المكرّم رقم (60): عبد الباسط الساروت

يُعدّ الشهيد عبد الباسط الساروت واحداً من أبرز رموز الثورة السورية وأكثر شخصياتها حضوراً في الوجدان الشعبي السوري.
فقد جمع بين الموهبة الرياضية والصوت الثوري والمقاومة الشعبية، ليصبح اسمه مرتبطاً بمدينة حمص وبمرحلة مفصلية من تاريخ سورية الحديث.

ومن خلال سلسلة "درع تيار المستقبل السوري"، نكرّم اليوم هذه الشخصية الوطنية التي شكّلت نموذجاً استثنائياً للتضحية والثبات والإيمان بحق الشعب السوري في الحرية والكرامة.

النشأة والمسيرة الرياضية:

وُلد عبد الباسط ممدوح الساروت في حي البياضة بمدينة حمص عام 1992، لعائلة تنحدر من أصول جولانية عريقة.

نشأ في بيئة بسيطة متواضعة، حيث كان والده يعمل في مهنة متواضعة، لكنه ورث عن أسرته حب الوطن والتعلق بالأرض.

منذ صغره، أظهر الساروت موهبة استثنائية في كرة القدم، فبرز كحارس مرمى متميز لنادي الكرامة، حامل لقب مدينة حمص الرياضي والشعبي، وسرعان ما لفت أنظار المدربين ليتم اختياره لتمثيل المنتخب السوري للشباب في عامي 2007 و2009.

سجل خلال مسيرته الرياضية أكثر من 130 مشاركة، محققاً إنجازات رياضية جعلت منه بطلاً محلياً ونجماً واعداً كان من المتوقع أن يصل إلى مستويات قارية وعالمية.

تميز الساروت بطوله الفارع وشعره الأسود الكثيف، وبشخصيته المرحة المحببة التي جعلته قائداً بالفطرة بين زملائه.

وكان جمهور نادي الكرامة يراهن عليه ليكون مستقبل الحراسة السورية، لكن القدر كان يخبئ له مساراً آخر سيجعله واحداً من أشهر أبناء سورية في العصر الحديث.

الانطلاقة الثورية:

مع انطلاق شرارة الثورة السورية في منتصف مارس/آذار 2011، كان عبد الباسط الساروت في التاسعة عشرة من عمره فقط، لكن شهرته الكروية ووجوده الجماهيري الواسع لم يثنياه عن خياره المصيري.

فبعد أيام قليلة من أولى التظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة، كان الساروت يقف في الصفوف الأولى، واضعاً شهرته وصورته في خدمة مطالب الشعب السوري.

تحولت موهبته الصوتية الفذة إلى سلاح سلمي مؤثر في مواجهة القمع، فبصوته الشجي قاد المئات ثم الآلاف في هتافات وأناشيد الثورة، وأصبح "مطرب الثورة" و"بلبلها" كما أحب السوريون أن يلقبوه.

وسرعان ما تحولت مقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت وهو يغني ويقود الجماهير إلى أيقونة بصرية وصوتية للانتفاضة السورية.

وفي مشهد خالد لا يُنسى، وقف الساروت فوق عمود إنارة قرب ساعة حمص الشهيرة، يقود عشرات الآلاف في هتافات الحرية.

وفي لفتة جسدت روح الثورة السورية الجامعة، شاركته الفنانة فدوى سليمان، المنحدرة من الطائفة العلوية، منصة التظاهر، في مشهد وطني عبّر عن وحدة السوريين وتجاوزهم للحواجز والانقسامات التي حاول النظام ترسيخها لعقود.

سنوات الجحيم: حصار حمص

سرعان ما تحولت مدينة حمص، التي لُقبت بـ"عاصمة الثورة"، إلى واحدة من أكثر المدن السورية تعرضاً للقصف والحصار والتدمير.

وتعرضت الأحياء السكنية لحملات عسكرية عنيفة شملت القصف المدفعي والجوي والاعتقالات الجماعية، ولم تسلم عائلة الساروت من هذه المأساة.

في أواخر عام 2011، أدى قصف استهدف منزل العائلة في حي البياضة إلى استشهاد أخيه وليد وعمه.

وبعد أيام قليلة أصيب الساروت نفسه برصاصة في قدمه أثناء توجهه إلى إحدى المظاهرات، لكنه رفض مغادرة ساحات الاحتجاج.

ومع تصاعد الأحداث، أعلن النظام السوري حرمانه من ممارسة الرياضة ووضعه على قوائم المطلوبين، في محاولة لإسكات أحد أكثر الأصوات تأثيراً في الشارع السوري آنذاك.

من المقاومة السلمية إلى العمل المسلح

بحلول عام 2012، ومع استمرار العمليات العسكرية والمجازر بحق المدنيين، وجد كثير من أبناء المناطق الثائرة أنفسهم أمام خيار حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأهاليهم.

وانضم الساروت، كما غيره من أبناء حمص، إلى صفوف الجيش السوري الحر، وأسّس "كتيبة شهداء البياضة" التي حملت اسم الحي الذي نشأ فيه.

بين عامي 2012 و2014 عاش الساروت مع رفاقه وأهالي حمص واحدة من أقسى تجارب الحصار في التاريخ السوري المعاصر.

فقد حوصرت الأحياء القديمة بقوات ضخمة مدعومة بالدبابات والمدفعية، بينما عانى السكان من نقص شديد في الغذاء والدواء والمياه.

