يرى تيار المستقبل السوري أن الإضراب الواسع الذي نفذه عمال شركة "زنوبيا" للسيراميك في منطقة الكسوة بريف دمشق، يوم أمس الإثنين 08-06-2026م، والذي شمل معامل الصحية والغرانيت والسيراميك والكرتون واللاصق التابعة للشركة، يمثل مؤشراً حقيقياً على حجم المعاناة التي يعيشها العمال السوريون في القطاع الخاص، ويكشف الفجوة العميقة بين الأجور الحالية وتكاليف المعيشة المتصاعدة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن هذه الاحتجاجات العمالية السلمية، والتي جاءت بعد "عدم تنفيذ الوعود" التي قُدمت للعمال عقب إضراب سابق، تضع الحكومة السورية وأصحاب العمل أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية في حماية حقوق العمال، وضمان أجور عادلة تتناسب مع حجم الجهد المبذول ومتطلبات الحياة الكريمة.
يستند تيار المستقبل السوري في متابعته لهذه القضية إلى المعلومات الموثقة في تقارير وسائل الاعلام الوطنية بتاريخ 8 حزيران/يونيو 2026، والتي تلخص كما يلي:
أولاً: نفذ العمال إضراباً شاملاً احتجاجاً على تدني الأجور، حيث لا تتجاوز الأجرة اليومية للعامل 3.5 دولارات أميركية، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية للأسر في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ثانياً: المطالب العمالية تشمل زيادة الرواتب بما يتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير التأمين الصحي، وضمان احترام الحقوق العمالية داخل الشركة.
ثالثاً: أكد العمال أن تحركهم يقتصر على المطالبة بحقوقهم داخل القطاع الخاص، ولا يحمل أي أبعاد سياسية، مما يعكس نضجاً في العمل النقابي والوعي الحقوقي.
رابعاً: يأتي هذا الإضراب في ظل تصاعد شكاوى العاملين في عدد من المنشآت الصناعية السورية الخاصة من تدني الأجور وتراجع القدرة الشرائية، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
يُذكّر تيار المستقبل السوري بأنه منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، اتخذت الحكومة السورية الجديدة حزمة من القرارات والتشريعات الهادفة إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني. ومن أبرز هذه القرارات:
أولاً: أصدر الرئيس أحمد الشرع في شهر آذار/مارس 2026 المرسومين رقم 67 و68، اللذين ينصان على زيادة الرواتب والأجور في القطاع العام بنسبة 50%، وإدخال حد أدنى جديد للأجور .
ثانياً: حدد المرسوم رقم 67 الحد الأدنى للأجور بـ 12,560 ليرة سورية جديدة (ما يعادل حوالي 110 دولارات أميركية) شهرياً للعاملين في القطاعات العامة والخاصة والمشتركة والتعاونية .
ويعكس هذا الرقم زيادة تدريجية ملحوظة مقارنة بما كان سائداً قبل التحرير.
ثالثاً: خُصص في موازنة عام 2026، والتي بلغت حوالي 10.5 مليارات دولار أميركي، ما يقارب 4.5 مليارات دولار لبند الأجور والرواتب، مما يعكس أولوية الحكومة في تحسين المستوى المعيشي للمواطنين .
رابعاً: أعلن وزير المالية محمد يسّر برنية في أيار/مايو 2026 عن التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 67، على أن تبدأ عملية صرف الزيادات خلال الأسبوع الأخير من شهر أيار .
خامساً: اعتمدت الحكومة نهجاً اقتصادياً يقوم على التحرير التدريجي وليس "التحرير الأعمى"، مع العمل على جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة .
يستند تيار المستقبل السوري إلى مجموعة من الإحصاءات والتقارير الموثوقة التي تؤكد صعوبة الأوضاع المعيشية التي دعت عمال شركة زنوبيا إلى الإضراب:
أولاً: بحسب تقرير برنامج الأغذية العالمي الصادر في حزيران/يونيو 2026، فإن أكثر من 80% من الأسر السورية لا تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية بشكل كافٍ، كما أن تكاليف المعيشة المتصاعدة تدفع سلة الإنفاق الأساسية إلى حوالي 24,000 ليرة سورية جديدة، وحتى مع الزيادة المخطط لها بنسبة 50%، فإن الدخل يغطي ثلث احتياجات الأسرة الأساسية فقط .
