التلوث المحتمل في شبكة مياه الشرب

مقدمة:

تُعد مياه الشرب الآمنة من أهم مقومات الصحة العامة، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان.
غير أن شبكات توزيع المياه في سورية تعرضت خلال السنوات الماضية لأضرار جسيمة نتيجة الحرب، وتقادم البنية التحتية، والانقطاعات المتكررة في التغذية الكهربائية، ونقص الصيانة الدورية.
وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى انقطاع متكرر في ضخ المياه، مما زاد بشكل كبير من احتمالية تلوث شبكة مياه الشرب، خاصة في المناطق التي تعاني من وجود تسربات أو كسور في الأنابيب.
لا يقتصر خطر انقطاع المياه على عدم توفرها للمستهلكين، بل يمتد ليشمل تدهور جودة المياه وارتفاع احتمالية انتقال الملوثات والجراثيم إلى داخل الشبكة.
وفي سورية اليوم، حيث لا يزال نحو 12 مليون شخص يفتقرون إلى مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي كافية، بات هذا التهديد يشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة.

كيف يحدث التلوث أثناء انقطاع شبكة المياه؟:

تعتمد شبكات توزيع مياه الشرب على وجود ضغط إيجابي داخل الأنابيب يمنع دخول أي مواد خارجية.
وعند انقطاع الضخ لفترات طويلة، ينخفض هذا الضغط، وقد يصبح سالباً في بعض المواقع، خاصة عند وجود كسور أو تشققات أو وصلات غير محكمة.
عند انخفاض الضغط، يمكن أن تتسرب المياه المحيطة بالأنابيب إلى داخل الشبكة. وقد تكون هذه المياه ملوثة بمياه الصرف الصحي، أو مياه الري، أو مياه الأمطار، أو الملوثات الموجودة في التربة.
وعند استئناف الضخ، تنتقل هذه الملوثات مع مياه الشرب إلى المشتركين. وتتفاقم هذه المشكلة في سورية، حيث تعرضت أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي لأضرار جسيمة.

أهم مصادر التلوث:

تشمل مصادر التلوث المحتملة ما يلي:

  1. تسرب مياه الصرف الصحي بسبب قرب خطوط المجاري من خطوط مياه الشرب، وهو ما تم توثيقه في عدة مناطق سورية.
  2. المياه الراكدة داخل الحفر المحيطة بالأنابيب المكسورة.
  3. الملوثات الكيميائية الموجودة في التربة نتيجة الأنشطة الزراعية أو الصناعية.
  4. نمو الأغشية الحيوية (Biofilm) داخل الأنابيب نتيجة ركود المياه لفترات طويلة.
  5. دخول الأتربة والرمال والمواد العضوية عبر نقاط التسرب.

العوامل التي تزيد من احتمالية التلوث في سورية:

هناك عدة عوامل تزيد من حجم الخطر في السياق السوري، منها:

  1. طول فترة انقطاع المياه، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر.
  2. كثرة الكسور والتشققات في الشبكة نتيجة القصف والتقادم.
  3. انخفاض نسبة ما يعمل بكفاءة من البنية التحتية للمياه إلى نحو 50% فقط.
  4. انخفاض نسبة توفر المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع.
  5. انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى ما دون 700 متر مكعب سنوياً، وهو أقل بكثير من حد شحّ المياه.
  6. الاعتماد المتزايد على مصادر المياه البديلة، مثل الآبار الخاصة والصهاريج، والتي غالباً ما تكون غير خاضعة للرقابة.
  7. غياب الصيانة الدورية وتراجع قدرات مؤسسات المياه.
  8. استخدام مضخات منزلية تسحب المياه مباشرة من الشبكة، مما قد يسبب انخفاضاً إضافياً في الضغط.

الملوثات المحتملة:

أولاً، الملوثات الميكروبية:

تُعد الأخطر على صحة الإنسان، وتشمل:

  • بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli).
  • السالمونيلا.
  • الشيغيلا.
  • ضمة الكوليرا.
  • الفيروسات المعوية.
  • الطفيليات مثل الجيارديا والكريبتوسبوريديوم.

وقد أكدت وزارة الصحة السورية، في أيار/مايو 2026، تحديد عدة مصادر مياه ملوثة من خلال عمليات الرصد، جرى التعامل معها فوراً.

كما كشفت التحاليل البيئية في بعض المناطق عن وجود تلوث جرثومي في مصادر المياه، إلى جانب عوامل خطورة متعددة، أبرزها قرب التجمعات السكانية والمواشي من الآبار، وضعف عمليات الكلورة، وتسربات في شبكات المياه، واستخدام مياه الصرف الصحي في الري.

