ظاهرة التسول الإعلامي في سورية

الملخص التنفيذي:

في المشهد الإعلامي السوري المعاصر، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تصوير الفقراء والمحتاجين—كباراً ونساءً وأطفالاً—وهم يبكون ويتوسلون أمام الكاميرا، في مشاهد تستعطف المشاهدين لجمع التبرعات.
هذه الممارسات، التي يمكن وصفها بـ"التسول الإعلامي"، تحوّل معاناة الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وتُهين كرامة المحتاجين، وتُشوّه صورة المجتمع السوري.
تستند هذه الورقة إلى تحليل نقدي لظاهرة التسول الإعلامي في سياقها السوري، بالاستناد إلى تقارير إعلامية ودراسات اجتماعية، وتقدم رؤية استراتيجية للحد من هذه الظاهرة، مع الحفاظ على كرامة الإنسان، وتوجيه العمل الخيري نحو آليات مؤسسية أكثر فعالية وأقل إهانة.

أولاً، الإطار النظري:

يمكن فهم ظاهرة "التسول الإعلامي" في ضوء نظريات متداخلة، أبرزها:

نظرية تسليع المعاناة: التي تشير إلى تحويل آلام البشر ومعاناتهم إلى سلع تُباع في سوق المشاعر، حيث تُستغل الصور المؤلمة والمشاهد الباكية لجذب المشاهدات وجمع التبرعات، دون اكتراث بكرامة أصحابها.
وفي هذا السياق، يُستخدم الفقراء كأداة لتحقيق مكاسب—سواء كانت مادية (جمع تبرعات) أو معنوية (شهرة، متابعة، تريند)—على حساب كرامتهم الإنسانية.

نظرية انتهاك الكرامة: التي تؤكد أن كرامة الإنسان ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي حق أساسي يكفله القانون وتكرسه المواثيق الدولية.
فتصوير إنسان في لحظة ضعف وانكسار، ونشر هذا المشهد للعالم، يشكل انتهاكاً صريحاً لحقه في الخصوصية والكرامة، ويحوله إلى أداة للاستعراض الإعلامي.
كما تستند الورقة إلى المعايير الأخلاقية للإعلام، التي تؤكد على ضرورة احترام كرامة الأشخاص الذين يتم تصويرهم، وعدم استغلال حاجاتهم ومآسيهم لتحقيق مكاسب.
وقد أقرّت اللجنة الوطنية السورية "مدونة السلوك المهنية لإعلام سورية" في فبراير 2026، بهدف ضبط قطاع الإعلام السوري وآلية عمله، وهو ما يشكل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح.

ثانياً، التسول الإعلامي في السياق السوري:

ليست ظاهرة "التسول الإعلامي" جديدة على الساحة السورية، وإنما تفاقمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، وازدياد الحاجة إلى جمع التبرعات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وتتجلى هذه الظاهرة في أشكال متعددة:

أولاً: استغلال المحتاجين في البرامج الخيرية، حيث تنتشر على منصات التواصل مقاطع فيديو تظهر عائلات أو أطفالاً أو مسنين يبكون ويشكون الفاقة، بينما يُطلب من المشاهدين التبرع، في مشاهد تُذل المتبرع له وتُهين كرامته.

ثانياً: التفاوت الصارخ بين المذيع وصورة المعاناة، حيث هناك ظاهرة لافتة، وهي حين يظهر مؤثرون أو مذيعون بحلة مرفهة أثناء إجراء مقابلات مع الفقراء والعجزة، مما يعكس انفصالاً صارخاً بين صورة المذيع المترف وحقيقة معاناة من يجري معهم المقابلة، ويحوّل المشهد إلى سخرية مؤلمة من أوضاع المحتاجين.

ثالثاً: استغلال الأطفال وكبار السن، تتفاقم الظاهرة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالأطفال وكبار السن، حيث يُستغل ضعفهم وعجزهم لإثارة العواطف وجذب التبرعات.
وقد أشارت تقارير إلى أن أغلب المتسولين هم أطفال يتم استغلالهم وتشغيلهم من قبل أشخاص آخرين، وأحياناً من قبل أهاليهم.
ويمثل تصوير رجل مسن وهو يتوسل للحصول على حفاضات، أو سيدة وهي تركع وتقبل يد من دبرت لها إيجار البيت، قمة الإذلال الذي تصل إليه هذه الممارسات.

رابعاً: تنامي ظاهرة التسول التقليدي، لا يمكن فصل التسول الإعلامي عن تنامي ظاهرة التسول التقليدي في الشوارع السورية، حيث تشير التقارير إلى تفاقم هذه الظاهرة عاماً بعد عام، وتحولها من حالات فردية إلى سلوك اجتماعي متكرر.
وقد سُجّل في دمشق وحدها نحو 1,200 حالة تسول، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، ويغذي في الوقت نفسه ظاهرة استغلال هذه الحالات إعلامياً.

