يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الأسى والاستنكار تفاصيل الجريمة البشعة التي راحت ضحيتها الطفلة نور مهند الدوس (12 عاماً) في ريف درعا.
وقد أعلنت وزارة العدل تشكيل لجنة تفتيش عاجلة لمراجعة جميع الوقائع والإجراءات القضائية والتنفيذية المرتبطة بالقضية.
وكشفت التحقيقات الأولية أن الطفلة قُتلت قبل ثلاثة أيام من الإبلاغ عن فقدانها، إثر تعرضها للضرب المبرح على يد عمها، وأن المتورطين خططوا للإبلاغ عن اختفائها بهدف التغطية على الجريمة.
غير أننا نرى أن جريمة الطفلة نور ليست مجرد حادثة فردية، بل هي أحدث فصول أزمة بنيوية في منظومة حماية الطفل في سورية، تستوجب وقفة وطنية جادة تتجاوز معالجة الحادثة إلى إصلاح جذري للسياسات والقوانين والمؤسسات.
أولاً، في أرقام صادمة:
تكشف المعطيات الموثقة عن حجم المأساة التي يعيشها أطفال سورية، فوفقاً لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بمناسبة اليوم العالمي للطفل 2025م وثقت الشبكة مقتل 30,686 طفلاً منذ آذار/مارس 2011 حتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ولا يزال حتى تاريخ نشر التقرير 5,359 طفلاً مجهولي المكان.
كما وثقت الشبكة مقتل 226 طفلاً تحت التعذيب، فيما يحتاج 7.5 مليون طفل في سورية إلى المساعدات الإنسانية.
هذه الأرقام، التي تمثل جزءاً من إرث خمسة عشر عاماً من الانتهاكات الممنهجة، تؤكد أن حماية الطفل في سورية ضرورة وطنية قصوى.
ثانياً، الفجوة بين النص القانوني والواقع:
رغم أن التشريعات السورية تضمنت عدداً كبيراً من النصوص التي ترعى حقوق الطفل، وانضمت سورية إلى اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، إلا أن هذه النصوص بقيت موزعة بين قوانين متعددة، مما يصعب معه تكوين رؤية قانونية متكاملة، ويجعل تطبيقها العملي أكثر تعقيداً.
يكشف تيار المستقبل السوري عن ثلاث فجوات رئيسية:
- فجوة الحماية الاجتماعية: غياب آليات رصد وتدخل مبكر لحالات العنف الأسري، وضعف دور المؤسسات المعنية بحماية الطفل.
- فجوة القضاء المتخصص: غياب محاكم متخصصة بقضايا الأسرة والأحداث، وإطالة أمد التقاضي في قضايا الحضانة والزيارات، مما يزيد من معاناة الأطفال.
- فجوة الوعي المجتمعي: استمرار أنماط اجتماعية تبرر العنف ضد الأطفال، وضعف ثقافة الإبلاغ عن الانتهاكات.
يُؤكد تيار المستقبل السوري أن حماية الطفل التزام وطني قبل أن يكون قانونياً، وأن بناء سورية الجديدة يقتضي تغييراً جذرياً في النظرة إلى الطفل ودوره في المجتمع.
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي بما يلي:
أولاً، إصلاح تشريعي شامل:
- إصدار قانون متكامل لحماية الطفل يجمع النصوص المتناثرة في قانون واحد، ويُرسي مبدأ "المصلحة الفضلى للطفل" معياراً أساسياً في جميع القرارات المتعلقة بالأطفال.
- تعديل قانون الأحوال الشخصية بما يضمن سرعة البت في قضايا الحضانة والزيارة، ويُعلي مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى.
ثانياً، بناء مؤسسات حماية فاعلة:
- إنشاء محاكم متخصصة بقضايا الأسرة والأحداث، وتأهيل كوادر قضائية مدربة على التعامل مع قضايا الأطفال بحساسية واحترافية.
- تفعيل دور لجان حماية الطفل في المحافظات، وربطها بآليات رصد ومتابعة ميدانية.
- توفير مراكز إيواء آمنة للأطفال المعرضين للخطر، وبرامج دعم نفسي واجتماعي للمتضررين.
ثالثاً، تعزيز آليات الرقابة والمساءلة:
- إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى الأطفال وأولياء الأمور، تضمن السرية والحماية.
- إطلاق منصة وطنية لرصد حالات العنف ضد الأطفال، مع تقارير دورية شفافة.
- محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تقصير في حماية الأطفال، مهما كان موقعه.
رابعاً، تمكين الأسرة والمجتمع:
- إطلاق حملات توعية وطنية حول حقوق الطفل وسبل الإبلاغ عن الانتهاكات.
- دعم الأسر الفقيرة ببرامج حماية اجتماعية، للحد من الأسباب الاقتصادية التي تغذي التوترات الأسرية.
- إشراك منظمات المجتمع المدني في التوعية والرقابة وتقديم الدعم.
يُجدد تيار المستقبل السوري إدانته الشديدة لجريمة الطفلة نور، ويُعبّر عن تضامنه الكامل مع محبيها، ويدعو إلى محاكمة عادلة وشفافة لكافة المتورطين.
غير أننا نُذكر بأن جريمة الطفلة نور، مثل جريمة الطفلة فرح الحمود التي لا تزال قيد التحقيق، هي ليست مجرد قضايا فردية، بل انعكاس لأزمة منظومة حماية الطفل في سورية.
كما ونؤكد أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية هي فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس العدالة وحماية حقوق الإنسان، وفي صلبها حماية الأطفال الذين دفعوا ثمناً باهظاً من سنوات الحرب والانتهاكات.
ويشدّد تيار المستقبل السوري على أن حماية الطفل هي مسؤولية الدولة والمجتمع والأسرة معاً، وأن أي تقصير في هذا الملف يجب أن يُعالج بكل حزم.
فالعدالة التي ننشدها لسورية الجديدة تبدأ من حماية أضعف فئات المجتمع وأكثرها احتياجاً للحماية: أطفالنا.