ثانياً، الملوثات الكيميائية:

قد تشمل:

  • النترات.
  • الأمونيا.
  • المعادن الثقيلة مثل الرصاص والحديد والمنغنيز.
  • المبيدات الزراعية.
  • المشتقات النفطية في بعض المناطق.

ثالثاً، الملوثات الفيزيائية

مثل:

  • العكارة.
  • الرمال.
  • الصدأ.
  • المواد العالقة.

التأثيرات الصحية:


قد يؤدي استهلاك المياه الملوثة إلى الإسهال الحاد والتسمم الغذائي، و التهاب الكبد الفيروسي (A)، و التيفوئيد، و الكوليرا، و أمراض الطفيليات المعوية، وزيادة مخاطر الإصابة لدى الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.
وقد أظهرت الوقائع الميدانية خطورة هذه المخاطر؛ ففي نيسان/أبريل 2026، سجلت وزارة الصحة استجابة عاجلة لاحتواء تفشٍ لالتهاب الكبد الوبائي في بلدة محجة بريف درعا، عقب رصد ارتفاع في عدد الإصابات منذ 14 نيسان/أبريل.
كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأضرار التي لحقت بمحطة ضخ في رأس العين، المصدر الرئيسي للمياه في معظم محافظة الحسكة، زادت من خطر تفشي الأمراض المعدية.

واقع المشكلة في سورية:

تعاني شبكات المياه في سورية من ظروف تشغيل صعبة، يعكسها حجم الدمار الهائل:

  • أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه تعرّضت لأضرار جسيمة.
  • نحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي خرجت عن الخدمة.
  • انخفاض نسبة توفر المياه بنحو 40% مقارنة بما قبل الحرب.
  • نحو 12 مليون شخص لا يحصلون على مياه شرب آمنة.

في مواجهة هذه التحديات، أطلقت الحكومة السورية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، سلسلة من المبادرات الحيوية:

  1. المشروع الوطني لمراقبة جودة مياه الشرب، الذي أطلقته وزارة الصحة في 6 أيار/مايو 2026 بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، ويتضمن جولات دورية لأخذ عينات من مصادر المياه وتحليلها مخبرياً للكشف المبكر عن التلوث.
  2. البرنامج الوطني لرصد ملوثات المياه من المصادر غير المضبوطة، الذي أطلقته وزارة الإدارة المحلية والبيئة في حزيران/يونيو 2026، ويستهدف الآبار الخاصة والصهاريج.
  3. المرسوم رقم /46/ لعام 2026 القاضي بإحداث المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي.
  4. تمويل بقيمة 225 مليون دولار من البنك الدولي لدعم استعادة خدمات المياه والصحة لنحو 4.5 مليون سوري.

المؤشرات الدالة على احتمال التلوث:


قد يلاحظ المستهلك بعض المؤشرات التي تستدعي الحذر، مثل تغير لون المياه، و وجود رائحة غير طبيعية، إضافة لارتفاع العكارة بعد عودة الضخ، و ظهور رواسب داخل المياه، و تغير في الطعم.
ولهذا، يجب التنويه إلى أن غياب هذه المؤشرات لا يعني بالضرورة أن المياه خالية من التلوث، إذ قد تكون بعض الملوثات الميكروبية موجودة دون أن تُحدث تغيراً ملحوظاً في اللون أو الرائحة أو الطعم.

الإجراءات الوقائية:

على مستوى مؤسسات المياه:

  • الحفاظ على ضغط إيجابي داخل الشبكة قدر الإمكان.
  • إصلاح الكسور والتسربات بسرعة.
  • إجراء غسل دوري للشبكات.
  • رفع جرعات التعقيم وفق المعايير الفنية عند الحاجة.
  • مراقبة الكلور المتبقي بانتظام.
  • إجراء تحاليل ميكروبية وكيميائية دورية، ضمن إطار البرنامج الوطني لمراقبة جودة المياه.
  • استبدال الأنابيب المتقادمة، بالاستفادة من التمويلات الدولية.
  • تفعيل آليات الإبلاغ عن التلوث، كتخصيص رقم لتلقي شكاوى المواطنين حول أي مصدر مياه مشتبه بتلوثه.

