الملخص التنفيذي:
شكّل الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، والمؤلّف من 53 مادة، محطةً مفصلية في مسار التحول السياسي السوري بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024. فقد أفرد الإعلان الباب الثاني بكامله للحقوق والحريات، وكرّس في المادة 12 منه مبدأ جعل "جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري".
بيد أن هذا التكريس النظري للحقوق يصطدم بإشكاليات بنيوية في صياغة الإعلان ذاته، أبرزها تركيز السلطات بيد الرئيس، وضعف استقلالية القضاء، والطابع غير التشاركي في عملية الصياغة.
تستند هذه الورقة إلى قراءة نقدية للإعلان الدستوري، بالاستناد إلى تقارير هيومن رايتس ووتش، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى تحليل مقارن لتجارب جنوب أفريقيا وتونس في التحول الديمقراطي.
وتخلص الورقة إلى أن سد الفجوة بين النص الدستوري والواقع يتطلب إصلاحات تشريعية ومؤسسية جذرية، تضع استقلال القضاء وحماية حقوق الإنسان في صميم المرحلة الانتقالية.
أولاً، الإطار النظري:
تستند المقاربة التحليلية في هذه الورقة إلى ثلاث ركائز نظرية:
أولاً: نظرية "الدستورية الانتقالية"، التي تشير إلى أن الوثائق الدستورية في مراحل ما بعد النزاع تؤدي وظيفة مزدوجة، تتمثل بـ تثبيت الاستقرار المؤسسي من جهة، وترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة أخرى.
وتقوم شرعية هذه الوثائق على اتسامها بعملية صياغة تشاركية واسعة، لا على قرارات أحادية لسلطة سياسية أو عسكرية منتصرة.
ثانياً: نظرية "الفجوة بين النص والتطبيق"، التي تؤكد أن دسترة الحقوق وحدها لا تكفي لضمان حمايتها، بل تتطلب آليات مؤسسية وقضائية قادرة على إعمال هذه الحقوق، واستقلالية السلطة القضائية، ورقابة فعالة على السلطة التنفيذية.
ثالثاً: نظرية "العدالة الانتقالية" ، التي تضع مساءلة انتهاكات الماضي، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات، في صلب أي عملية تحول ديمقراطي ناجح.
وانطلاقاً من هذا الإطار، تحاول هذه الورقة الإجابة عن السؤال المركزي: هل يوفّر الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 الأساس القانوني والمؤسسي الكافي لحماية حقوق الإنسان، أم أنه يعيد إنتاج هيمنة السلطة التنفيذية على حساب الحريات الأساسية؟
ثانياً، مضمون الحقوق والحريات في الإعلان الدستوري:
النصوص الإيجابية:
كرّس الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 مجموعةً من الحقوق والحريات التي تمثل، في مجملها، تقدماً نوعياً مقارنةً مع الدستور السوري السابق. وأبرز هذه النصوص:
- المادة 10: "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب".
- المادة 12: "تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته. تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري".
- المادة 13: تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير.
الإعلان يؤكد على مبدأ الفصل بين السلطات، ويضمن حرية التنقل، وحق الملكية، وحق التقاضي، وحق العمل، وحق المشاركة السياسية.
كما تضمّن الإعلان نصوصاً تبدو أنها تدعم العدالة الانتقالية، من خلال الدعوة إلى إلغاء القوانين الاستثنائية من عهد الأسد، وإلغاء أحكام محاكم الإرهاب غير العادلة، واستعادة الممتلكات المصادرة، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية تهدف إلى منع الإفلات من العقاب.
الثغرات والقيود:
غير أن القراءة المتفحصة للإعلان تكشف عن ثغرات جوهرية تضعف فعالية هذه النصوص، وتجعلها عرضة للتعطيل أو التقييد.
ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
أولاً: غياب الضمانات الفعلية لاستقلال القضاء.
تنص المادة 47 من الإعلان على أن الرئيس يعيّن جميع أعضاء "المحكمة الدستورية العليا" السبعة، دون أي إشراف من البرلمان أو غيره.
