يشارك تيار المستقبل السوري المجتمع الدولي احتفاءه بـاليوم العالمي للأرشيف، وهي المناسبة التي أقرها المجلس الدولي للأرشيف (ICA)، وتأتي هذه الذكرى لتأكيد القيمة الجوهرية للأرشيف بوصفه الحارس الأمين لذاكرة الشعوب، والركيزة الأساسية لحفظ الهوية الوطنية، وضمان الشفافية والمساءلة السياسية والإدارية.
وإن التوثيق والأرشفة يمثلان في أدبياتنا اللبنة الأساسية لبناء دولة المؤسسات القائمة على الحق والقانون، لا سيما في مرحلة المخاض الديمقراطي التي تعيشها البلاد.
تنظر الرؤية السياسية والوطنية لتيار المستقبل السوري إلى الأرشيف كقضية أمن قومي وإرث تاريخي تعرّض لانتهاكات ممنهجة ومخاطر جسيمة طوال سنوات الصراع، وفي هذا السياق، يستند تيار المستقبل السوري إلى براهين وإحصائيات تعكس حجم التحدي ومسؤولية الحفاظ على هذا الإرث:
- ضياع الذاكرة الإدارية والحقوقية: طالت عمليات التدمير والنهب الممنهج البنى التحتية والمؤسسات العامة، حيث تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن أكثر من 50% من البنية التحتية والمنشآت الخدمية والإدارية في سورية قد تعرضت للتدمير أو التعطيل، ويشمل ذلك مقار السجلات المدنية والعقارية والمحاكم في العديد من المحافظات والبلدات، مما يشكل خطراً حقيقياً يعوق تثبيت الملكيات وتوثيق المعاملات القانونية لملايين المواطنين والمهجرين.
- الأرشيف الرقمي لانتهاكات حقوق الإنسان: بذلت منظمات المجتمع المدني والمراكز التوثيقية السورية جهوداً استثنائية لمنع طمس الحقائق وإتلاف الأدلة، حيث نجحت منصات متخصصة، وفي مقدمتها "الأرشيف السوري"، في جمع وحفظ وتدقيق أكثر من 3,578,591 سجلاً رقمياً ووثيقة مرئية، وتكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه مادة قانونية غير قابلة للتفنيد، وركيزة أساسية لدعم مسارات العدالة الانتقالية والمحاسبة الدولية المستمرة ضد مرتكبي الجرائم.
- توثيق المغيبين وقضية الأرشيف السري: وفقاً لقواعد البيانات المحدثة الصادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان والهيئات التوثيقية الشريكة، لا يزال هناك أكثر من 112,000 مواطن سوري قيد الاختفاء القسري من مسالخ النظام البائد الأمنية ومراكز الاحتجاز، و إن تيار المستقبل السوري يؤكد أن الكشف عن مصير هؤلاء الضحايا مرهون بشكل مباشر بالعمل الدقيق والاحترافي والمهني على فتح "الأرشيف السري للمقار الأمنية" وسجلات السجون السياسية، والتي يتوجب تحريزها وحمايتها دولياً لمنع إتلافها أو التلاعب بها كخطوة لا غنى عنها لتحقيق العدالة والإنصاف.
إن تيار المستقبل السوري يرى في "الأرشيف والوثيقة الوطنية" منطلقاً للعبور الآمن نحو المرحلة الانتقالية، وتحقيق الاستقرار المستدام عبر آليتين متوازيتين:
- صيانة السلم الأهلي: من خلال حماية السجلات العقارية وسجلات الأحوال المدنية، لمنع النزاعات الملكية أو الطمس الديموغرافي، وضمان حقوق النازحين والمهجرين والمغتربين في العودة الآمنة واسترداد حقوقهم.
- تأسيس العقد الاجتماعي الجديد: بناء دولة المواطنة والمؤسسات من خلال رقمنة الأرشيف الحكومي، وتطبيق معايير الحوكمة الرشيدة التي تتيح حق الوصول إلى المعلومات، وتمنع الفساد، وتكرس مبدأ الشفافية لضمان عدم تكرار مآسي الماضي.
وبناءً على متطلبات المرحلة، يتقدم تيار المستقبل السوري بالتوصيات والخطوات التنفيذية التالية:
- تأسيس "الهيئة الوطنية العليا للأرشيف السوري": هيئة مستقلة، تضم خبراء قانونيين وتقنيين ومؤرخين، تتولى جمع وحفظ كافة الوثائق الحكومية، والملفات الأمنية، وسجلات المحاكم المكتشفة، وضمان حمايتها من العبث أو التلف أو التوظيف السياسي.
- التحول الرقمي الفوري: إطلاق مشروع وطني شامل لرقمنة ما تبقى من الأرشيف الورقي (العقاري، الطبي، التعليمي، والمدني) وتخزينه في خوادم آمنة ومشفرة، لحمايته من الكوارث المادية والصراعات الميدانية.
- التعاون والاعتراف بالجهود المدنية: دعوة السلطات القائمة والمؤسسات الدولية إلى اعتماد وتأمين الأرشيفات التي جمعتها منظمات المجتمع المدني الحقوقية، ودمجها في الآليات القضائية الوطنية والدولية لتحقيق العدالة الانتقالية والإنصاف.
- تحديث التشريعات والقوانين: صياغة قانون وطني عصري للأرشفة وحرية تداول المعلومات، يوازن بين المتطلبات الأمنية والسيادية للدولة، وبين حق المواطن والباحث في الوصول إلى الحقيقة التاريخية والمعلوماتية.
إن تيار المستقبل السوري يجدد عهده لأبناء الشعب السوري بأن يبقى منحازاً للحقيقة، داعماً لبناء مستقبل مشرق ينهض على أساسات صلبة من الحق والتوثيق والعدالة، لضمان كتابة تاريخنا الوطني بأيدي أبنائه وبمنتهى النزاهة والأمانة.