من ميزان الكون إلى ميزان الدولة

قراءة مقاصدية تجديدية في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

نُشرت دراسة عن المكتب الديني في تيار المستقبل السوري حول «مقاصد الشريعة والسنن الكونية» محاولةً لبناء جسر معرفي بين ثلاثة مستويات: الوجود، والقيمة، والتشريع.

ومن بين الأفكار التي تستحق أن تُفرد بقراءة أعمق، تبرز فكرة الميزان؛ لأنها ليست مفهوماً وعظياً محدوداً، ولا حكماً فقهياً جزئياً، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها أحد المفاهيم القرآنية الجامعة التي تصل بين نظام الكون، وعدالة التشريع، وبناء الدولة.

يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].
واللافت في هذه الآيات أن القرآن ينتقل مباشرة من رفع السماء إلى وضع الميزان، ثم من الميزان الكوني إلى تكليف الإنسان بألا يطغى، وأن يقيم الوزن بالقسط.

وهنا تظهر فكرة بالغة الأهمية:


إن الإنسان لا يُطلب منه أن يستنسخ الطبيعة، وإنما أن يبني عالمه الأخلاقي والسياسي على مبدأ يقابل انتظام الخلق: عدم الطغيان واختلال الموازين.

وهذه النقطة يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لتجديد التفكير الإسلامي في الدولة والسياسة.

الميزان ليس مجرد آلة للوزن:


غالباً ما تُقرأ آيات الميزان في سياق التجارة ومنع الغش في المكاييل، وهو معنى صحيح، ولكنه جزء من دلالة أوسع.

فالميزان في الخطاب القرآني يحمل معنى المعيار الذي تستقيم به الأشياء.
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

فالكتاب هنا يحمل الهداية، والميزان يحمل معيار العدل، والغاية ليست أن يقوم الحاكم وحده بالقسط، وإنما التعبير القرآني أدق من ذلك: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.

وهذه العبارة تفتح باباً واسعاً في الفكر السياسي الإسلامي؛ إذ تجعل العدالة مسؤوليةً اجتماعية ومؤسسية، وليست منحة يقدمها الحاكم للرعية.

فالدولة العادلة، وفق هذا التصور، ليست الدولة التي يوجد فيها «حاكم صالح» فقط، وإنما الدولة التي توجد فيها موازين تمنع حتى الحاكم غير الصالح من الاستبداد.

وهنا ينتقل التفكير السياسي من أخلاق الأشخاص إلى هندسة المؤسسات.
وهذا الانتقال من أهم ما يحتاجه الفكر الإسلامي المعاصر.

من صلاح الحاكم إلى صلاح النظام:

إن جزءاً كبيراً من تراثنا السياسي ركز بفعل ظروفه التاريخية، على صفات الحاكم: عدله، وتقواه، وعلمه، وشجاعته، وقدرته على الرعية.
وهذه شروط مهمة بلا شك! لكن التجربة التاريخية الإنسانية أثبتت أن الاعتماد على صلاح الأشخاص وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة.

فالإنسان يتغير، والسلطة تغري، والمصالح تتشابك، والأجيال تتعاقب.

ولهذا فإن مفهوم الميزان يسمح لنا بالانتقال من السؤال التقليدي: كيف نجد الحاكم العادل؟

إلى سؤال أكثر مؤسسية: كيف نبني نظاماً يجعل الظلم أصعب، ويجعل تصحيح الخطأ ممكناً، ويمنع اجتماع القوة كلها في يد واحدة؟

وهنا تظهر أهمية توزيع السلطات، واستقلال القضاء، والرقابة، والمساءلة، وحرية النقد، وشفافية المال العام، وتداول المسؤوليات.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الآليات بوصفها مجرد منتجات سياسية حديثة مستوردة، بل يمكن فهم جوهرها من داخل مقصد قرآني أصيل هو منع الطغيان في الميزان.

فالسلطة التي لا يقابلها رقابة مختلة، والمال الذي لا تقابله مساءلة مختل، والأكثرية التي لا تحمي حقوق الأقلية مختلة، والحرية التي لا تقابلها مسؤولية مختلة، والأمن الذي يسحق الكرامة مختل.
وكذلك الدولة التي تعجز عن حماية المجتمع باسم الحرية مختلة.
فالدولة الناجحة إذاً ليست دولة الإفراط ولا التفريط، وإنما دولة الميزان، والميزان لا يعني المساواة الحسابية!.

وهنا من الضروري تحرير مفهوم مهم، وهو أن الميزان لا يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه، ولا أن نجعل جميع المواقع والحقوق والواجبات متماثلة.
فالعدل أوسع من المساواة الحسابية.
وقد يكون إعطاء المتفاوتين الشيء نفسه ظلماً، كما قد يكون التفريق بينهم ظلماً.

