يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الاهتمام والاعتزاز التصريحات الرسمية الصادرة عن أعلى المستويات القضائية والأمنية في سورية، والتي أعلنت فيها ولأول مرة منذ الإطاحة بالنظام البائد، تقديم طلب رسمي إلى روسيا لتسليم رئيس النظام المخلوع بشار الأسد.
وقد جاء هذا التصعيد العلني في ملف ملاحقة رموز النظام المخلوع عبر أروقة العدالة الدولية، في إجراء يعكس تطوراً نوعياً في نهج الدولة السورية الجديدة في التعامل مع جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.
يستذكر تيار المستقبل السوري وببالغ التقدير التصريحات المتزامنة التي أدلى بها نائب وزير الداخلية السوري اللواء عبد القادر الطحان، خلال حلقة (11 أيّار/مايو 2026) من برنامج "للقصة بقية" على قناة الجزيرة، وكشف فيها أن دمشق بدأت عبر الإنتربول الدولي إجراءات لملاحقة عدد من المسؤولين الفارين خارج البلاد، مشيراً إلى أن اسم بشار الأسد "سيتصدر قوائم المطلوبين باعتباره المسؤول الأكبر عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري"، وأضاف الطحان أن الدولة السورية طالبت روسيا بتسليم بشار الأسد، لكنه أوضح أن هذا الطلب لم ينفذ بعد، في أول تأكيد رسمي وعلني عن وجود محاولات مباشرة للحصول على تعاون روسي في هذا الملف، وجاءت هذه التصريحات لتمثل تحولاً في خطاب الدولة من "إدارة الصراع" إلى "بناء مسار قانوني ومؤسساتي للمساءلة" وفق وصفه.
يُشيد تيار المستقبل السوري بما أعلن عنه النائب العام السوري حسان التربة (12 أيّار/مايو 2026)، من أن السلطات القضائية أصدرت مذكرات توقيف غيابية بحق عدد من رموز النظام البائد، بالإضافة إلى قرارات بتجميد الأموال ومنع هروب المطلوبين.
وأكد التربة، في مقابلة مع منصة "سوريا الآن" (13 أيّار/مايو 2026)، أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية "لا تسقط بالتقادم"، ولا تشملها مراسيم العفو، كما لا ينطبق عليها مبدأ عدم رجعية القوانين، وقد تجاوزت هذه التصريحات مرحلة الاكتفاء بالأحكام الغيابية الرمزية إلى الدخول في إجراءات عملية وملموسة تهدف إلى ملاحقة الجناة أينما كانوا.
يستذكر تيار المستقبل السوري السياق التصاعدي للمطالبات السورية، حيث بدأت بوادرها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو، حيث طالب نظيره الروسي فلاديمير بوتين "بشكل واضح ومتكرر" بتسليم بشار الأسد، وأعقبها في 28 كانون الثاني/يناير 2026، رفض المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف التعليق على تقارير تفيد بأن السلطات السورية تفاوض موسكو بشأن تسليم الأسد، مكتفياً بالقول: "لا نعلق على هذا الشأن"، ثم صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (29 كانون الثاني/يناير 2026) بأن مسألة محاكمة الأسد "طُويت منذ زمن"، وأن موسكو منحته حق اللجوء "لأسباب إنسانية بحتة".
وبذلك، يرى تيار المستقبل السوري أن هذه المطالبات ليست وليدة اللحظة، بل تتويج لمسار دبلوماسي استمر لأكثر من سبعة أشهر، تصاعد علناً في أيار/مايو 2026.
يرى تيار المستقبل السوري أن استمرار عدم استجابة روسيا لهذا الطلب يشكل انتهاكاً للقانون الدولي والتزاماتها كدولة عضو في الأمم المتحدة، وخرقاً صارخاً لأحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948)، واتفاقية مناهضة التعذيب (1984)، ومبادئ روما الأساسية لمحكمة الجنايات الدولية، كما يشكل حماية الجناة وتوفير ملاذات آمنة لهم، تحدياً جديداً لمسار العدالة الانتقالية برمته، وتطبيعاً للإفلات من العقاب الذي طالما ناهضته التيارات المدنية المستقلة.
يستعرض تيار المستقبل السوري موقفه الثابت والمستمر في دعم العدالة الانتقالية ومحاسبة رموز النظام البائد، وذلك انطلاقاً من عدد من أوراق العمل والبيانات السياسية السابقة:
- دراسة "أولويات إعادة الإعمار في سورية: بين التحديات والطموحات" (19 كانون الأول/ديسمبر 2024)، والتي أشارت إلى أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكتمل دون مساءلة قانونية شاملة تجبر الجناة على دفع تعويضات للضحايا.
