يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ ما صدر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) يوم الجمعة 15 أيّار/مايو 2026، من ترحيب بالخطوات الأولى التي اتخذتها سورية نحو إعداد استراتيجية وطنية لمناهضة التعذيب، وذلك بالتزامن مع ورشة العمل التي عقدتها وزارة الخارجية والمغتربين لصياغة هذه الاستراتيجية، في إطار جهود الحكومة لإعادة بناء منظومة حقوق الإنسان ومواءمة التشريعات مع المعايير الدولية.
انطلاقاً من منهجية تيار المستقبل السوري القائمة على "دعم الحلول الوطنية دون تأييد مطلق لأي طرف، ونقد ما يهدد مسار بناء الدولة دون معاداة"، نُصدر هذا البيان لتقييم هذه الخطوة، مع التأكيد على ضرورة تحويلها إلى واقع ملموس.
أولاً، يُثمّن تيار المستقبل السوري الإشادة الأممية بالخطوات السورية الأولى لإعداد استراتيجية وطنية لمناهضة التعذيب، التي قال عنها مسؤولو الأمم المتحدة إنها "خطوة لتعزيز العدالة والمساءلة".
ونُذكّر هنا بأن مناهضة التعذيب وإصلاح قطاع العدالة وإطلاق سراح المعتقلين تعسفياً كانت من أبرز أهداف الثورة السورية وثوابت تيار المستقبل السوري الأساسية أيضا منذ تأسيسه، والتي ظل ينادي بها في بياناته وأبحاثه المتتالية.
كما ونعتبر أن مباشرة العمل على هذه الاستراتيجية تمثل تجاوباً مع نداءات الضحايا وعائلاتهم، وخطوة ضرورية لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
ثانياً، يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن سورية صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (CAT) منذ عام 2004، مما يُلزمها باتخاذ تدابير تشريعية وإدارية فعالة لمنع التعذيب.
كما تُذكّر الوقائع الميدانية التي لا تزال قائمة بأن الحديث عن "الاستراتيجية" حاجة ملحة لإغلاق ملفات مؤلمة لا تزال مفتوحة.
فقد تم فقط في الربع الأول من عام 2026، تسجيل ما لا يقل عن 210 حالة اعتقال تعسفي واحتجاز جديد وفقاً لتقارير حقوقية، بالإضافة إلى استمرار الحديث عن أوضاع آلاف المعتقلين السوريين في سجون خارجية.
ويُذكر تيار المستقبل السوري هنا بأن ما يجري توثيقه اليوم هو جزء من تركة نظام ديكتاتوري سابق، لكن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الدولة الجديدة في إغلاق هذا الملف بشكل نهائي.
ثالثاً، بينما يُثمن تيار المستقبل السوري المبادرة، فإنه يُحذّر من أن البدء في صياغة استراتيجية كهذه دون وجود آليات تنفيذية وجداول زمنية محددة وشفافة، سيُبقيها حبيسة الإطار النظري، وعليه فإننا نُشدد على أن النجاح الحقيقي لهذه الاستراتيجية يُقاس بقدرتها على إنتاج تغيير ملموس على أرض الواقع، وبمدى التزام الحكومة بفتح كافة الملفات المتعلقة بالتعذيب والاعتقال التعسفي، وبمدى استعدادها لمحاسبة المتورطين بغض النظر عن مواقعهم.
رابعاً، يستذكر تيار المستقبل السوري بياناته السابقة التي تُؤكد على أولوية حماية حقوق الإنسان وإصلاح المؤسسات القضائية، والتي نُشرت على موقعه الرسمي، ومنها:
- بيان "الحكم القضائي بحق رموز النظام البائد وتجريدهم من الحقوق المدنية" (بتاريخ 10 أيّار/مايو 2026)، حيث ثمنّا بدء المحاكمات العلنية لرموز النظام المخلوع، باعتبارها ترسيخاً لمبدأ المساءلة.
- بيان "التبليغ الإلكتروني والتحول الرقمي في القضاء السوري" (بتاريخ 8 أيّار/مايو 2026)، حيث أكّدنا على أن تحديث القضاء هو جزء من منظومة حقوق الإنسان التي تشمل الحق في محاكمة عادلة.
- بيان "قرار الاتحاد الدولي للصحفيين لدعم حرية الإعلام في سورية" (بتاريخ 10 أيّار/مايو 2026)، والذي شددنا فيه على أن حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات هما ركيزتان أساسيتان لحماية جميع حقوق الإنسان ومنع انتهاكاتها.
خامساً، انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- وضع آلية واضحة للتنفيذ: ضرورة أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية خريطة طريق زمنية ملزمة وموارد مالية مخصصة لتنفيذها، وآليات تقييم دورية وشفافة، والاستفادة من الدعم الفني الذي تقدمه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في هذا المجال.
- الإفراج الفوري عن المختطفين تعسفياً: ضرورة أن تبدأ الحكومة بشكل موازٍ وفوري في عملية إطلاق سراح جميع المختطفين والمعتقلين تعسفياً، وفتح ملف المفقودين بشكل شفاف، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لبناء الثقة.
- إصلاح المؤسسات القضائية والأمنية: ضرورة إخضاع جميع أجهزة الدولة المعنية بإنفاذ القانون لإصلاحات جذرية تشمل تدريب الكوادر على مبادئ حقوق الإنسان، وضمان استقلالية القضاء، ومحاسبة كل متورط في انتهاكات سابقة أو حالية.
- إشراك المجتمع المدني والخبراء المستقلين: ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني السورية والخبراء القانونيين المستقلين في صياغة ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية، لضمان شفافيتها وفعاليتها.
ختاماً، يُجدد تيار المستقبل السوري دعمه الكامل لكل جهد يُسهم في بناء منظومة حقوقية تحمي كرامة الإنسان السوري وتصون حرياته، كما ونُطالب الحكومة السورية بالاستمرار في هذا المسار بثبات وشفافية، وبتحويل الالتزامات الدولية والإقليمية إلى سياسات وطنية ملموسة، لأن مستقبل سورية الجديدة لا يمكن أن يُبنى على النسيان أو التجاوز، بل على أسس متينة من الحق والعدالة التي تكفل عدم تكرار مأساة التعذيب والاعتقال التعسفي التي عانى منها السوريون لعقود.