ولهذا قال القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

فالعدل إعطاء كل ذي حق حقه، ضمن قاعدة عامة معلومة، لا وفق الهوى ولا المحاباة.

ومن هنا يمكن تأسيس مفهوم المواطنة العادلة: المواطنون متساوون أمام القانون وفي أصل الكرامة والحقوق السياسية، لكن الدولة تراعي في سياساتها الفئات الأضعف والمناطق الأكثر تضرراً والأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية إضافية.

فليست العدالة أن تعامل محافظة دمرتها الحرب كما تعامل محافظة لم تتعرض للدمار نفسه، وإنما قد تقتضي العدالة تخصيص موارد أكبر للأولى لإعادة التوازن.

وهذا هو الانتقال من المساواة الشكلية إلى العدالة المقاصدية.

الميزان والحرية:

إن من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها بعض القراءات السياسية للدين أنها وضعت النظام مقابل الحرية، حتى أصبح الحفاظ على الدولة مبرراً لتقليص حقوق الإنسان.

والحقيقة أن الميزان القرآني لا يسمح بهذا الفصل.

فالإنسان الذي خلقه الله مكلفاً لا يمكن أن يكون مكلفاً بغير قدرة على الاختيار.

لكن الحرية نفسها ليست إطلاقاً للفوضى أو الاعتداء على الآخرين.

وهنا يظهر الميزان مرة أخرى:
فحرية بلا قانون تتحول إلى فوضى، وقانون بلا حرية يتحول إلى استبداد.

ولذلك فإن الدولة المقاصدية ليست دولة تختار بين الحرية والنظام، وإنما دولة تبني نظاماً يحمي الحرية، وحريةً لا تهدم النظام.

وهذه إحدى المعادلات الكبرى التي تحتاجها سورية الجديدة.

الميزان والسلطة:

في الدولة الحديثة لا يكفي أن نقول إن السلطة أمانةو والأمانة تحتاج إلى ضمانات.
والقرآن نفسه لم يجعل القوة منفصلة عن المسؤولية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

فالسلطة أمانة لأنها ليست ملكاً لصاحبها.

ومن هنا يمكن اشتقاق قاعدة سياسية معاصرة: ((كلما ازدادت السلطة، وجب أن تزداد معها الرقابة)).
فلا يوجد ميزان إذا كان أحد طرفيه يستطيع أن يفعل ما يشاء دون مساءلة.

ولهذا فإن الفصل المتوازن بين السلطات ليس صراعاً بينها، بل حماية لها جميعاً.

فالقضاء المستقل لا يضعف السلطة التنفيذية، وإنما يحميها من الوقوع في الظلم.
والبرلمان الرقابي لا يهدم الحكومة، وإنما يساعدها على اكتشاف أخطائها.
والإعلام الحر لا يعادي الدولة، وإنما يكشف مواقع الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.
والمعارضة الوطنية ليست عدواً للدولة؛ بل يمكن أن تكون أحد أوزان الميزان السياسي الذي يمنع الاحتكار.
والشورقراطية بوصفها بحثاً عن الميزان

ومن هنا يمكن فهم رؤية تيار المستقبل السوري في «الشورقراطية» بصورة أعمق.
فهي ليست مجرد محاولة للجمع اللغوي بين الشورى والديمقراطية، وإنما ينبغي أن تُفهم باعتبارها بحثاً عن معادلة تجمع القيمة والآلية.

فالشورى تمنح السياسة بعدها الأخلاقي: عدم الاستبداد بالرأي، واحترام الجماعة، وتحمل المسؤولية.

والديمقراطية تقدم مجموعة من الآليات المعاصرة التي تسمح بتحويل المشاركة إلى مؤسسات: الانتخابات، والرقابة، والفصل بين السلطات، والتداول، والمحاسبة.
لكن كليهما يحتاج إلى ميزان.

فالأكثرية الديمقراطية لا يجوز أن تتحول إلى استبداد عددي.
والمرجعية القيمية لا يجوز أن تتحول إلى سلطة مغلقة تحتكر تفسير الدين.

لهذا فإن الدولة التي نطمح إليها لا يحكمها «صوت الأكثرية» وحده ولا «ادعاء امتلاك الحقيقة» وحده، وإنما تضبطها منظومة من الحقوق والقيم والمؤسسات.
وهذا هو الميزان السياسي.

الميزان في الاقتصاد:

إن الدولة التي تبحث عن التوازن السياسي ولا تبحث عنه اقتصادياً ستكتشف سريعاً أن الاختلال الاقتصادي يهدد السياسة نفسها.

فالقرآن يقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7].
وهذا لا يعني محاربة الثروة أو الملكية الخاصة، كما لا يعني اقتصاداً تتحكم الدولة في كل تفاصيله.
بل يعني منع تحول المال إلى قوة مغلقة تعيد إنتاج نفسها وتحتكر الفرص.