- بيان "تصريح وزير العدل يشدد على الالتزام بملاحقة رموز النظام المخلوع" (22 شباط/فبراير 2026)، حيث ثمّننا التصريحات الرسمية التي تؤكد على الالتزام بملاحقة رموز النظام المخلوع كخطوة لا غنى عنها لتعزيز العدالة والاستقرار.
- بيان "تأسيس فريق العمل المشترك السوري–الأممي لدعم مسار العدالة الانتقالية" (22 شباط/فبراير 2026)، حيث رحبنا بتشكيل الفريق المشترك بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والجهات الأممية، واعتبرناه انتقالاً إلى مرحلة التنفيذ العملي.
- بيان "تقرير الأمم المتحدة حول مسار العدالة الانتقالية في سورية" (15 نيسان/أبريل 2026)، حيث حذرنا من أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل مجرد بداية تتطلب تضافر الجهود، مؤكدين أن نجاح المسار يتوقف على توازن دقيق بين السيادة الوطنية والشفافية وبناء الثقة المجتمعية.بيان "الحكم القضائي بحق رموز النظام البائد وتجريدهم من الحقوق المدنية" (10 أيّار/مايو 2026)، حيث ثمنّا الحكم الصادر من محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بتجريد بشار وماهر الأسد من حقوقهم المدنية، واعتبرناه تجسيداً فعلياً لمبدأ المساءلة.
- بيان "الحكم القضائي بحق رموز النظام البائد وتجريدهم من الحقوق المدنية" (10 أيّار/مايو 2026)، حيث ثمنّا الحكم الصادر من محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بتجريد بشار وماهر الأسد من حقوقهم المدنية، واعتبرناه تجسيداً فعلياً لمبدأ المساءلة.
انطلاقاً من هذه الثوابت، يتقدم تيار المستقبل السوري بمجموعة من التوصيات التي تعكس موقعه كتيار سياسي وطني مستقل:
- التنسيق القضائي العاجل: تشكيل لجنة تنسيق عليا مشتركة بين وزارة العدل والنيابة العامة والإنتربول الدولي، تتولى متابعة ملف تسليم بشار الأسد مع روسيا عبر القنوات الدبلوماسية والقضائية المباشرة، ورفع تقارير مرحلية ربع سنوية للإعلان العام عن تقدم المفاوضات.
- ملف تعويضات الضحايا واسترداد الأصول: مطالبة الحكومة السورية بملاحقة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة لعائلة الأسد وعصابته في روسيا والدول الأخرى، كأساس لملف تعويضات الضحايا.
- الضغط الدبلوماسي الجماعي: تعزيز الضغط على موسكو عبر التنسيق مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، لإدراج ملف الإفلات من العقاب كعنوان رئيسي في أي مفاوضات ثنائية وإقليمية مقبلة.
- الملاحقة الموازية في المحاكم الدولية: التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، تفعيلاً لمبدأ القضاء العالمي، وتقديم طلبات إصدار مذكرات توقيف دولية بحق بشار الأسد وكل من يثبت تورطه في جرائم الإبادة والتعذيب.
- رفع الحصانة عن الأصول: مطالبة الحكومة السورية بإنشاء صندوق خاص لتعويضات الضحايا، يتم تمويله من الأموال والأصول المصادرة لعائلة الأسد وكبار معاونيه حول العالم، كضمانة لحقوق المتضررين ومطلب أساسي للعدالة التصالحية.
ختاماً: يؤكد تيار المستقبل السوري أن المطالبة بتسليم بشار الأسد تُعد اختباراً حقيقياً لمدى جدية الحكومة السورية في تطبيق العدالة الانتقالية، وتجسيداً لمبدأ "لا حصانة لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية"، كما تعكس تحولاً في الخطاب السياسي السوري من منطق التوافقات السياسية إلى لغة القانون والمحاسبة.
وبدورنا فإن تيار المستقبل السوري سيبقى على الدوام داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف بكافة تفاصيله، داعياً الحكومة السورية إلى الاستمرار في هذا المسار بدون تراجع، فملاحقة بشار الأسد ومحاكمته جوهر العدالة الانتقالية وأساس بناء سورية الجديدة.