وفي غياب آليات تضمن استقلال القضاء—كرقابة مستقلة على التعيينات والترقيات والتأديب والعزل—ستكون قدرات القضاء محدودة في محاسبة الرئيس.
وهذا ما دفع هيومن رايتس ووتش إلى التحذير من أن الإعلان "يركّز السلطة في يد السلطة التنفيذية وقد يقوّض استقلالية القضاء".
ثانياً: هيمنة الرئيس على السلطة التشريعية.
بموجب المادة 24، يعيّن الرئيس شخصياً ثلث أعضاء مجلس الشعب الانتقالي، بينما يُنتخب الثلثان الباقيان من قبل لجنة يُعيّن أعضائها الرئيس أيضاً.
وهذا يضمن تبعية المجلس للسلطة التنفيذية، ويُضعف دوره الرقابي والتشريعي.
كما لا يملك البرلمان صلاحية عزل الرئيس أو الموافقة على تعيين الوزراء أو إقالتهم.
ثالثاً: صلاحيات تنفيذية واسعة دون رقابة.
يمنح الإعلان الرئيس صلاحيات واسعة تشمل التعيينات القضائية والتشريعية دون أي ضوابط أو رقابة.
كما يختص الرئيس بتعديل الدستور بموجب المادة 50، وإعلان الحرب وحالة الطوارئ عبر مجلس يُعيّنه هو بموجب المادة 41.
رابعاً: قيود على حرية التعبير.
تنص المادة 49(3) على تجريم "تمجيد نظام الأسد البائد أو رموزه" و"إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التقليل من شأنها".
ورغم أن هذه المادة تهدف إلى منع التطبيع مع جرائم النظام السابق، فإن صياغتها الفضفاضة قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير.
خامساً: إشكالية المادة 23. تسمح المادة 23 بتقييد الحقوق بذريعة "الأمن الوطني" و"السلامة العامة"، مما يمنح السلطة التنفيذية أداة فضفاضة لتقييد الحريات متى شاءت.
ثالثاً، السياق الأوسع:
لا يمكن قراءة الإعلان الدستوري بمعزل عن واقع انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، حتى بعد سقوط النظام البائد.
فقد شهد عام 2025 موجة عنف غير مسبوقة في مناطق متعددة من البلاد:
- في آذار 2025، وثّقت تقارير أممية مقتل نحو 1,400 شخص، غالبيتهم من المدنيين، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة على يد قوات الحكومة والميليشيات الموالية لها.
- في تموز 2025، أسفرت أعمال العنف في السويداء عن مقتل أكثر من 1,700 شخص، ونزوح نحو 200,000، مع ارتكاب أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب من قبل أطراف متعددة.
وثّقت اللجنة السورية لحقوق الإنسان مقتل 161 شخصاً خلال شهر تموز 2025 وحده، بينهم 16 طفلاً و8 سيدات.
لا يزال نحو 52,000 شخص في شمال شرق سورية محتجزين بشكل تعسفي وغير إنساني في مراكز احتجاز مرتبطة بالصراع مع تنظيم "الدولة الإسلامية".
وتؤكد هذه الأرقام أن التحدي الأكبر لا يكمن في غياب النصوص الدستورية، بل في غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لتطبيقها، وفي استمرار منطق العنف والقمع الذي طبع عقوداً من الحكم الاستبدادي.
رابعاً، الدروس المستفادة:
أ. جنوب أفريقيا:
تُعد تجربة جنوب أفريقيا (1994-1996) نموذجاً رائداً في الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية.
وقد قامت هذه التجربة على ركائز أساسية: دستور تشاركي صيغ عبر حوار وطني موسع، ولجنة للحقيقة والمصالحة كرّست مبدأ كشف الحقيقة دون إفلات من العقاب، ومؤسسات قضائية مستقلة.
وقد أظهرت التجربة أن المصالحة الحقيقية لا تتحقق دون عدالة، وأن الدستور التشاركي هو الضمانة الأقوى لحماية الحقوق.
