يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التصريحات المهمة التي أدلى بها وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، لقناة "الإخبارية السورية" يوم السبت 21 حزيران/يونيو 2026، والتي كشف فيها عن تفاصيل المنظومة الجديدة للرواتب والأجور في سورية.
و إذ نُثمّن هذه التطورات، فإننا نراها تتويجاً لسلسلة من الإجراءات المتلاحقة منذ عام 2025، وخطوة محورية نحو إعادة هيكلة الأجور في القطاع العام، بما يتوافق مع رؤيتنا الثابتة في ضرورة تحسين أوضاع الكوادر الوطنية واستقطاب الكفاءات.
أولاً: يُثمّن تيار المستقبل السوري الأرقام المعلنة التي تعكس نقلة نوعية في حجم الإنفاق على الأجور، ويُشيد بتمويلها من الموارد الذاتية للدولة دون لجوء إلى الاستدانة.
كما يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن كتلة الأجور والرواتب الشهرية ارتفعت من 11.3 مليار ليرة سورية إلى 46 مليار ليرة، بينما زادت كلفة رواتب المتقاعدين من 2.9 مليار ليرة إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة شهرياً.
كما نرى في هذه الأرقام دليلاً على التزام الحكومة بتوسيع نطاق الزيادات لتشمل مختلف الفئات، وإدراكاً منها بأن تحسين الأجور هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
وبدورنا فإننا نُثني بشكل خاص على تأكيد وزير المالية أن هذه الزيادات جرى تمويلها بالكامل من الموارد الذاتية للدولة، من دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو الاستدانة، وهو ما يعكس مسؤولية مالية حكومية في إدارة المال العام، ويُعزز ثقة المواطنين بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ثانياً: يُلاحظ تيار المستقبل السوري أن هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل هي تتويج لمسار بدأ مع المرسوم رقم 102 لعام 2025، الذي أقر رفع الأجور بنسبة 200%، ثم المرسوم رقم 67 لعام 2026، الذي أضاف زيادة جديدة بنسبة 50%، وانعكس ذلك على الحد الأدنى للأجور، الذي ارتفع من نحو 279 ألف ليرة قديمة (2790 ليرة جديدة) إلى مليون و256 ألف ليرة قديمة (12 ألفاً و560 ليرة جديدة).
وفي 18 آذار/مارس 2026، صدر المرسوم رقم 68، القاضي بتطبيق "لائحة زيادة نوعية" على رواتب وأجور العاملين في عدد من الجهات العامة، شملت وزارات الصحة والتعليم العالي والتربية والأوقاف، إضافة إلى مصرف سورية المركزي وهيئات الرقابة والتفتيش وهيئة الطاقة الذرية.
كما نستذكر في هذا السياق بياننا السابق الصادر بتاريخ 24 أيّار/مايو 2026 بعنوان "الزيادات النوعية لرواتب قطاعي الصحة والتعليم" ، والذي ثمّن فيه هذه الخطوة، معتبراً إياها استثماراً حقيقياً في رأس المال البشري وتقديراً لتضحيات الكوادر الصحية والتربوية.
ثالثاً: يُلفت تيار المستقبل السوري الانتباه إلى أن الحكومة تستهدف مع بداية العام المقبل الوصول إلى منظومة رواتب متكاملة تشمل العاملين في القطاعات الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى المتقاعدين.
ونرى في هذا التوجه إجابة عملية على واحدة من أبرز التحديات التي واجهت سورية لعقود، وهي هجرة الكفاءات الأكاديمية والمهنية.
وقد أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، أن الزيادة النوعية في الرواتب تمثل خطوة مهمة نحو استقطاب الكفاءات الأكاديمية، مشيراً إلى أن أجور العاملين في الجامعات الحكومية أصبحت أعلى من نظيرتها في الجامعات الخاصة.
كما أشار إلى أن التعليمات التنفيذية الخاصة بالزيادات النوعية رفعت تعويضات الامتحانات إلى خمسة أضعاف، وأن الرواتب في وزارة التعليم العالي تساوت بين جميع المحافظات.
هذا، و يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الجهود التي تهدف إلى الحد من نزيف هجرة العقول الأكاديمية، ويُشير إلى أن هذه القضية كانت محوراً أساسياً في بياناته السابقة، ومنها بيان "أزمة التعليم في المناطق السورية" بتاريخ 5 شباط/فبراير 2026، الذي نادى بضرورة تحسين الرواتب وتوحيدها بين المناطق المختلفة.
رابعاً: يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن نجاح المنظومة الجديدة يتطلب أكثر من مجرد أرقام وتصريحات، بل يستوجب ترجمتها إلى واقع ملموس على الأرض، وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- ضمان استمرارية تمويل الزيادات من الموارد الذاتية، مع تنويع مصادر الإيرادات الحكومية، وتعزيز كفاءة الجباية، والحد من التهرب الضريبي، لضمان استدامة المنظومة الجديدة وعدم تعرضها للخطر في حال حدوث أي طارئ اقتصادي.
- ربط الأجور بالإنتاجية والأداء، عبر تطوير نظام حوافز ومكافآت قائم على الكفاءة، وليس فقط على الأقدمية أو المسمى الوظيفي، لتعزيز الدافعية وتحفيز التميز والإبداع في العمل الحكومي.
- توسيع الشمول المالي، من خلال تعزيز استخدام الخدمات المصرفية والرقمية في صرف الرواتب، أسوة بالتوجه الذي تبناه التيار في بيانه حول تطبيق "الشؤون المدنية" بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2026، لتقليل الاعتماد على النقد، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتسهيل وصول الموظفين إلى مستحقاتهم.
- الإسراع في إصدار التشريعات الناظمة لمنظومة الرواتب الجديدة، لتكون إطاراً قانونياً مستقلاً ودائماً، وليس مجرد مراسيم مؤقتة، بما يضمن استقرار الأجور ويحميها من التقلبات السياسية والإدارية، ويُعزز ثقة المواطنين بمستقبل دخلهم.
ختاماً: يُجدد تيار المستقبل السوري ترحيبه بهذه الخطوة المهمة التي تُظهر التزام الحكومة السورية بتحسين أوضاع العاملين والمتقاعدين، وإعادة هيكلة الأجور بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
ونرى أن الحكومة السورية مدعوة اليوم إلى البناء على هذا الزخم، والاستمرار في تطوير سياسات الأجور، وربطها بخطط التنمية الشاملة، لضمان أن تكون سورية الجديدة قادرة على استقطاب كفاءاتها والحفاظ عليها، وبناء اقتصاد وطني قوي ومستدام، يليق بتضحيات الشعب السوري وتطلعاته.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف، سعياً إلى بناء سورية الجديدة على أسس العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة.