يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الإعلان الصادر عن وزارة الإدارة المحلية والبيئة، يوم الأربعاء 2026م، والمتضمن إعادة 6520 موظفاً مفصولاً بسبب مشاركتهم في الثورة السورية إلى وظائفهم، من أصل 8014 موظفاً شملهم الملف، بنسبة عودة بلغت 81٪.
يرى تيار المستقبل السوري أن إعادة هؤلاء الموظفين تحمل عدة دلالات رئيسية، منها:
أولاً: تُجسّد اعترافاً رسمياً بظلم كبير لحق بآلاف السوريين، الذين فقدوا وظائفهم ومصادر رزقهم لمجرد مشاركتهم في التعبير السلمي عن مطالبهم، في واحدة من أبرز مظاهر التمييز والإقصاء التي مارسها النظام المخلوع لعقود، مما يجعل في هذه الخطوة تصحيحاً لمسار تاريخي، وبداية لرد الاعتبار لشريحة واسعة من السوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لانتمائهم للثورة.
ثانياً: تُشير إلى تحول في منهجية التعامل مع ملف العدالة الانتقالية، من المقاربة الانتقائية إلى المقاربة المؤسسية القائمة على معايير واضحة.
فلم تكتفِ الوزارة بإعادة جميع المفصولين بصورة تلقائية، بل ربطت العملية بدراسة الشواغر الفعلية واحتياجات الجهات العامة، وأجرت مقابلات فردية لتقييم المهارات الفنية والإدارية لكل متقدم، وفق معايير موحدة تهدف إلى تحقيق العدالة والشفافية.
وبدوره يثمن تيار المستقبل السوري هذا النهج ويدعمه، ويرى فيه نموذجاً للإدارة الرشيدة التي توازن بين الإنصاف والكفاءة.
ثالثاً: تُبرز الالتزام بتطبيق مبدأ "عدم التمييز" في إعادة بناء مؤسسات الدولة، ونؤيد ما أكدت عليه الوزارة أن التشريع المرتقب للخدمة المدنية سيعيد تنظيم أوضاع العاملين في القطاع العام، بما يضمن المساواة في الحقوق بين الموظفين العائدين والموظفين الموجودين على رأس عملهم، ونرى في هذا التوجه خطوة نحو ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وإنهاء عقود من التمييز الذي مارسته الدولة بحق أبنائها.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية العدالة الانتقالية كشرط أساسي لبناء الدولة الجديدة:
- بيان "إعادة المفصولين تعسفيا إلى وظائفهم في وزارة الإدارة المحلية والبيئة" (بتاريخ 18 شباط/فبراير 2026): حيث رحب بالقرار الذي أصدره وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، والذي يقضي بإعادة 1200 موظف وموظفة كانوا قد فُصلوا تعسفيا من وظائفهم في عهد النظام البائد بسبب مواقفهم الداعمة للثورة السورية وانحيازهم لقيم الحرية والكرامة.
- بيان "العدالة الانتقالية في سورية" (بتاريخ 19 يونيو 2026): قدّم التيار فيه رؤية متكاملة لعملية العدالة الانتقالية، أكد فيها على أن إنصاف ضحايا النظام البائد واستعادة حقوقهم هو شرط لا غنى عنه لبناء سورية جديدة، تقوم على أسس المساءلة والمصالحة ورد الاعتبار.
يرى تيار المستقبل السوري أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تواجه تحديات كبرى تستوجب معالجة جذرية:
- استمرار بقاء 1494 موظفاً دون إعادة، فهؤلاء الموظفون، الذين لم يستوفوا شروط العودة أو لم يقدموا الوثائق المطلوبة، يحتاجون إلى آليات واضحة لمعالجة أوضاعهم، وضمان عدم تركهم خلف الركب.
- الفجوة بين العقود المؤقتة والتشريع الدائم، والتي تظهر باعادة الموظفين بعقود مؤقتة، رغم ضرورتها كحل مرحلي، حيث تترك أوضاعهم معلقة حتى صدور قانون الخدمة المدنية الجديد.
وندعو هنا إلى الإسراع في إقرار هذا التشريع، لتوفير الاستقرار الوظيفي للعائدين. - ضمان توافق التعيينات مع الكفاءة: فرغم الإجراءات المهنية التي اعتمدتها الوزارة، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تكون إعادة التوظيف قائمة على الجدارة والكفاءة، وليس فقط على الإنصاف، بما يضمن عدم تكرار ممارسات الترهل الإداري.
- غياب برامج تأهيلية للعائدين، لأن االكثير من المفصولين قضوا سنوات بعيداً عن العمل الحكومي، مما قد يستوجب برامج تدريبية وتأهيلية لتعزيز مهاراتهم ومواءمتها مع متطلبات المرحلة الحالية.
- الحاجة إلى تعميم التجربة على كافة الوزارات، فخطوة وزارة الزراعة ووزارة الإدارة المحلية يجب أن تتبعها بقية الوزارات والمؤسسات العامة، لضمان إنصاف جميع المفصولين في كافة قطاعات الدولة.
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة ومؤسساتها، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- الإسراع في إقرار قانون الخدمة المدنية الجديد، ليكون الإطار القانوني الدائم الذي ينظم أوضاع العائدين، ويضمن استقرارهم الوظيفي، ويكفل المساواة في الحقوق بين جميع الموظفين.
- معالجة أوضاع الـ 1494 موظفاً الذين لم يستوفوا الشروط، عبر تمديد المهلة لتقديم الوثائق المطلوبة، أو توفير آليات بديلة لتصويب أوضاعهم، وضمان عدم حرمانهم من حقهم في العودة.
- اعتماد برامج تدريبية وتأهيلية للعائدين، لتعزيز مهاراتهم ومواءمتها مع متطلبات العمل الحكومي في المرحلة الحالية، وضمان قدرتهم على الأداء بكفاءة.
- تعميم التجربة على كافة الوزارات والمؤسسات العامة، أسوة بوزارتي الزراعة والإدارة المحلية، لضمان إنصاف جميع المفصولين في كل قطاعات الدولة، دون استثناء.
- إنشاء آليات رقابية ومتابعة، لضمان أن تكون إعادة التوظيف قائمة على الكفاءة والجدارة، ومنع أي محاولات للالتفاف على المعايير المهنية المعتمدة.
- إطلاق حملة توعية داخل المؤسسات، لتعريف الموظفين القدامى والجدد بأهمية هذه الخطوة، وترسيخ ثقافة القبول بالآخر، ونبذ ثقافة الإقصاء والتمييز التي سادت لعقود.
يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة التي تُعيد الاعتبار لآلاف السوريين الذين فقدوا وظائفهم بسبب مواقفهم الوطنية، ويرى فيها تجسيداً لمبدأ العدالة الانتقالية الذي طالما نادى به.
ونؤكد بأن إنصاف ضحايا النظام البائد شرط أساسي لبناء الثقة بين الدولة والمواطن، ولنجاح أي مسار للمصالحة الوطنية.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، هي بداية طريق وليس نهايته، فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على إعادة الموظفين، بل تمتد إلى محاسبة الجناة، واستعادة الحقوق المسلوبة، وضمان عدم تكرار ممارسات التمييز والإقصاء.
وبدوره، سيبقى داعماً لكل ما يُعزز العدالة والمصالحة، ناقداً لكل ما يعيق تحقيقها، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي يسودها القانون، وتُصان فيها كرامة جميع المواطنين دون تمييز.