وهنا أيضاً نحتاج الميزان: نريد الاستثمار ولكن لا نريد الاحتكار.
ونريد الملكية الخاصة ولكن لا نريد استباحة المال العام.
ونريد سوقاً حرة ولكن لا نريد سوقاً بلا قواعد.
ونريد الضرائب ولكن لا نريد أن تتحول إلى عقوبة على الإنتاج.
ونريد حماية العمال ولكن لا نريد قوانين تجعل الاستثمار مستحيلاً.

فالسياسة الاقتصادية الرشيدة ليست اختيار طرف وإلغاء الآخر، وإنما بناء ميزان يحفز الإنتاج ويحفظ العدالة في آن واحد.
والميزان في المرحلة الانتقالية السورية أكثر ضرورة

إن سورية تعيش مرحلة استثنائية، والخطر في المراحل الاستثنائية أن تتحول الضرورة إلى قاعدة دائمة.

نعم، قد تحتاج الدولة في ظرف معين إلى صلاحيات إضافية لمواجهة تهديد أمني أو فراغ مؤسسي، لكن فقه الميزان يقتضي أن تكون هذه الصلاحيات محددة، ومبررة، ومؤقتة، وخاضعة للمراجعة.

لأن الاستثناء إذا لم يكن له سقف يتحول إلى نظام حكم.

والمرحلة الانتقالية الناجحة ليست التي تؤجل المؤسسات بحجة أنها انتقالية، بل التي تستخدم المرحلة الانتقالية لبناء المؤسسات التي تنهي الحاجة إلى الاستثناء.

وهنا يظهر الفرق بين عقلية الدولة وعقلية السلطة.
فالسلطة تسأل: كيف نحافظ على قدرتنا على القرار؟
أما الدولة فتسأل: كيف نبني نظاماً يستمر عادلاً حتى عندما يتغير أصحاب القرار؟

وهذه هي فلسفة الميزان في أعمق معانيها.

من المقاصد إلى هندسة الدولة:


إن التجديد المقاصدي الحقيقي لا يكون بكثرة الحديث عن المقاصد الكبرى فقط، وإنما بتحويلها إلى قواعد مؤسسية قابلة للقياس.
فإذا قلنا إن العدل مقصد، فعلينا أن نسأل: كيف نقيس استقلال القضاء؟
وإذا قلنا إن الشورى مقصد، نسأل: كيف يشارك المواطن في القرار؟
وإذا قلنا إن حفظ المال مقصد، نسأل: كيف تتم مراقبة الإنفاق العام؟
وإذا قلنا إن كرامة الإنسان مقصد، نسأل: ما الضمانات التي تمنع التعذيب والاعتقال التعسفي؟
وإذا قلنا إن وحدة المجتمع مقصد، نسأل: كيف نحمي حقوق المكونات دون تحويل التنوع إلى محاصصة؟
وبهذا تنتقل المقاصد من فضاء الموعظة إلى فضاء الدولة.

وهذا، في تقديرنا، أحد أهم أبواب تجديد الفقه السياسي الإسلامي في القرن الحادي والعشرين.

خلاصة:

إن الآية الكريمة ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ ليست حديثاً عن الطبيعة فحسب، ولا عن ميزان السوق وحده، وإنما تحمل تصوراً حضارياً بالغ العمق.
فالله خلق الكون على نظام، وأعطى الإنسان الحرية، ثم حمّله مسؤولية ألا يحول حريته إلى طغيان.

ومن هنا فإن الدولة الأقرب إلى المقصد الشرعي ليست الأكثر استخداماً للمفردات الدينية، وإنما الأكثر قدرة على إقامة الميزان بين القوة والحق، والحرية والمسؤولية، والفرد والمجتمع، والسلطة والرقابة، والأكثرية والأقلية، والسوق والعدالة، وثبات المبادئ وتغير الوسائل.

إن سورية التي نريدها لا تحتاج إلى دولة ضعيفة باسم الحرية، ولا إلى دولة متغولة باسم الاستقرار.

إنها تحتاج إلى دولة الميزان، قويةً بالقانون لا فوقه، عادلةً بين مواطنيها، خاضعةً للمساءلة، حاميةً للحقوق، وقادرةً على أن تجعل من القيم الكبرى مؤسسات حية لا شعارات مكتوبة.

وهنا يصبح استلهام السنن الكونية في الفكر المقاصدي أكثر من تأمل فكري؛ حيث يصبح مشروعاً لإعادة بناء مفهوم الدولة نفسها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

التصعيد الإسرائيلي جنوب سورية

التصعيد الإسرائيلي جنوب سورية وكيف يؤثر على وحدة الأراضي السورية وسلامتها.

7 أغسطس 2026

إدارة الموقع

زيارة الوزير الشيباني إلى أنقرة

زيارة الوزير الشيباني إلى أنقرة والمباحثات السياسية مع المسؤولين الأتراك.

7 أغسطس 2026

إدارة الموقع