تشهد العلاقات السورية اللبنانية اليوم منعطفاً تاريخياً فريداً، تتقاطع فيه متغيرات إقليمية ودولية مع تحولات داخلية عميقة في كلا البلدين. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، فيما تسعى سورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على استعادة دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي، بينما يواجه لبنان تحديات وجودية تتعلق ببنية الدولة والاقتصاد والسيادة والاستقرار.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وسيادة الدول، بعيداً عن تجارب الماضي وأخطائه.
لقد عانى الشعبان السوري واللبناني من سياسات أدت إلى تشويه العلاقة الطبيعية بين البلدين. فخلال عهد حافظ الأسد تحولت سورية تدريجياً من دور الجار المؤثر إلى موقع الوصي على القرار اللبناني، ثم جاءت مرحلة الفار بشار الأسد لتضيف إلى ذلك مزيداً من التعقيد، حيث جرى ربط الساحتين السورية واللبنانية بصراعات إقليمية ودولية دفعت شعوب المنطقة أثمانها الباهظة، وكان وقودها الدم السوري المهدور.
وكانت النتيجة إضعاف الدولتين معاً، وإدخال العلاقات بين الشعبين في دوائر من الشكوك والاحتقانات ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
أما اليوم، فإن ما طرحه الرئيس أحمد الشرع في مقابلته بالأمس مع الإعلامي اللبناني طوني خليفة، وما سبقه من تصريحات رسمية سورية متتالية، يقدم مقاربة مختلفة تقوم على فكرة الدولة لا الوصاية، وعلى الشراكة لا الهيمنة، وعلى احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
ونرى في تيار المستقبل السوري أن هذا الخطاب يحمل مؤشرات إيجابية على تحول حقيقي في العقل السياسي السوري، وعلى قراءة متقدمة لخرائط الانتقال من زمن المحاور العسكرية إلى زمن المصالح الاستراتيجية، بما يعكس فهماً أعمق للتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والتغيرات الكبرى التي طرأت على سورية والمشرق العربي خلال السنوات الأخيرة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإننا نؤكد دعمنا لإقامة أفضل العلاقات الممكنة مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة، انطلاقاً من المصالح المشتركة ووحدة المصير والتاريخ والجغرافيا، كما نؤكد حرصنا على بناء علاقات إيجابية مع جميع مكونات الشعب اللبناني دون استثناء، بما في ذلك أبناء الطائفة الشيعية الكريمة التي تشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني اللبناني والعربي، والتي لا يجوز اختزالها بحزب أو تنظيم أو مشروع سياسي.
وفي هذا السياق، نرفض رفضاً قاطعاً أي محاولة للمساواة بين الشعب اللبناني الشقيق وبين حزب الله، كما نرفض الخلط بين الانفتاح على الدولة اللبنانية ومكوناتها الوطنية وبين التطبيع السياسي أو الأخلاقي مع الحزب.
فحزب الله لم يكن مجرد طرف سياسي اختلف معنا في الرأي أو الموقف، بل كان شريكاً مباشراً في سفك الدم السوري، ومشاركاً في الحصار والقتل والتهجير والتدمير الذي طال مدناً وقرى سورية عديدة، وساهم بصورة واضحة في إطالة عمر النظام المخلوع وحماية آلة القمع التي ارتكبت أبشع الجرائم بحق السوريين.
ولذلك فإن أي حديث عن مصالحة سياسية أو أخلاقية مع حزب الله تتجاوز العدالة والمحاسبة والاعتراف بالمسؤولية، هو حديث لا يستند، من وجهة نظرنا ومن يشاركنا هذا الموقف، إلى أسس أخلاقية أو وطنية سليمة.
فالمصالحات الحقيقية لا تقوم على تجاهل الدماء ولا على محو الذاكرة، وإنما على الاعتراف بالحقائق وتحمل المسؤوليات واحترام حقوق الضحايا.
وفي الوقت نفسه، فإننا نميّز بوضوح بين مقتضيات عمل الدولة السورية وبين الموقف السياسي والأخلاقي الذي نتبناه في تيار المستقبل السوري.
فالدول بحكم مسؤولياتها الوطنية قد تضطر إلى إدارة ملفات مع أطراف مختلفة، وإلى إجراء حوارات أو تفاهمات تفرضها ضرورات الأمن القومي والمصالح العليا والاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الملفات المرتبطة بحزب الله أو بالجهات الداعمة له.
ومن هذا المنطلق، فإننا نتفهم حق الدولة السورية في إدارة ما تراه مناسباً من مسارات سياسية أو أمنية أو دبلوماسية تخدم مصالح سورية العليا، وخاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة والتشابكات القائمة على الحدود السورية اللبنانية.
