أمام تحقيق تحول إيجابي"، ومع ذلك، لا تبدو الولايات المتحدة وأوروبا في عجلة من أمرهما لاتخاذ هذه الخطوة .
وهذا يضع الحكومة السورية أمام معضلة: فهي تحتاج إلى رفع العقوبات لجذب الاستثمارات ودعم إعادة الإعمار، لكن رفع العقوبات مرتبط بتقدمها في ملفات أخرى، مثل العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.
خامساً، السيناريوهات المستقبلية لتطبيق سياسة التوازن:
يبدو أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل سورية، يمكن تطبيقها على مسار سياسة التوازن:
السيناريو الأول: الاستقرار النسبي والنجاح المشروط (الأكثر ترجيحاً).
في هذا السيناريو، تنجح الحكومة في احتواء الاحتجاجات الداخلية جزئياً، وتحقق تقدماً في العدالة الانتقالية، وتجتذب استثمارات محدودة، وتواصل تنويع علاقاتها الدولية.
وتظل سياسة التوازن قابلة للتطبيق، لكن مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية.
السيناريو الثاني: فشل سياسة التوازن بسبب الأزمات الداخلية (السيناريو المتشائم).
إذا استمرت الاحتجاجات وتفاقم العنف الطائفي وتعثرت جهود إعادة الإعمار، قد تضطر الحكومة إلى الانكفاء على نفسها أو اللجوء إلى حليف إقليمي واحد، مما يُفقد سياستها الخارجية طابعها المتوازن ويعيد إنتاج منطق المحاور.
السيناريو الثالث: نجاح استثنائي بفضل الدعم الإقليمي والدولي (السيناريو المتفائل).
إذا نجحت الحكومة في معالجة الملفات الداخلية، وحظيت بدعم إقليمي ودولي واسع، قد تصبح سورية نموذجاً ناجحاً لسياسة التوازن، وتستعيد دورها كجسر للتعاون الإقليمي، وتنجح في جذب استثمارات كبيرة لإعادة الإعمار.
سادساً، التوصيات:
انطلاقاً من مسؤولية تيار المستقبل السوري الوطنية، وحرصاً على استدامة سياسة التوازن وعدم الانحياز وتعزيز دورها في خدمة المصالح الوطنية، يوصي بما يلي:
أولاً، تعزيز العلاقات المتوازنة مع القوى الكبرى:
- الاستمرار في تنويع العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز مكانة سورية كفاعل دولي مستقل.
- تجنب الانزلاق إلى فخ الصراعات المحورية، والتركيز على المصالح المشتركة والتعاون في المجالات ذات المنفعة المتبادلة (الأمن، الطاقة، إعادة الإعمار).
ثانياً، تفعيل دور سورية في المنظمات الدولية والإقليمية:
- تعزيز المشاركة الفاعلة في حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، بما يسهم في تعزيز الحضور الدبلوماسي ودفع المصالح الوطنية.
- نقل تجربة سورية في التحول السياسي إلى المحافل الدولية، وإبراز التحديات والإنجازات التي حققتها في المرحلة الانتقالية.
ثالثاً، معالجة التحديات الداخلية كشرط لاستدامة السياسة الخارجية:
- الإسراع في تحقيق العدالة الانتقالية، لمنع تفاقم أعمال الانتقام وتهديد الاستقرار، كما حذر تقرير دويتشه فيله .
- تعزيز الاستقرار الأمني من خلال بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، خاصة في مناطق الأقليات التي شهدت اشتباكات.
- دعم جهود المصالحة الوطنية لضمان تماسك النسيج الاجتماعي، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية المشروعة للمحتجين.
رابعاً، استثمار العلاقات المتوازنة في جذب الاستثمارات ودعم إعادة الإعمار:
- تقديم سورية كوجهة استثمارية آمنة ومستقرة، وبيئة جاذبة للشراكات الدولية، مع التركيز على القطاعات الحيوية (الطاقة، البنية التحتية، الزراعة، الصناعة).
- رفع العقوبات الاقتصادية كهدف دبلوماسي رئيسي، مع الاستفادة من الدعم السعودي لدفع هذا الملف.
خامساً، تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية:
- إبراز صورة سورية الجديدة كدولة منفتحة على العالم، وقادرة على الإسهام في السلام والتنمية الإقليمية.
- الاستثمار في الدبلوماسية الثقافية لتعزيز التفاهم المتبادل وبناء جسور الثقة مع الدول المختلفة.
خاتمة:
تُمثل سياسة التوازن وعدم الانحياز الخيار الاستراتيجي الأمثل لسورية الجديدة، وهي الترجمة العملية لرؤية تقوم على السيادة الوطنية، والمصالح العليا للشعب، والانفتاح البنّاء على العالم.
وقد أثبتت سورية الجديدة، من خلال مشاركتها الفاعلة في حركة عدم الانحياز وتنويع علاقاتها الدولية، قدرتها على تجاوز عقود من الانحياز لمحاور خارجية، وبناء سياسة خارجية مستقلة تعكس إرادة السوريين في بناء علاقات دولية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
غير أن نجاح هذه السياسة يتطلب إرادة سياسية ثابتة، ودبلوماسية حكيمة، ودعماً شعبيا واسعاً، وقدرة على التعامل مع تعقيدات السياسة الدولية.
وهذا يتطلب من الحكومة السورية الاستمرار في نهجها المتوازن، وتفعيل دورها في المنظمات الدولية والإقليمية، واستثمار علاقاتها في جذب الاستثمارات ودعم جهود إعادة الإعمار، مع إدارة الملفات الداخلية بحنكة لضمان استدامة الاستقرار.
في تيار المستقبل السوري، نُجدد تأكيدنا على أن سياسة التوازن وعدم الانحياز هي الركيزة الأساسية في بناء سورية الجديدة، دولة القانون والمؤسسات، القادرة على استعادة دورها الحضاري في المنطقة والعالم. ونحن على استعداد لتقديم الخبرة والدعم في هذا المسار، انطلاقاً من رؤيتنا في بناء سورية المستقبل، حيث السيادة والكرامة والتنمية هي الغايات، والدبلوماسية الحكيمة هي السبيل.