ثانياً: تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن 18% فقط من السكان أصبحوا آمنين غذائياً، بينما لا يزال الجزء الأكبر من الشعب السوري يعاني من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة .
ثالثاً: استناداً إلى تقديرات 2026، فإن نسبة السكان تحت خط الفقر في سورية تبلغ 90.5% ، مما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي خلفها نظام الأسد البائد والحرب المدمرة.
رابعاً: ورغم التحسن الملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي الذي تشير التقديرات إلى نموه بنحو 10% عام 2026 ، فإننا نؤكد أنه "ما زلنا في المراحل الأولية للخروج من تحت خط الفقر"، رغم الارتفاعات المتتالية في الحد الأدنى للأجور .
خامساً: يقر المسؤولون الاقتصاديون بأن هناك نسبة كبيرة من الفقراء في سورية، وأن الأمر يتطلب مزيداً من النشاط الاقتصادي واستقدام المزيد من الشركات لخلق فرص عمل تسهم في رفع المستوى المعيشي للمواطنين .
يرى تيار المستقبل السوري أن حقوق العمال والحق النقابي هما جزء لا يتجزأ من منظومة الحقوق الأساسية التي يجب أن تصان في سورية الجديدة، فالعمال الذين حملوا على أكتافهم وطأة سنوات الحرب والحصار والقمع، هم شركاء أساسيون في بناء مستقبل سورية.
ويؤكد تيار المستقبل السوري على المبادئ التالية التي يجب أن تحكم علاقة العمل في سورية الجديدة:
أولاً، حق الأجر العادل: لكل عامل الحق في أجر يكفل له ولأسرته مستوى معيشة لائقاً، يتناسب مع حجم العمل وتكاليف المعيشة.
والأجر اليومي البالغ 3.5 دولارات أميركية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحقق هذا الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ثانياً، حق التنظيم النقابي: للعمال الحق في تشكيل نقابات ولجان عمالية للدفاع عن مصالحهم، وفي الإضراب السلمي كوسيلة مشروعة للمطالبة بحقوقهم.
ويشيد تيار المستقبل السوري بالطابع السلمي والحضاري لهذا الإضراب، وتأكيد العمال على خلوه من أي أبعاد سياسية.
ثالثاً، مسؤولية صاحب العمل: على أصحاب العمل، وخصوصاً في الشركات الكبرى مثل شركة زنوبيا، تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية تجاه عمالهم، وتوفير بيئة عمل آمنة، وأجور عادلة، وتأمين صحي يليق بكرامة الإنسان.
رابعاً، دور الدولة الرقابي: على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والجهات المعنية الأخرى، القيام بدورها الرقابي لضمان التزام أصحاب العمل بالقوانين العمالية، ومعايير الصحة والسلامة المهنية، وحقوق العمال المكفولة.
خامساً، ربط الأجور بالتضخم: حيث يقترح تيار المستقبل السوري اعتماد آلية دورية لمراجعة الحد الأدنى للأجور وربطها بمؤشرات التضخم وتكاليف المعيشة، لضمان عدم تآكل القوة الشرائية للأجور بمرور الوقت.
إنطلاقاً مما تقدم، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً، توصيات موجهة إلى الحكومة السورية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل:
- الإسراع في تفعيل قانون العمل الجديد بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق العمال، وبما يكفل حرية التنظيم النقابي وحق الإضراب السلمي.
- إنشاء هيئة مستقلة لتحديد الحد الأدنى للأجور تضم ممثلين عن الحكومة وأصحاب العمل والعمال، وتكون مهمتها مراجعة الأجور بشكل دوري وربطها بمؤشرات الغلاء وتكاليف المعيشة.
