يطّلع تيار المستقبل السوري على ما شهدته العاصمة دمشق يوم السبت 6 حزيران/يونيو 2026، من اعتصامٍ سلمي أمام مبنى مجلس الشعب، دعا إليه "تجمع 17 نيسان" تحت شعار "قانون وكرامة"، وأمامه تجمّع آخر مضاد من مواطنين رافضين للاعتصام.
وقد عبّر المشاركون عن جملة من المطالب المشروعة تتعلق بتجريم الخطاب الطائفي، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة المعيشية، وإرساء دولة القانون، إلى جانب المطالبة بالإفراج عن الناشطين ياسر عباس وإبراهيم شيخ الشباب.
يرى تيار المستقبل السوري أن قراءة هذا المشهد من زاوية التأييد أو الرفض وحدها هي قراءة قاصرة، فالسؤال الأعمق والأكثر جوهرية لا يتعلق بكون الاعتصام صواباً أم خطأ، بل يتعلق بـ "لماذا وصل السوريون أصلاً إلى الشارع؟".
إن التجمع السلمي الملتزم بالقانون هو حق طبيعي، وقد يكون أداة لتصحيح مسار الدولة في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية، شريطة ألا يكون قابلاً للاستغلال من جهات تسعى لتحقيق أجندات ضيقة لا تتماهى مع المصلحة الوطنية العليا.
وفي المقابل، فإن قراءة المشهد بوصفه أزمة ينبغي الخوف منها فقط، دون فهم جذوره، تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الاعتصام ليس بالضرورة أصل المشكلة، بل هو في معظم الأحيان أحد أعراضها وأبرزها.
لقد أكد تيار المستقبل السوري في العديد من مطالباته السابقة، وصولاً إلى تحليلنا لهذا الاعتصام، أن استمرار تأخر انعقاد مجلس الشعب يظل أحد أبرز مظاهر الفراغ السياسي في المرحلة الانتقالية.
ففي الدول المستقرة، ثمّة سلسلة مؤسسية طبيعية تبدأ من المواطن، مروراً بالأحزاب والتيارات السياسية، وصولاً إلى مجلس الشعب، فالحكومة، فالقصر الرئاسي.
هذه السلسلة الذهبية تحوّل المطالب الشعبية إلى سياسات عامة، ولكن عندما تتعطل إحدى حلقات هذه السلسلة، يبحث المجتمع عن منافذ بديلة، ويصبح الشارع تلقائياً إحدى تلك الساحات.
وإلى جانب تعطل عمل مجلس الشعب، يرى تيار المستقبل السوري أن ثمة مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي التأخر في تفعيل الحياة الحزبية والسياسية.
فخلال سنوات الثورة وما بعدها، نشأت أحزاب وتيارات سياسية عديدة لم تحصل بعد على المساحة الكافية لتمارس دورها الحيوي، والأحزاب ليست عبئاً على الدولة، بل هي جزء من بنيتها الطبيعية، وهي الجسر الذي يربط بين المجتمع والدولة.
وعندما تُهمّش الأحزاب، يفقد المواطن المسارات الطبيعية للتعبير عن مطالبه، فتنتقل تلك المطالب من المؤسسات إلى الساحات العامة، لهذا، فإن إغلاق المسارب السياسية لا يلغي المشكلات، بل يغيّر فقط المكان الذي تظهر فيه.
يؤمن تيار المستقبل السوري أن الطريق الأسلم لبناء الدولة السورية الجديدة، وتحويل الاختلافات من مصدر قلق إلى مصدر قوة، يمر عبر استكمال حلقات السلسلة المؤسسية. وهذا يتطلب:
- البدء فوراً في تمكين مجلس الشعب المنتخب من أداء دوره التشريعي والرقابي الكامل، باعتباره المظلة الوطنية الجامعة للنقاش العام.
- فتح المجال السياسي المنظم، وإصدار تشريعات تنظم العمل الحزبي وتحمي استقلاليته، بما يمكّن التيارات السياسية من أداء دورها كقنوات اتصال حيوية بين الشعب والدولة.
- العمل على سرعة البت في قضايا الناشطَين المحتجزين، والفصل في نزاعات المراسيم القديمة مثل المرسوم 66، من خلال قضاء مستقل ونزيه، بما يقطع الطريق على أي احتجاجات في الشارع تكون قد وجدت مناخها في غياب الحلول القانونية.
في سياق هذا التحليل، يرى تيار المستقبل السوري أن الجانب الإيجابي الأهم الذي حملته فعالية 6 حزيران/يونيو هو تحول الشارع السوري إلى مساحة للنقاش العام بين رؤيتين مختلفتين تجاه مستقبل البلاد.
فرؤية مواطنين سوريين في الشارع، وهم يتحاورون حول الدولة والقانون، حتى وإن كان الحوار متوتراً أو غير مكتمل، يعكس درجة غير مسبوقة من النضج المجتمعي الذي وُلِد من رحم المعاناة.
هذه الظاهرة في حد ذاتها تمثل مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي السياسي الشعبي، لا بوصفها أزمة ينبغي الخوف منها.
وختاماً، فإن تيار المستقبل السوري يرى أن ما جرى هو درس بليغ في حاجة المرحلة الانتقالية إلى الإسراع في بناء مؤسساتها، فحين يجد المواطن طريقه إلى الحزب، ويجد الحزب طريقه إلى البرلمان، ويجد البرلمان طريقه إلى الحكومة، عندها فقط يتحول الحوار من سجال عابر في الساحات إلى رافعة حقيقية لبناء سورية الحديثة التي حلم بها السوريون وضحوا من أجلها طوال سنوات الثورة والمعاناة.