ثالثاً، التداعيات:

يحمل التسول الإعلامي تداعيات وخيمة على المستويات كافة:

على صعيد الفرد: يمثل انتهاكاً صارخاً لكرامة الإنسان، ويحرمه من حقه في الخصوصية، ويُخضعه للإذلال العلني. فتصوير إنسان في لحظة ضعف وانكسار، ونشر هذا المشهد للعالم، يُكرس صورته كـ"ضحية" عاجزة، ويُحرمه من كرامته وإنسانيته.

على صعيد المجتمع: يُشوّه صورة المجتمع السوري، ويُرسخ النظرة النمطية عنه كمجتمع فقير ومتخلف، مما يضعف هيبة الدولة ويؤثر سلباً على صورتها الوطنية، كما يُضعف التماسك المجتمعي ويزرع الإحباط واليأس.

على صعيد العمل الخيري: يُحول العمل الخيري من قيم التكافل والتعاون إلى استعراض إعلامي، ويُشوّه صورة المؤسسات الخيرية، ويُضعف الثقة بها، مما قد يدفع المحتاجين الحقيقيين إلى الابتعاد عن طلب المساعدة خوفاً من الإذلال العلني.

رابعاً، الدروس المستفادة:

تقدم تجارب بعض الدول نماذج يمكن الاستفادة منها في تنظيم العمل الخيري الإعلامي والحفاظ على كرامة المحتاجين:

في الأردن: أثارت ظاهرة "التسول الإعلامي" نقاشاً واسعاً، حيث اعتبر بعض المعلقين أنها تؤدي إلى "ولادة عصر جديد من الإعلام الزائف والرخيص"، مما دفع إلى الدعوة لتقنين العمل الخيري الإعلامي وضمان عدم استغلال المحتاجين.

في فلسطين: صدرت بيانات تدين "المتاجرين بآلام الفلسطينيين"، مؤكدة أن "المال الذي يُجمع باسم الشعب ليس غنيمة، وليس صدقة سائبة، وليس ملكاً خاصاً لمن يجيد التسول الإعلامي".

تجارب عالمية: في العديد من الدول المتقدمة، تُنظّم حملات جمع التبرعات عبر قنوات مؤسسية، تحترم كرامة المستفيدين، وتضمن عدم استغلال صورهم أو قصصهم لأغراض دعائية.
وتُطبّق مدونات سلوك صارمة تحظر تصوير المحتاجين في أوضاع مهينة، وتُلزم المؤسسات الخيرية بالحصول على موافقة المستفيدين قبل نشر أي مادة إعلامية عنهم.

خامساً، السيناريوهات المستقبلية:

السيناريو الأول: التنظيم المؤسسي (الأكثر تفاؤلاً)

الافتراضات:

  • إقرار تشريعات تنظم العمل الخيري الإعلامي، وتُجرم استغلال المحتاجين.
  • تفعيل مدونة السلوك المهنية لإعلام سورية الصادرة في فبراير 2026.
  • إنشاء هيئة رقابية مستقلة لمتابعة الشكاوى المتعلقة بانتهاك كرامة المحتاجين في الإعلام.
  • توجيه العمل الخيري نحو آليات مؤسسية تحترم كرامة المستفيدين.

النتائج المتوقعة:

  • تراجع ملحوظ في ظاهرة التسول الإعلامي خلال 2-3 سنوات.
  • تحسن صورة سورية الوطنية.
  • تعزيز الثقة في المؤسسات الخيرية.

السيناريو الثاني: الاستمرار مع تحسّن محدود (الأكثر ترجيحاً)

الافتراضات:

  • استمرار التسول الإعلامي بمستوياته الحالية.
  • إصدار توجيهات محدودة دون رقابة فعلية.
  • استمرار الانقسام بين من يرى في هذه الممارسات "خدمة إنسانية" ومن يراها "استغلالاً".

النتائج المتوقعة:

  • استمرار انتهاك كرامة المحتاجين.
  • استمرار تشويه صورة سورية.
  • إهدار فرصة تاريخية لتنظيم العمل الخيري الإعلامي.

السيناريو الثالث: التفاقم والانهيار الأخلاقي (السيناريو الأسوأ)

الافتراضات:

  • تفاقم التسول الإعلامي مع تنامي الأزمة الاقتصادية.
  • تحوله إلى صناعة رابحة تستغل الفقراء لتحقيق مكاسب.
  • انهيار أي معايير أخلاقية في العمل الخيري الإعلامي.