- تعزيز التفتيش العمالي لضمان التزام منشآت القطاع الخاص بقوانين العمل، وتوفير بيئة عمل آمنة، وصرف الأجور المستحقة.
- التوسع في شبكات الأمان الاجتماعي لتشمل العمال في القطاع الخاص، وتوفير تغطية صحية ومعاشات تقاعدية تضمن كرامتهم بعد انتهاء خدمتهم.
ثانياً، توصيات موجهة إلى أصحاب العمل والشركات الخاصة:
- الاستجابة العاجلة لمطالب عمال شركة زنوبيا المشروعة، وفي مقدمتها زيادة الأجور بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين ظروف العمل.
- اعتماد مبدأ الشفافية في تحديد الأجور والتفاوض الجماعي مع ممثلي العمال، بدلاً من فرض الأجور من طرف واحد.
- الاستثمار في تحسين بيئة العمل كاستثمار في الإنتاجية والاستقرار، فالعامل الذي يشعر بالكرامة والعدالة هو عامل أكثر إنتاجية وإخلاصاً.
ثالثاً، توصيات موجهة إلى العمال والنقابات:
- مواصلة التعبير السلمي عن المطالب والابتعاد عن أي أشكال احتجاجية قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار أو تعطيل الإنتاج بشكل كامل دون تفاوض.
- تشكيل لجان عمالية منتخبة تمثل العمال في التفاوض مع الإدارة، وتعمل على توثيق الانتهاكات والمطالب بشكل منظم.
- التنسيق مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية لمتابعة قضايا الحقوق العمالية والضغط من أجل إصلاحات هيكلية في سوق العمل.
رابعاً، توصيات موجهة إلى وسائل الإعلام والمجتمع المدني:
- تسليط الضوء على معاناة العمال في مختلف القطاعات، ونقل مطالبهم بأمانة وموضوعية، دون تهويل أو تهوين.
- رصد ومتابعة قضايا حقوق العمال وبناء قاعدة بيانات وطنية عن انتهاكات حقوق العمال وأوضاعهم المعيشية.
- عقد ندوات وحملات توعية حول حقوق العمال بموجب القوانين السورية والمعايير الدولية.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية تحمل في طياتها تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة، لكنها تحمل أيضاً فرصة حقيقية لبناء نموذج جديد للعدالة الاجتماعية، تقوم فيه حقوق العمال على أسس متينة من الكرامة والعدالة وسيادة القانون.
ويرى تيار المستقبل السوري أن الإضراب السلمي في شركة زنوبيا، واحتجاجات العمال في منشآت أخرى، هي بمثابة جرس إنذار للحكومة وأصحاب العمل على حد سواء، فهذه الأصوات المطالبة بالحقوق المشروعة، إذا لم يتم الاستماع إليها ومعالجتها بجدية، قد تتحول إلى احتقانات اجتماعية أكبر تعقّد مسيرة الانتقال الديمقراطي.
ويشدّد تيار المستقبل السوري على أن العدالة الاجتماعية شرط أساسي لاستقرار الدولة الجديدة واستمراريتها، فالدولة التي لا تحمي حقوق عمالها، وتتركهم فريسة للاستغلال والفقر، هي دولة تُزرع بذور عدم الاستقرار في داخلها.
يختتم تيار المستقبل السوري بيانه بالتأكيد على أن مستقبل سورية لن يبنيه إلا عمالها ومزارعوها ومهندسوها وأطباؤها ومعلموها… وكل السوريين الذين حملوا على عاتقهم سنوات المعاناة، وهم اليوم بحاجة إلى دولة تعترف بتضحياتهم، وتصون كرامتهم، وتضمن لهم حياة لائقة.
وإن تحقيق هذا الهدف هو مسؤولية مشتركة بين الحكومة وأصحاب العمل والمجتمع المدني، وعلينا جميعاً أن نعمل معاً من أجل سورية تسودها العدالة والكرامة للجميع.