واضطر كثيرون إلى أكل الأعشاب للبقاء على قيد الحياة، فيما أصبحت الأنفاق وسيلة أساسية للتنقل والنجاة من القصف والقناصة.

وفي خضم تلك المأساة، وثق المخرج السوري طلال دركي تجربة الساروت ورفاقه في الفيلم الوثائقي الشهير "العودة إلى حمص"، الذي حاز جوائز دولية مهمة، وأصبح أحد أبرز الأعمال التي وثقت مأساة المدينة والثورة السورية.

وخلال الحصار، استمر الساروت في نشر رسائله ومناشداته للعالم من أجل إنقاذ المدنيين المحاصرين، وظل حاضراً بصوته وكلماته في وجدان السوريين رغم الجوع والدمار واليأس الذي أحاط بالمدينة.

الخروج من حمص:

في الثامن من مايو/أيار 2014، وبعد سنوات من الحصار والمعارك، خرج الساروت مع آخر المقاتلين والمدنيين من الأحياء المحاصرة في حمص القديمة ضمن اتفاق أفضى إلى انتقالهم نحو الشمال السوري.

ظهر الساروت في تسجيلات تلك اللحظات مرهقاً ونحيلاً بعد سنوات من الجوع والحصار، لكن إرادته لم تنكسر.

ورغم ما بدا عليه من تعب شديد، رفع إشارة النصر وسط استقبال شعبي واسع، مؤكداً أن المعركة من أجل الحرية لم تنتهِ بالنسبة له.

الاستشهاد في ريف حماة:

بعد خروجه من حمص، انضم الساروت إلى صفوف جيش العزة، أحد أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي.

وقاد مجموعة مقاتلة حملت اسم مدينته وشارك في عدة معارك ضد قوات النظام السوري والميليشيات الداعمة له.

وفي السادس من حزيران/يونيو 2019، أصيب الساروت بجروح بالغة جراء قصف استهدف موقعه في منطقة تل ملح بريف حماة الشمالي.

ونُقل إلى أحد المشافي في تركيا لتلقي العلاج، إلا أن إصاباته كانت خطيرة.

وفي الثامن من حزيران/يونيو 2019، استشهد عبد الباسط الساروت متأثراً بجراحه، ليلتحق بعدد من أفراد أسرته الذين سبقوه إلى الشهادة، بينهم أربعة من إخوته وثلاثة من أخواله ووالده.

إرث خالد وأيقونة لا تموت:

رحل عبد الباسط الساروت جسداً، لكن صوته وابتسامته وأخلاقه وتضحياته بقيت حاضرة في الذاكرة السورية.

وأطلق عليه السوريون ألقاباً عديدة، من بينها: "حارس الثورة"، و"منشد الثورة"، و"بلبل الثورة"، و"أيقونة الثورة السورية"، و"حارس الحرية".

ولم يكن الساروت مجرد مقاتل أو منشد، بل كان ظاهرة وطنية جمعت بين الرياضة والعمل الثوري والحضور الثقافي والإنساني.

وقد استطاع أن يحافظ على مكانته رمزاً وطنياً جامعاً ارتبط اسمه بالحرية والكرامة والصمود، وظلت سيرته حاضرة في الوجدان السوري بوصفها واحدة من أبرز قصص التضحيات التي قدمها السوريون في سبيل مستقبل أفضل لبلادهم.

ومثّل عبد الباسط الساروت حالة سورية نادرة استطاعت أن تتجاوز الانتماءات الضيقة والانقسامات التي حاول النظام السوري تكريسها، فكان رمزاً وطنياً جامعاً التف حوله السوريون بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم.

وقد بقي حضوره حياً في الذاكرة الوطنية بوصفه أحد أبرز الوجوه التي عبّرت عن تطلعات السوريين نحو الحرية والكرامة والعدالة.

التكريم:

إننا في تيار المستقبل السوري، ولأجل ما مثّله عبد الباسط الساروت من نموذج فريد للثوري الشامل، الذي جمع بين الرياضة والفن والمقاومة والدفاع عن كرامة الإنسان، ولما تحمّله هو وعائلته من تضحيات جسام في سبيل حرية سورية وكرامتها، ولأن صوته وصورته ما زالا حاضرين في ضمير الشعب السوري وذاكرته الوطنية، وعرفاناً منّا بالجميل للقامات السورية الحرة التي أسهمت في ترسيخ قيم الحرية والكرامة والعدالة،

فإننا نقدّم درع تيار المستقبل السوري للشهيد عبد الباسط الساروت، درعاً سورياً رمزياً يحمل رؤيتنا الوطنية الجامعة ومنهجنا القائم على بناء دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

وإننا إذ نكرّمه اليوم، فإننا نكرّم معه جيلاً كاملاً من السوريين الذين حملوا أحلام الحرية ودفعوا أثماناً باهظة في سبيلها.

رحم الله الشهيد عبد الباسط الساروت، وجزاه عن سورية وأهلها خير الجزاء، وجعل ذكراه منارة للأجيال القادمة، حتى تتحقق سورية الحرة الكريمة الموحدة التي حلم بها وضحّى من أجلها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إضراب عمال شركة زنوبيا للسيراميك في ريف دمشق

إضراب عمال شركة زنوبيا للسيراميك في ريف دمشق يكشف معاناة العمال ويدعو لتحسين أجورهم وظروف عملهم.

10 يونيو 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي للحوار بين الحضارات

اليوم الدولي للحوار بين الحضارات يعزز التسامح والاعتراف المتبادل ويعتبر قوة للبشرية بدلاً من النزاع.

10 يونيو 2026

إدارة الموقع