مكافحة غسل الأموال في سورية

مقدمة:

تُعد جريمة غسل الأموال من أخطر الجرائم الاقتصادية والمالية ذات الطبيعة المركبة والعابرة للحدود، ليس فقط لأنها تمنح الأموال المتحصلة من الجريمة مظهراً مشروعاً، وإنما لأنها تتيح للجريمة المنظمة والفساد والتهريب والاتجار غير المشروع أن تتحول من نشاط هامشي إلى قوة اقتصادية قادرة على التأثير في الأسواق والمؤسسات والقرار العام.

ومن هنا، فإن غسل الأموال لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد جريمة مالية مستقلة، بل باعتباره منظومة تمكين للجريمة الأصلية؛ فكلما نجح مرتكبو الجرائم في إدخال عائداتهم إلى الدورة الاقتصادية المشروعة، ازدادت قدرتهم على إعادة إنتاج نشاطهم، وشراء النفوذ، وإفساد المؤسسات، وإضعاف المنافسة المشروعة، والسيطرة على قطاعات من الاقتصاد.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في سورية بسبب الخصائص الاستثنائية التي تراكمت خلال سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية: اتساع الاقتصاد غير الرسمي، انتشار التعامل النقدي، ضعف الثقة بالمؤسسات المالية، الهجرة الواسعة لرؤوس الأموال، تعدد قنوات الحوالات، انتشار شبكات التهريب، ضعف الشفافية في بعض الأنشطة التجارية والعقارية، وتداخل المال المشروع بمال يصعب التحقق من مصدره.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح القاعدة التقليدية التي تقوم على تجريم الفعل ثم ملاحقة مرتكبه بعد وقوعه غير كافية.

فالمطلوب اليوم هو الانتقال من فلسفة ملاحقة المال بعد غسله إلى فلسفة منع المال غير المشروع من اكتساب الشرعية أصلاً.

ويرى تيار المستقبل السوري أن مكافحة غسل الأموال يجب أن تصبح جزءاً أساسياً من مشروع إعادة بناء الدولة السورية، لأن سلامة النظام المالي ليست قضية مصرفية فحسب، وإنما تتصل بسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وحماية الملكية، وجذب الاستثمار، وإعادة الإعمار، والثقة الدولية بالاقتصاد السوري.

أولاً: غسل الأموال بوصفه تهديداً للدولة لا مجرد مخالفة مالية

تكمن الطبيعة الخطرة لغسل الأموال في أنه يمثل الحلقة التي تربط الجريمة بالاقتصاد المشروع.

فالمال المتأتي من الرشوة أو الاختلاس أو التهريب أو الاتجار غير المشروع أو الفساد أو الجريمة المنظمة لا يحقق لصاحبه قوته الحقيقية ما دام عاجزاً عن استخدامه بصورة طبيعية. ولذلك يسعى مرتكبو الجرائم إلى المرور بمراحل وأساليب مختلفة لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، وتعقيد مسارها، ثم إعادة دمجها في الاقتصاد بصورة تبدو مشروعة.

وهنا يتحول غسل الأموال إلى خطر متعدد المستويات.

فهو اقتصادياً يؤدي إلى تشويه المنافسة، لأن صاحب المال غير المشروع لا يخضع لمنطق الربح والخسارة الذي يخضع له المستثمر الطبيعي، وقد يكون مستعداً لشراء عقار أو شركة أو سلعة بسعر يفوق قيمتها الحقيقية فقط بهدف تحويل المال أو إخفاء مصدره.

وهو نقدياً يفاقم الاضطرابات في سوق الصرف، ولا سيما عندما ترتبط عمليات غسل الأموال بالمضاربة أو التحويلات غير الرسمية أو التهريب النقدي عبر الحدود.

وهو اجتماعياً يسمح بتكوين طبقات ثراء غير مرتبطة بالإنتاج والعمل والاستثمار، بما يضرب مفهوم العدالة الاقتصادية ويعزز شعور المواطن بأن الثروة مرتبطة بالنفوذ والفساد لا بالكفاءة.

أما سياسياً وأمنياً، فإن الخطر الأكبر يتمثل في قدرة المال غير المشروع على شراء النفوذ والتأثير في المؤسسات والإدارة العامة، بما يسمح بانتقال الجريمة من محاولة الهرب من الدولة إلى محاولة اختراق الدولة نفسها.