كما أننا نرى أن أي مقاربة واقعية لمستقبل الاستقرار في لبنان والمنطقة لا يمكن أن تتجاهل الدور الإيراني وتأثيره المباشر في عدد من الملفات اللبنانية الحساسة.
فالسياسة الرشيدة لا تقوم على تجاهل الوقائع، بل على إدارتها بحكمة.
ولهذا فإن أي استقرار طويل الأمد في لبنان والمنطقة سيحتاج إلى تفاهمات إقليمية أوسع تراعي مصالح الدول وسيادتها، وتحد من تحويل أراضيها إلى ساحات للصراعات المفتوحة.
وفي المقابل، فإن بناء الثقة بين دمشق وبيروت لا يقتصر على وقف التدخلات أو منع استخدام الأراضي اللبنانية للإضرار بسورية، بل يشمل أيضاً التعاون القضائي والأمني في ملاحقة المطلوبين للعدالة ممن تورطوا في الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب السوري خلال عهد النظام المخلوع. فهناك ضباط وصف ضباط وعناصر أمنية، إضافة إلى شخصيات سياسية واقتصادية ومالية استفادت من منظومة الفساد والاستبداد، فرّ عدد منهم إلى لبنان أو إلى دول أخرى هرباً من المساءلة القانونية.
ومن هنا، فإننا نرى أن أي مرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية ينبغي أن تقوم على احترام العدالة وسيادة القانون، وأن تتضمن تعاوناً قانونياً وقضائياً بين الدولتين يتيح ملاحقة المتورطين بالجرائم الجسيمة وتسليم من تثبت بحقهم التهم والأدلة إلى القضاء السوري المختص وفق الأصول القانونية والضمانات القضائية المعتمدة، بما يحقق العدالة للضحايا ويمنع الإفلات من العقاب.
فاستقرار الدول لا يُبنى على حماية المطلوبين أو توفير الملاذات الآمنة لهم، وإنما على ترسيخ مبدأ أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الضحايا تبقى جزءاً أساسياً من أي سلام مستدام أو مصالحة وطنية حقيقية.
وإلى جانب البعد السياسي والأمني والقضائي، فإن التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة تفتح آفاقاً واسعة أمام تعاون سوري لبناني غير مسبوق كما أشار الرئيس الشرع.
فالمشاريع المرتبطة بالطاقة والنقل والتجارة وإعادة الإعمار، والتي تسعى سورية إلى لعب دور محوري فيها، يمكن أن تمنح لبنان فرصاً اقتصادية مهمة وتسهم في تخفيف أزماته المزمنة، إذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة التاريخية ضمن إطار من التعاون والتكامل بين الدولتين.
إننا نرى أن مستقبل العلاقات السورية اللبنانية يجب أن يُبنى على أسس جديدة تقوم على التعاون الاقتصادي والتكامل التنموي والتنسيق الأمني بين الدولتين، وعلى احترام الحدود والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى بناء شراكات حقيقية تخدم الشعبين بعيداً عن منطق المحاور والصراعات المفتوحة.
وبذلك تملك سورية ولبنان فرصة نادرة للانتقال إلى مرحلة مختلفة عنوانها الدولة والمؤسسات والمصالح المشتركة، بعيداً عن الوصاية والتبعية والسلاح العابر للحدود.
ومن هنا فإننا نمد أيدينا إلى الدولة اللبنانية وإلى الشعب اللبناني بكل مكوناته الوطنية، ونتطلع إلى بناء أفضل العلاقات الممكنة بين بلدينا الشقيقين، مؤكدين أن احترام دماء السوريين وحقوق ضحاياهم ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، وأن التفريق بين لبنان الدولة ولبنان الشعب من جهة، وبين حزب الله كتنظيم شارك في قتل السوريين من جهة أخرى، هو تفريق أخلاقي وسياسي ووطني لا بد منه إذا أردنا بناء مستقبل صحي ومستقر للعلاقات السورية اللبنانية.
إن المستقبل الذي نريده بين دمشق وبيروت هو مستقبل الشراكة بين دولتين مستقلتين، لا مستقبل الوصاية ولا الميليشيات ولا تحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فالتحديات كبيرة والعقبات كثيرة، لكن البديل عن الحوار والتعاون هو استمرار الجمود والصراع، وهو ما لا يخدم أحداً.
إن الفرصة سانحة اليوم أمام السوريين واللبنانيين لطي صفحة مؤلمة من التاريخ وفتح صفحة جديدة عنوانها السيادة والكرامة والمصالح المشتركة والتنمية والاستقرار.
وهذه هي الرسالة التي نرى أن المرحلة الراهنة تفرض علينا قولها بوضوح وصراحة ودونما مواربة.