على مستوى المواطنين:

  • ترك المياه تجري لعدة دقائق بعد عودة الضخ إذا انقطعت لفترة طويلة.
  • تنظيف خزانات المياه المنزلية بشكل دوري.
  • غلي مياه الشرب عند الاشتباه بتلوثها أو عند صدور توصيات من الجهات الصحية.
  • استخدام وسائل ترشيح أو تعقيم مناسبة عند الحاجة.
  • الإبلاغ عن أي كسر أو تسرب في شبكة المياه.
  • عدم توصيل مضخات مباشرة على الشبكة إذا كان ذلك مخالفاً للتعليمات المحلية.

دور التعقيم بالكلور:

يُعد الكلور وسيلة فعالة للحد من معظم مسببات الأمراض، إلا أن فعاليته تتأثر بارتفاع العكارة ووجود المواد العضوية، كما أنه لا يقضي على جميع الطفيليات المقاومة للكلور. لذلك فإن التعقيم يجب أن يكون جزءاً من منظومة متكاملة تشمل حماية مصادر المياه، وصيانة الشبكات، والمراقبة المستمرة – وهو ما تعمل عليه وزارة الصحة من خلال المشروع الوطني لمراقبة جودة المياه، ووزارة الإدارة المحلية والبيئة من خلال البرنامج الوطني لرصد الملوثات.

نحو رؤية استراتيجية لسلامة مياه الشرب:

انطلاقاً من حجم التحدي، وواقع أن نحو 12 مليون شخص في سورية لا يحصلون على مياه شرب آمنة، تدعو الحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لسلامة المياه، تقوم على:

أولاً: تعزيز الرقابة المؤسسية، عبر دعم البرنامج الوطني لمراقبة جودة المياه وتوسيع نطاقه ليشمل جميع المحافظات، وتوفير الموارد اللازمة للمخابر المركزية.

ثانياً: تفعيل آليات الإنذار المبكر والإبلاغ، وبناء منظومة وطنية للإنذار المبكر، مع الاستمرار في تخصيص خطوط ساخنة لتلقي شكاوى المواطنين، كما فعلت مديرية البيئة في دمشق.

ثالثاً: تطبيق نهج "الصحة الواحدة"، و ربط صحة الإنسان والبيئة والحيوان في إطار متكامل للوقاية من الأمراض المنقولة بالمياه.

رابعاً: إعادة تأهيل البنية التحتية، و الاستفادة من التمويلات الدولية، كمنحة البنك الدولي البالغة 225 مليون دولار، لتسريع وتيرة إصلاح شبكات المياه ومحطات المعالجة.

خامساً: مراقبة مصادر المياه البديلة، و تطبيق البرنامج الوطني لرصد ملوثات المياه من المصادر غير المضبوطة، بما في ذلك الآبار الخاصة والصهاريج، ووضع معايير رقابية صارمة على جودة المياه المباعة.

سادساً: حملات توعية مستدامة، وتثقيف المواطنين حول مخاطر استهلاك المياه غير الآمنة، وطرق التعامل مع المياه بعد فترات الانقطاع، وأهمية الإبلاغ عن أي شبهة تلوث.

خاتمة:

إن انقطاع شبكة مياه الشرب لا يقتصر أثره على نقص المياه، بل قد يؤدي إلى مخاطر صحية كبيرة إذا ترافق مع انخفاض الضغط ووجود تسربات في الشبكة.
وفي سورية، حيث تواجه شبكات المياه تحديات غير مسبوقة تتعلق بتدمير البنية التحتية، وانخفاض نسبة توفر المياه بنحو 40%، واحتياج أكثر من 12 مليون شخص لمياه آمنة، تزداد أهمية المراقبة المستمرة، والإصلاح السريع للأعطال، والحفاظ على فعالية التعقيم، ورفع الوعي لدى المواطنين حول طرق التعامل الآمن مع المياه بعد فترات الانقطاع.
إن التعاون بين مؤسسات المياه والجهات الصحية والمجتمع المحلي، في إطار البرامج الوطنية التي أطلقتها وزارة الصحة ووزارة الإدارة المحلية والبيئة، وبالشراكة مع منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي, يمثل عنصراً أساسياً للحد من مخاطر التلوث وضمان وصول مياه الشرب الآمنة إلى كل سوري.
فالماء هو الحياة، وحماية جودته هي حماية للصحة العامة، واستثمار في مستقبل سورية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إعادة 6520 موظفاً مفصولاً بسبب الثورة

إعادة 6520 موظفاً مفصولاً بسبب الثورة السورية

6 أغسطس 2026

إدارة الموقع

ذكرى مأساة هيروشيما

في الذكرى الحادية والثمانين، يستذكر العالم مأساة هيروشيما وأثرها البالغ على الإنسانية.

6 أغسطس 2026

إدارة الموقع