ثانياً: الإطار التشريعي السوري والفجوة بين النص والواقع

شهدت المنظومة القانونية السورية خلال العقود الماضية محاولات لبناء إطار خاص بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بدءاً من المرسوم التشريعي رقم (33) لعام 2005، مروراً بالقانون رقم (20) لعام 2010 وتعديلاته، وما تلاه من تشريعات وإجراءات ذات صلة، ومنها القانون رقم (46) لعام 2013.

وقد شكلت هذه النصوص انتقالاً مهماً من غياب التنظيم المتخصص إلى الاعتراف بخطورة غسل الأموال وضرورة إنشاء منظومة للرقابة والإبلاغ والتحقيق والتعاون.

كما حاول المشرع السوري الاقتراب من المعايير الدولية، ولا سيما المبادئ التي كرستها مجموعة العمل المالي FATF بشأن تجريم غسل الأموال، والعناية الواجبة، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، ومعرفة العميل، وتحديد المستفيد الحقيقي، والتعاون الدولي.

لكن المشكلة السورية لم تعد اليوم في وجود النص الجنائي من عدمه.

المشكلة الأساسية هي فاعلية النص.

فالقانون الذي يجرّم غسل الأموال لا يحقق غايته إذا كانت الدولة عاجزة عن اكتشاف المال المشبوه قبل دمجه في السوق، أو عن معرفة مالكي الشركات الحقيقيين، أو تتبع حركة الأموال بين القطاعات، أو ربط البيانات المصرفية والضريبية والعقارية والجمركية بعضها ببعض.

وهنا تظهر الفجوة بين التجريم النظري والقدرة التنفيذية.

ويرى تيار المستقبل السوري أن تقييم التشريع السوري يجب ألا يقتصر مستقبلاً على عدد المواد القانونية أو شدة العقوبات، وإنما ينبغي أن يقوم على أسئلة أكثر واقعية:

كم عملية مشبوهة تم اكتشافها؟
كم تحقيقاً مالياً موازياً أُجري إلى جانب التحقيق في الجريمة الأصلية؟
كم أصلاً جُمّد أو صودر بحكم قضائي؟
هل تستطيع الجهات المختصة تحديد المستفيد الحقيقي من الشركات والعقارات؟
وما مقدار الأموال التي عادت إلى الخزينة العامة نتيجة مكافحة الجرائم المالية؟

إن الانتقال إلى هذه المؤشرات هو الذي يحول مكافحة غسل الأموال من نصوص قانونية إلى سياسة دولة قابلة للقياس والمساءلة.

ثالثاً: اقتصاد الظل بوصفه الحاضنة الأوسع للمشكلة

أفرزت السنوات الماضية توسعاً كبيراً في الاقتصاد غير الرسمي السوري.

ولا يجوز بالطبع اعتبار كل نشاط اقتصادي غير رسمي نشاطاً إجرامياً؛ فقد اضطر ملايين السوريين نتيجة ظروف الحرب والفقر وتعطل المؤسسات إلى اللجوء إلى أنماط اقتصادية بديلة للبقاء.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القنوات غير الرسمية من استجابة اجتماعية اضطرارية إلى بنية مالية موازية تسمح بإخفاء الملكية ومصدر الأموال وحركتها.

وتزداد المخاطر في البيئات التي تنتشر فيها التعاملات النقدية الكبيرة، والحوالات غير المنظمة، والتجارة الحدودية غير المنضبطة، وتسجيل الأموال أو العقارات بأسماء أشخاص غير المستفيدين الحقيقيين، والشركات الواجهية، والصفقات التي لا تتناسب قيمتها المعلنة مع قيمتها الفعلية.

ولهذا فإن مواجهة اقتصاد الظل لا يمكن أن تقوم على التجريم الجماعي أو الإجراءات الصادمة، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويدفع مزيداً من المواطنين والأعمال إلى خارج النظام الرسمي.

المطلوب هو إعادة إدماج الاقتصاد غير الرسمي تدريجياً في الاقتصاد النظامي عبر الحوافز والرقمنة وتبسيط الإجراءات والضرائب المعقولة، بالتوازي مع استهداف الشبكات الإجرامية الكبرى بصورة صارمة.

رابعاً: العقارات وإعادة الإعمار بوصفهما إحدى نقاط الخطر الكبرى

يرى تيار المستقبل السوري أن الملف العقاري يستحق عناية خاصة في أي استراتيجية سورية مستقبلية لمكافحة غسل الأموال.