ب. تونس:
بعد ثورة 2011، نجحت تونس في صياغة دستور توافقي (2014) عبر حوار وطني شاركت فيه جميع الأطراف السياسية والمجتمع المدني.
وقد كرّس الدستور التونسي استقلالية القضاء، وأنشأ هيئات دستورية مستقلة لحماية الحقوق والحريات.
وتُظهر التجربة التونسية رغم ما عانته أن نجاح الانتقال الديمقراطي مرهون بقوة المجتمع المدني واستقلالية المؤسسات.
جـ. العبرة السورية:
تُجمع التجربتان على أن شرعية الدستور الانتقالي لا تنبع من نصوصه وحدها، بل من عملية صياغته التشاركية، ومن الآليات المؤسسية التي تضمن تطبيقه.
وفي هذا السياق، يُلاحظ أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 أُعدّ عبر "لجنة ضيقة بقرار رئاسي من دون حوار وطني موسع أو مشاركة حقيقية لأطياف المجتمع"، وأن اختيار أعضاء اللجنة "استند إلى معايير قانونية وتقنية فقط، دون مراعاة للتوازن والعدالة والتمثيل المتنوع".
وهذا يُضعف شرعيته ويجعله عرضة للطعن.
خامساً، السيناريوهات المستقبلية:
السيناريو الأول: الإصلاح الدستوري والمؤسسي (الأكثر تفاؤلاً)
الافتراضات:
- تعديل الإعلان الدستوري بموجب المادة 50 منه، لإدراج ضمانات أقوى لاستقلال القضاء والرقابة على السلطة التنفيذية.
- إطلاق حوار وطني شامل يشارك فيه جميع أطياف المجتمع السوري.
- إنشاء هيئة قضائية مستقلة للإشراف على تعيينات القضاة وترقياتهم وعزلهم.
- تفعيل آليات العدالة الانتقالية، بما فيها محاكمة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا، وكشف الحقيقة.
النتائج المتوقعة:
- تحول الإعلان الدستوري إلى إطار انتقالي أكثر شمولية وتشاركية.
- استعادة الثقة بين المواطن والدولة والمؤسسات.
- تحسن تدريجي في مؤشرات حقوق الإنسان، وجذب الدعم الدولي.
السيناريو الثاني: الإصلاح الجزئي المحدود (الأكثر ترجيحاً)
الافتراضات:
- استمرار الإعلان الدستوري في شكله الحالي، مع تعديلات طفيفة.
- استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء والتشريع.
- تنفيذ إجراءات شكلية في مجال حقوق الإنسان دون تغيير جذري.
- استمرار النزاعات الأمنية وانتهاكات حقوق الإنسان.
النتائج المتوقعة:
- بقاء الفجوة بين النص الدستوري والواقع.
- استمرار تآكل الثقة في المؤسسات.
- عزوف الاستثمارات والدعم الدولي.
السيناريو الثالث: الجمود والتراجع (السيناريو الأسوأ)
الافتراضات:
- عدم إجراء أي إصلاحات دستورية أو مؤسسية.
- استمرار العنف وانتهاكات حقوق الإنسان بمستوياتها الحالية.
- تراجع الدعم الدولي وانسحاب المنظمات الحقوقية.
النتائج المتوقعة:
- تحول الإعلان الدستوري إلى غطاء شرعي لنظام استبدادي جديد.
- انهيار كامل للثقة في العملية الانتقالية.
- تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
سادساً، التوصيات:
انطلاقاً من التحليل أعلاه، يوصي المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً، على المستوى الدستوري والتشريعي:
مراجعة الإعلان الدستوري وفق مادة 50 منه، لإدراج ضمانات أقوى لاستقلال القضاء، ولا سيما إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على تعيينات القضاة وترقياتهم وعزلهم، أسوة بتجارب جنوب أفريقيا وتونس.
تعديل المادة 47 بحيث لا يقتصر تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا على الرئيس، بل يتم عبر آلية تشاركية تشمل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء.
تعديل المادة 24 لضمان انتخاب مجلس الشعب بكامله، وليس تعيين ثلثه من قبل الرئيس.