النتائج المتوقعة:

  • تحول الفقراء إلى سلعة رخيصة في سوق المشاعر.
  • انهيار الثقة في العمل الخيري.
  • تعميق الإحباط واليأس في المجتمع.

سادساً، التوصيات:

انطلاقاً من التحليل أعلاه، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً، على المستوى التشريعي والرقابي:

  1. إقرار تشريع خاص بتنظيم العمل الخيري الإعلامي، يُجرم استغلال المحتاجين في الإعلام، ويحدد ضوابط واضحة لتصوير الفقراء والمحتاجين في الحملات الخيرية، بما يحفظ كرامتهم ويحمي خصوصيتهم.
  2. تفعيل مدونة السلوك المهنية لإعلام سورية الصادرة في فبراير 2026، وإلزام جميع وسائل الإعلام ومنصات التواصل بها، مع وضع عقوبات رادعة للمخالفين.
  3. إنشاء هيئة رقابية مستقلة تتولى رصد ومتابعة حالات التسول الإعلامي، واستقبال الشكاوى من المواطنين والمحتاجين الذين تعرضوا للاستغلال، والتحقيق فيها.

ثانياً، على المستوى المؤسسي:

  • توجيه العمل الخيري نحو آليات مؤسسية تحترم كرامة المستفيدين، عبر إنشاء صناديق خيرية وطنية تدير التبرعات وتوزعها بشكل سري وآمن، دون حاجة إلى تصوير المحتاجين أو إذلالهم.
  • إطلاق حملة توعية وطنية بالتعاون مع النقابات والمنظمات المجتمعية، تهدف إلى نشر ثقافة العمل الخيري المحترم للكرامة الإنسانية، وتوعية المواطنين بمخاطر التسول الإعلامي وآثاره السلبية.
  • تدريب الإعلاميين والمؤسسات الخيرية على المعايير الأخلاقية في التعامل مع المحتاجين، ووضع أدلة إرشادية لضمان عدم استغلالهم أو انتهاك كرامتهم.

ثالثاً، على المستوى المجتمعي:

  1. تشجيع التبرع عبر القنوات الرسمية بدلاً من الاستجابة للفيديوهات المستغلة للمحتاجين، وتعزيز ثقافة التكافل المؤسسي.
  2. إشراك منظمات المجتمع المدني في رصد حالات التسول الإعلامي والإبلاغ عنها، والعمل على توفير بدائل كريمة للمحتاجين.
  3. تعزيز ثقافة الكرامة في الخطاب الإعلامي، ورفض أي ممارسة تُهين الإنسان أو تستغل ضعفه.

الخاتمة:

يمثل التسول الإعلامي في سورية انتهاكاً صريحاً لكرامة الإنسان، وتحويلاً للمعاناة إلى سلعة تُباع وتُشترى في سوق المشاعر.
وما نشهده من مشاهد مؤلمة—كباراً ونساءً وأطفالاً يبكون ويتوسلون أمام الكاميرا—ليس مجرد ممارسات إعلامية خاطئة، بل هو انعكاس لأزمة أخلاقية ومؤسسية عميقة، تستدعي وقفة جادة على جميع المستويات.
إن حماية كرامة المحتاجين لا تعني التغاضي عن حاجاتهم، بل تعني تقديم العون لهم بطرق تحترم إنسانيتهم، بعيداً عن الاستغلال والإذلال. والتجارب الدولية تُظهر أن العمل الخيري يمكن أن يكون فعالاً ومؤثراً دون الحاجة إلى استعراض المعاناة على الملأ.
والفرصة سانحة اليوم، مع إقرار مدونة السلوك المهنية لإعلام سورية، ومع توفر الإرادة السياسية لإصلاح المشهد الإعلامي، لبناء نموذج سوري في العمل الخيري الإعلامي يحترم الكرامة الإنسانية، ويُعلي قيم التكافل والتعاون، بعيداً عن الاستغلال والتسول الإعلامي.
وإن فشلنا في ذلك، فسنظل ننظر إلى صور الفقراء وهم يبكون، وكأنها المشهد الوحيد الذي يليق بسورية—وهو ما لا يليق بتاريخها ولا بكرامة شعبها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

غوتيريش في دمشق وفرصة تموضع سورية في المجتمع الدولي

غوتيريش في دمشق يفتح آفاق جديدة لسورية في المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة

26 يوليو 2026

الدكتور زاهر بعدراني

المشاركة في الجلسة الحوارية حول الأولويات التشريعية

شارك تيار المستقبل السوري في الجلسة الحوارية حول الأولويات التشريعية لتبادل الأفكار والخبرات الوطنية.

26 يوليو 2026

إدارة الموقع