فالقطاع العقاري بطبيعته يسمح باستيعاب مبالغ مالية كبيرة في صفقة واحدة، كما أن التفاوت بين السعر الحقيقي والسعر المسجل، واستخدام الوسطاء والوكلاء، وتعدد عمليات البيع والشراء، كلها قد تجعل العقار أداة مناسبة لإخفاء المال غير المشروع.

وتزداد الخطورة مع انطلاق عمليات إعادة الإعمار، إذ ستدخل السوق السورية ـ في حال تحسن البيئة الاقتصادية ـ رؤوس أموال كبيرة من الداخل والخارج.

وهنا يجب ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مرحلة لغسل ثروات الحرب والفساد والتهريب.

ولهذا يجب إخضاع شركات التطوير العقاري والمقاولات الكبرى والمستثمرين في المشاريع ذات القيمة المرتفعة لمعايير واضحة للتحقق من مصادر التمويل، والكشف عن المستفيد الحقيقي، والإفصاح عن هياكل الملكية.

خامساً: المستفيد الحقيقي… الحلقة المفقودة

من أكثر الأدوات القانونية أهمية في مكافحة غسل الأموال مفهوم المستفيد الحقيقي Beneficial Owner.

فمعرفة اسم الشركة لا تكفي.
ومعرفة المدير لا تكفي.
وحتى معرفة المساهم المسجل قد لا تكفي.

السؤال الحقيقي هو: من الشخص الطبيعي الذي يملك أو يسيطر فعلياً على المال أو الشركة أو الأصل؟

ولهذا ينبغي إنشاء سجل وطني مركزي للمستفيدين الحقيقيين من الشركات والكيانات القانونية، مع إلزام الشركات بالإفصاح عن الأشخاص الذين يمارسون السيطرة النهائية عليها، وفرض عقوبات على تقديم معلومات كاذبة أو استخدام هياكل صورية لإخفاء الملكية.

كما يجب ربط هذه البيانات بالسجلات التجارية والضريبية والعقارية والمصرفية والجمركية، وفق ضمانات قانونية واضحة لحماية البيانات ومنع إساءة استخدامها.

سادساً: العناية الواجبة ومعرفة العميل

يشكل مبدأ اعرف عميلك KYC خط الدفاع الأول داخل القطاع المالي.

ولا ينبغي اختزاله بصورة الهوية الشخصية أو فتح ملف مصرفي.

العناية الواجبة الحقيقية تقتضي فهم طبيعة العميل ونشاطه ومصدر أمواله وحجم معاملاته المتوقع، ثم رصد التغيرات غير الطبيعية في سلوكه المالي.

أما في الحالات مرتفعة المخاطر فيجب تطبيق العناية الواجبة المشددة Enhanced Due Diligence.

ويشمل ذلك بصورة خاصة التعاملات الضخمة أو غير المعتادة، والهياكل التجارية المعقدة دون مبرر اقتصادي واضح، والحسابات المرتبطة بقطاعات عالية المخاطر، والأشخاص المعرّضين سياسياً PEPs وفق معايير قانونية واضحة.

ويجب التأكيد هنا على قاعدة جوهرية:

صفة الشخص أو منصبه لا تعني اتهامه بالفساد، وإنما تستدعي مستوى أعلى من التدقيق بسبب طبيعة المخاطر المرتبطة بالنفوذ العام.

سابعاً: توسيع الرقابة خارج القطاع المصرفي

من الخطأ حصر مكافحة غسل الأموال بالمصارف.

فالمنظومات الحديثة لغسل الأموال غالباً ما تبحث عن الحلقة الأقل رقابة.

ولهذا يجب أن تشمل الالتزامات الرقابية القطاعات والمهن غير المالية ذات المخاطر المرتفعة، ولا سيما العقارات والمقاولات والصرافة والحوالات والمعادن الثمينة والمجوهرات، وبعض الخدمات القانونية والمحاسبية عندما تشارك في تأسيس الشركات أو إدارة الأصول أو تنفيذ المعاملات المالية نيابة عن العملاء، وفق الحدود والضمانات التي يحددها القانون.

وينبغي إلزام هذه الجهات بالاحتفاظ بالسجلات، والتحقق من الهوية، وتحديد المستفيد الحقيقي، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وتدريب العاملين لديها.

