ماذا عن احتمالية شطب سورية من قائمة الإرهاب

يمكن اعتبار شطب اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب بأنه اعتراف ضمني بشرعية الدولة السورية واستعادتها لعافيتها المؤسسية.

وتتجاوز الأهمية السياسية الجوهرية هنا فك الحصار المالي والاقتصادي، لتصل إلى مستوى إعادة الاعتراف الدولي بسيادة القرار الوطني السوري.

لقد كانت القائمة إطاراً لعزل وجودي، وإخراج سورية منها يعني تفكيك الذريعة الأخلاقية والقانونية التي استُخدمت لتبرير التدخل في شؤونها زمن البعث، وهو ما يعيد تعريف الدولة السورية من "كيان منبوذ" أوصلنا الأسد بسياسته لهذا الدرك، إلى "فاعل معترف به" في النظام الدولي، وهو مايجب على السلطة الانتقالية والقوى الوطنية المختلفة أن ترسخ دوره الإيجابي وتنجح مساره دون تأثير الخلاف الداخلي عليه.

وأما انعكاس هذا القرار على مكانة سورية الإقليمية والدولة، فيبدو سيكون انتقالياً وعميقاً.
فنحن أمام لحظة لإمكانية تحول من "دولة مُستهدَفة" إلى "دولة مُستَقطَبة"، أي قطب إقليمي صاعد.

فسورية التي صمدت في وجه محاولات التفكيك، وأسقطت محور إيران، وسلطة الأسد.. تُثبت اليوم أن الجغرافيا السياسية كما تُقرأ من خلال بوابة السيادة والقدرة على فرض الإرادة الوطنية، تُقرأ أيضا بأن رفع الاسم يمنح دمشق "وكالةً جيوسياسية" متجددة، فهي قد خرجت من مسرح صراعات الآخرين خطوة كبيرة، لتدخل لاعباً محورياً في صياغة توازنات المشرق العربي، وقادرة على إعادة تموضعها كمركز ثقل في الشرق الأوسط، وليس هامشا تابعا، ولهذا خطورة وأهمية المرحلة الإنتقالية التي يحاول البعض تقزيمها، فهذه المرحلة تأسيسية لمستقبل بلدنا إن نجحنا فيها، سيكون جيلنا هو الجيل المؤسس لسورية الحديثة، وإن فشلنا لاقدر الله في قيادة الدفة، فسنخسر أهم فرصة تاريخية من عمر بلدنا كان يمكن لنا أن نغير بها كيمياءها، بل وحمضها النووي الذي رسمته 60 سنة ماضية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري: هل يؤسس القرار لمرحلة جديدة في دور سورية؟ الإجابة نعم، ولكن وفق معادلة "الوظيفة الجيو-اقتصادية".
فالتحولات المتسارعة تدفع سورية لتكون ممراً رئيسياً للطاقة من الخليج والعراق وبل حتى إيران إذا تحسنت الظروف العالمية، وذلك نحو المتوسط، وهذا ما يحول الجغرافيا السورية من "مسرح حرب" إلى "شريان تكامل"

.وهنا بزاوية أخرى، تكمن النقلة الفلسفية، من الانتقال من دولة تقوم على "اقتصاد المقاومة والصمود والمجابهة" التي استغلتها السلطة البائدة لترسيخ حكمها مادام النظام العالمي لايتغير، إلى دولة تؤسس لـ"اقتصاد الربط والممرات". ولكن هذا لا يلغي دورها المقاوم، ولكن بمعنى المقاومة الواقعية، التي تدفع المصالح بالمصالح، وتعمق هذا الدور عبر تحويله من بُعد أيديولوجي إلى بُعد تنموي وظيفي يخدم عمقها الاستراتيجي.

وأما بالنسبة للعلاقات مع الجوار، فسنكون أمام إعادة تعريف لمفهوم "العمق الاستراتيجي".
مع لبنان، ستنتقل العلاقة من منطق "الوصاية أو التدخل" إلى "التشابك الحيوي" عبر الطاقة والغذاء وإعادة الإعمار.
ومع العراق، سنشهد تحولاً من "الحدود الملتهبة" إلى "التكامل الاقتصادي" ضمن محور عربي آسيوي جديد متوقع.
أما مع الأردن، فإن البعد الأمني الصرف سيتعزز ببعد تنموي، حيث تُصبح الحدود بوابة عبور للطاقة والتبادل التجاري، مما يخدم استقرار المملكة اقتصادياً ويخفف أعباءها، ويتيح لسورية نجاح مرحلتها.

أخيرا، تقف سورية اليوم على أعتاب مرحلة "السيادة المكتملة".
إذ السيادة لم تعد فقط عسكرية وأمنية، بل أصبحت اقتصادية وطاقوية. ويبقى أن نقول أن رفع التصنيف ليس نهاية المطاف إن حصل، بل هو اعتراف بأن سورية ما بعد الأسد هي "دولة تأسيسية" في نظام إقليمي تتغير ملامحه، نظام يقوم على فكرة أن الأمن لا يتجزأ، وأن ازدهار الشرق الأوسط يمر حتماً عبر قلب سورية النابض.
إنه انتقال من "دولة الصراع" إلى "دولة المسار"، ومن حقنا أن نرى في ذلك تجسيداً لِما يمكن تسميته بـ "الانتصار الاستراتيجي المؤجل"، والذي يقع علينا (سلطة وقوى وطنية ومجتمعية) عبئ فهم خطورته وأهميته، والسعي لانجاح الانتقال حتى نصل للانتصار.

شاركها على:

اقرأ أيضا

1.2 مليون سوري بحاجة ماسة إلى تدخل عاجل

الأزمة الإنسانية تزداد سوءا؛ 1.2 مليون سوري بحاجة إلى تدخل عاجل، بما في ذلك 295 ألف امرأة في سن الإنجاب.

9 يوليو 2026

إدارة الموقع

إعادة تأهيل ثاني أكبر محطة ضخ في حلب

حلب تشهد إعادة تأهيل محطة ضخ الماء الثانية، مما يسهم في تأمين مياه الشرب والري لأكثر من 40 قرية في

9 يوليو 2026

إدارة الموقع