مراجعة المادة 23 لتحديد ضوابط واضحة لتقييد الحقوق، بحيث لا تترك لتقدير السلطة التنفيذية المنفرد.
مراجعة المادة 49(3) لتضييق نطاق التجريم، وضمان عدم استخدامها لتكميم حرية التعبير.
ثانياً، على المستوى المؤسسي:
تفعيل استقلالية السلطة القضائية عبر تخصيص ميزانية مستقلة لها، وضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في شؤونها.
إنشاء هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، تتمتع بصلاحيات الرصد والتحقيق واستقبال الشكاوى، على غرار الهيئات المماثلة في تونس وجنوب أفريقيا.
تفعيل آليات العدالة الانتقالية، بما فيها محاكمة مرتكبي الجرائم، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.
ثالثاً، على المستوى التشاركي والمجتمعي:
إطلاق حوار وطني شامل يشارك فيه جميع أطياف المجتمع السوري—قوى سياسية، منظمات مجتمع مدني، نقابات، نساء، شباب، وممثلون عن المكونات المجتمعية كافة—لمناقشة قضايا شكل الدولة، والعدالة الانتقالية، وحقوق الأقليات.
تشكيل لجنة تمثيلية لصياغة الدستور الدائم، تنقل ما يُتّفق عليه سياسياً إلى إطار قانوني، بمشاركة خبراء وحقوقيين، مع ضمان الشفافية والمراجعة الشعبية.
إطلاق حملات توعية مجتمعية لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وإدماج مبادئ الإعلان الدستوري في المناهج التعليمية.
رابعاً، على المستوى الدولي:
طلب الدعم الفني من المنظمات الدولية (مثل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، واليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي) لتطوير القدرات المؤسسية في مجال حماية حقوق الإنسان.
ربط الدعم الدولي بتحقيق مؤشرات أداء في مجال حقوق الإنسان، بحيث تكون المساعدات مشروطة بتحقيق تقدم ملموس في استقلال القضاء، ومكافحة الإفلات من العقاب، وحماية الحريات الأساسية.
الخاتمة:
يمثل الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 خطوة أولية في مسار التحول الديمقراطي، إذ كرّس نصوصاً حقوقية واعدة تعكس قطيعة مع إرث النظام البائد.
بيد أن هذه النصوص تبقى—في صيغتها الحالية—غير مضمونة التطبيق، في ظل غياب الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء، وهيمنة السلطة التنفيذية على مقاليد الحكم، وضعف الطابع التشاركي في عملية الصياغة.
التحدي الأكبر أمام سورية اليوم ليس في كتابة نصوص دستورية متقدمة، بل في تحويل هذه النصوص إلى واقع معاش، من خلال إصلاحات مؤسسية جذرية، وإرادة سياسية حقيقية، ومشاركة مجتمعية واسعة. وكما تؤكد تجارب جنوب أفريقيا وتونس، فالانتقال الديمقراطي الناجح لا يُصنع بقرارات أحادية، بل بحوار وطني شامل، ومؤسسات مستقلة، وعدالة انتقالية لا تترك جرحاً دون ندب.
إن نجاح سورية في عبور هذه المرحلة الحرجة سيكون مرهوناً بقدرتها على سد الفجوة بين النص الدستوري والواقع، وإثبات أن الإعلان الدستوري ليس مجرد وثيقة نظرية، بل التزام عملي بحماية كرامة كل سوري وسورية. وإن فشلت، فسيظل الإعلان الدستوري—كما حذّرت هيومن رايتس ووتش—مجرد "غطاء شرعي" يعيد إنتاج أنماط الحكم الاستبدادي التي خرج السوريون من أجلها إلى الشوارع.
الخيار، في النهاية، بيد السوريين—حكومة ومؤسسات ومجتمعاً مدنياً—وبيد شركائهم الإقليميين والدوليين، الذين يريدون لسورية أن تكون دولة القانون والمؤسسات، لا ساحة جديدة لتجارب الهيمنة والقمع.