ثامناً: هيئة مكافحة غسل الأموال والحاجة إلى استقلال وظيفي حقيقي

لا تكفي تسمية مؤسسة متخصصة إذا لم تتوافر لها الاستقلالية والكفاءة والقدرة التقنية.

ويرى تيار المستقبل السوري ضرورة إعادة تقييم البنية القانونية والمؤسساتية لهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يضمن استقلالها الوظيفي في تلقي وتحليل الإخطارات المالية، وحمايتها من التدخل السياسي والإداري.

كما ينبغي تطوير قدراتها في التحليل المالي الرقمي واستخدام أنظمة تحليل الشبكات والبيانات الضخمة وأدوات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط غير المعتادة.

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتحول إلى سلطة اتهام آلية.

فالخوارزمية أداة للكشف وتقدير المخاطر وليست قاضياً، وأي تجميد أو مصادرة أو إجراء يمس الملكية يجب أن يخضع للقانون والرقابة القضائية وحق الاعتراض.

تاسعاً: من ملاحقة المتهم إلى التحقيق المالي الموازي

من أهم التحولات المطلوبة في السياسة الجنائية السورية اعتماد مبدأ التحقيق المالي الموازي.

فعند التحقيق في جرائم الفساد والتهريب والاتجار المنظم والاختلاس والجرائم الاقتصادية الكبرى، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على: من ارتكب الجريمة؟

بل يجب أن يسير معه سؤال آخر:

أين ذهبت الأموال؟

ومن امتلكها لاحقاً؟

وما الأصول التي اشتريت بها؟

وهل نُقلت إلى أفراد الأسرة أو الشركاء أو شركات واجهة؟

وهل خرجت إلى الخارج؟

إن تتبع المال في كثير من الجرائم المنظمة قد يكون أكثر فعالية من تتبع الأشخاص وحدهم.

عاشراً: التجميد والمصادرة واسترداد الأصول

تحتاج سورية إلى منظومة أكثر فعالية لاسترداد عائدات الجريمة.

فالعقوبة السالبة للحرية، مهما بلغت شدتها، تبقى محدودة الأثر إذا احتفظ مرتكب الجريمة بالأموال التي حصل عليها.

ومن هنا يجب تطوير قواعد التجميد والحجز والمصادرة، مع تمكين القضاء من اتخاذ تدابير تحفظية عاجلة عند وجود مؤشرات جدية على احتمال تهريب الأموال أو إخفائها.

لكننا نؤكد ضرورة عدم تحويل مكافحة غسل الأموال إلى مبرر للمصادرة الاعتباطية.

حماية الاقتصاد لا تتناقض مع حماية الملكية الخاصة؛ بل إن سيادة القانون تقتضي الجمع بينهما.

ولذلك يجب أن يكون كل إجراء ماسّ بالملكية محدداً بالقانون، خاضعاً لرقابة قضائية فعالة، قابلاً للطعن، ومراعياً لحقوق الغير حسن النية.

الحادي عشر: التحول الرقمي وتقليص الاعتماد على النقد

يشكل الاعتماد الواسع على النقد إحدى أكبر العقبات أمام الرقابة المالية.

ولهذا فإن التحول نحو الدفع الإلكتروني ضرورة لمكافحة غسل الأموال والفساد والتهرب الضريبي، لكنه يجب أن يتم بصورة تدريجية ومدروسة.

ففرض سقوف نقدية شديدة الانخفاض بصورة مفاجئة في اقتصاد يعاني ضعف البنية المصرفية قد يؤدي إلى توسيع السوق السوداء بدلاً من تقليصها.

لذلك نقترح اعتماد سقوف متدرجة ومبنية على المخاطر، تبدأ بالصفقات الحكومية والعقارية والتجارية الكبرى، بالتزامن مع توسيع الحسابات المصرفية وخدمات الدفع الإلكتروني وتخفيض تكلفتها وضمان سهولة الوصول إليها.

الثاني عشر: توحيد سعر الصرف وإغلاق منافذ المضاربة غير المشروعة

إن تعدد أسعار الصرف والفوارق الكبيرة بينها يخلق حوافز للمضاربة والوساطة غير الرسمية وإخفاء القيمة الحقيقية للمعاملات.

ولهذا فإن إصلاح السياسة النقدية وتقليص الفجوة بين أسعار الصرف يمثل جزءاً من مكافحة غسل الأموال، وليس مجرد قضية اقتصادية منفصلة.

غير أن معالجة هذه الظاهرة لا تتم فقط بتشديد العقوبات، وإنما بإصلاح الأسباب الاقتصادية التي تدفع السوق نحو القنوات الموازية.

فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم السياسة العامة هي:

كلما أصبح الاقتصاد الرسمي أكثر عقلانية وسهولة وشفافية، تقلصت مساحة الاقتصاد الموازي تلقائياً.

الثالث عشر: حماية المبلغين والشهود والخبراء

لا يمكن بناء منظومة فعالة لمكافحة الجرائم المالية إذا كان من يكشف الجريمة يخشى على نفسه ووظيفته ومصدر رزقه.

ولهذا ندعو إلى إصدار تشريع متكامل لحماية المبلغين والشهود والخبراء، يضمن سرية الهوية عند الضرورة، ويحظر الانتقام الوظيفي أو الإداري، ويضع قنوات آمنة للإبلاغ، ويوفر الحماية القضائية في القضايا عالية الخطورة.

كما يجب التمييز بين البلاغ الجدي والبلاغ الكيدي، حتى لا تتحول منظومة مكافحة الفساد إلى وسيلة للانتقام الشخصي أو تصفية الحسابات.

الرابع عشر: مكافحة غسل الأموال والعدالة الانتقالية

تكتسب المسألة في الحالة السورية بعداً إضافياً يتعلق بثروات الحرب والفساد.

فالعدالة الانتقالية لا تتعلق فقط بالكشف عن الانتهاكات الجسدية والجنائية، وإنما تشمل أيضاً البحث في الشبكات الاقتصادية التي استفادت من الفساد والحرب والتهريب واستغلال النفوذ.

إن الأموال العامة المنهوبة ليست مجرد أرقام محاسبية.

إنها مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهّز، وطرق لم تُصلح، وفرص عمل حُرم منها السوريون.

ومن هنا فإن استرداد الأصول المنهوبة يجب أن يكون أحد مسارات العدالة الانتقالية الاقتصادية في سورية.

الخامس عشر: التعاون الدولي واستعادة الثقة بالنظام المالي السوري

غسل الأموال جريمة عابرة للحدود، ولذلك لا تستطيع أي دولة مواجهتها بمفردها.

وسورية بحاجة مستقبلاً إلى بناء قنوات تعاون مع وحدات الاستخبارات المالية والسلطات القضائية والرقابية الدولية لتبادل المعلومات وتتبع الأموال واسترداد الأصول.

كما أن بناء منظومة موثوقة لمكافحة غسل الأموال يمثل شرطاً مهماً لإعادة دمج سورية في النظام المالي الدولي وجذب المصارف والاستثمارات والتحويلات الشرعية.

فالمستثمر الجاد لا يبحث فقط عن الأرباح.

إنه يبحث عن دولة يعرف فيها من يملك، ومن يراقب، ومن يحاسب، وكيف يحمي القانون ماله.

توصيات تيار المستقبل السوري:

انطلاقاً مما سبق، يرى المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري ضرورة إطلاق استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة غسل الأموال واسترداد الأصول، ونوصي بما يأتي:

  1. إجراء مراجعة تشريعية شاملة لمنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بدلاً من الاكتفاء بتغليظ العقوبات، بما يضمن تحديث تعريف الجرائم الأصلية وأدوات التحقيق والمصادرة والتعاون الدولي.
  2. إجراء تقييم وطني للمخاطر يحدد القطاعات والمناطق والأنشطة الأكثر تعرضاً لغسل الأموال، وتحديثه بصورة دورية.
  3. إنشاء سجل وطني للمستفيد الحقيقي وربطه بالسجلات التجارية والضريبية والعقارية والمالية وفق ضوابط قانونية لحماية البيانات.
  4. تعزيز الاستقلال الوظيفي والتقني لهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتطوير قدراتها في التحليل المالي والرقمي.
  5. اعتماد التحقيق المالي الموازي بصورة منهجية في قضايا الفساد والتهريب والجريمة المنظمة والجرائم الاقتصادية الكبرى.
  6. إنشاء دوائر أو وحدات قضائية متخصصة بالجرائم المالية المعقدة وتأهيل قضاة ونيابات عامة وخبراء ماليين لهذا الغرض.
  7. إصدار قانون لحماية المبلغين والشهود والخبراء مع توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ.
  8. إخضاع قطاع العقارات وإعادة الإعمار لرقابة مالية مشددة لمنع استخدام مرحلة إعادة البناء في غسل أموال الحرب والفساد.
  9. تنظيم قطاع الصرافة والحوالات وفتح مسارات واقعية لترخيص الفاعلين القابلين للامتثال بدلاً من دفع كامل السوق نحو السرية.
  10. توسيع الدفع الإلكتروني تدريجياً وربطه بحوافز ضريبية وتجارية، بدلاً من الاقتصار على القيود والعقوبات.
  11. اعتماد سقوف مدروسة للتعامل النقدي في الصفقات الكبرى وخاصة العقارات والمركبات والعقود الحكومية والتجارية مرتفعة القيمة.
  12. إصلاح بيئة الصرف والسياسة النقدية بما يقلل فرص المضاربة والفوارق التي تغذي الاقتصاد غير الرسمي.
  13. تطوير منظومة وطنية لاسترداد الأصول المنهوبة في الداخل والخارج وربطها بمسار العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد.
  14. نشر تقارير دورية وشفافة تتضمن إحصاءات عن الإخطارات المشبوهة والتحقيقات والأحكام والأموال المجمدة والمصادرة والمستردة، مع احترام سرية التحقيق والبيانات الشخصية.
  15. منع تسييس ملف مكافحة غسل الأموال أو استخدامه أداة للضغط على الخصوم أو مصادرة ممتلكاتهم خارج القضاء، لأن ذلك يهدم الثقة التي يفترض بهذه المنظومة أن تبنيها.
  16. إخضاع كبار المسؤولين والأشخاص المعرّضين سياسياً لمعايير العناية الواجبة المشددة دون افتراض مسبق للاتهام أو الإدانة.
  17. إنشاء آلية تنسيق وطنية دائمة تجمع الجهات المالية والقضائية والجمركية والضريبية والعقارية والرقابية والأمنية المختصة، مع تحديد واضح للصلاحيات ومنع تضارب الاختصاصات.

خاتمة:

يرى تيار المستقبل السوري أن الخطر الحقيقي الذي يواجه سورية ليس نقص النصوص وحده، بل إمكانية وجود قانون متقدم نظرياً واقتصاد قادر عملياً على الالتفاف عليه.

ولهذا فإن المعركة ضد غسل الأموال ليست معركة عقوبات فقط.

إنها معركة شفافية، ومؤسسات، وقضاء مستقل، ومعلومات مترابطة، واقتصاد رسمي قادر على جذب المواطنين بدلاً من طردهم نحو الظل.

كما أنها معركة لاستعادة مفهوم بالغ الأهمية في سورية الجديدة:

أن الثروة المشروعة مصونة، أما الثروة الناتجة عن الجريمة والفساد واستغلال النفوذ فلا ينبغي أن تجد في الدولة الجديدة ملاذاً آمناً.

إن سورية المقبلة تحتاج إلى بيئة تحمي المستثمر ولا تحمي غاسل الأموال، وتشجع رأس المال ولا تشرعن المال القذر، وتصون الملكية الخاصة دون أن تجعل منها ستاراً لإخفاء عائدات الجريمة.

ومن هنا يدعو المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري إلى الانتقال من مرحلة عقم النص إلى فاعلية الوقاية، ومن ملاحقة الجريمة بعد اكتمالها إلى بناء منظومة تمنعها وتكشفها في مراحلها الأولى، ومن مكافحة الأشخاص وحدهم إلى تتبع المال وتجفيف منابع الجريمة واسترداد أصول السوريين.

فمكافحة غسل الأموال في سورية ليست ملفاً تقنياً هامشياً، بل أحد شروط بناء الدولة، واستعادة الثقة، وإطلاق اقتصاد سليم، وتحقيق العدالة، وإعادة سورية إلى مكانها الطبيعي في النظام المالي والاقتصادي الدولي.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور

تحليل شامل للغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور وردود الفعل العربية والدولية تجاه هذه الاعتداءات.

19 أغسطس 2026

إدارة الموقع

اتفاق سورية مع الوكالة الذرية

تعرف على اتفاق سورية مع الوكالة الذرية ودوره في تعزيز مكانة سورية الدولية والتعاون في مجالات متعددة.

19 أغسطس 2026

إدارة الموقع