في خضم واحدة من أعنف المواجهات التي شهدتها المنطقة، ومع تصاعد الضربات التي استهدفت مستويات متعددة من القيادة الإيرانية، بدا وكأن السؤال التقليدي يعود من جديد: هل يقترب النظام الإيراني من لحظة الانهيار؟ لكن ما حدث فعلياً كان عكس ذلك تماماً. فرغم استهداف شخصيات من الصف الأول والثاني وحتى الثالث، لم يتفكك النظام، ولم يظهر عليه ذلك الارتباك الذي يفترضه من ينظر إليه كهرم تقليدي يمكن إسقاطه بضربة مركزة.
هذه المفارقة تفرض إعادة النظر في طبيعة هذا النظام نفسه. فالجمهورية الإسلامية في إيران ليست مجرد نظام ديني قائم على ولاية الفقيه، ولا هي دولة قومية بالمعنى الكلاسيكي، ولا حتى جمهورية سياسية تقليدية. إنها بنية هجينة، تشكلت منذ عام 1979 عند تقاطع الدين والسياسة والأمن والاقتصاد، وتطورت ضمن بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، بحيث لم يعد من الممكن فهم سلوكها أو تفسير صمودها عبر نموذج واحد بسيط.
ضمن هذه البنية، لا يعمل الدين كمرجعية روحية فقط، بل كأداة لإنتاج الشرعية، ولا تعمل المؤسسات السياسية كآليات تمثيل حر بقدر ما تعمل كوسائل تنظيم داخلي وتوزيع للسلطة. وفي الوقت نفسه، ورغم الخطاب الإسلامي العابر للقوميات الذي رافق الثورة، فإن الدولة الإيرانية تستند إلى هوية أعمق وأكثر تعقيداً؛ هوية إيرانية جامعة، تحمل في داخلها طبقات تاريخية وثقافية ذات جذور فارسية واضحة، دون أن تتحول إلى قومية معلنة. هذا التداخل بين الإسلام كأيديولوجيا، وإيران كإطار جامع، وفارس كعمق ثقافي، هو ما يمنح النظام قدرة خاصة على إعادة إنتاج نفسه في مواجهة الأزمات.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة النظام على البقاء رغم الضربات، بل بكيفية بنائه منذ البداية كنظام قادر على امتصاص الصدمات. كيف تطورت ولاية الفقيه من فكرة ثورية إلى مركز ضمن شبكة معقدة من مراكز القوة؟ كيف تعمل الانتخابات داخل هذا النظام، وما حدودها؟ كيف بُنيت شرعيته بين الدين، والثورة، والعداء الخارجي؟ ولماذا تبدو علاقاته الإقليمية قائمة على الصراع بقدر ما هي قائمة على البراغماتية؟ وأخيراً، كيف يمكن لنظام تُستهدف قياداته بشكل متكرر، أن يستمر دون أن ينهار؟
هذه الأسئلة لا تقود إلى قراءة تاريخية فقط، بل إلى محاولة فهم منطق نظام، قد يبدو من الخارج متناقضاً، لكنه في الداخل يعمل وفق توازن دقيق بين عناصر متعددة، تجعل من استمراره نتيجة لبنيته، لا مجرد صدفة سياسية.
من الثورة إلى الدولة: ولادة نظام غير تقليدي
لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 مجرد حدث أطاح بنظام ملكي واستبدله بآخر ديني، بل كانت لحظة إعادة تعريف شاملة لفكرة الدولة نفسها في إيران. في هذا السياق، طرح روح الله الخميني الدين كإطار حاكم قادر على ملء الفراغ السياسي وإعادة إنتاج السلطة بشكل مختلف. وهنا جاءت نظرية “ولاية الفقيه”، كما صاغها في كتابه "الحكومة الإسلامية"، لا كاستمرار تقليدي للفقه الشيعي، بل كتحويل جذري له من دور إرشادي إلى سلطة سيادية مباشرة بيد الفقيه.
غير أن هذا التحول الفكري لم يكن العامل الوحيد في تشكيل النظام، بل تداخل مع مسارين حاسمين: الصراع الداخلي، والحرب الخارجية.
فعلى مستوى الداخل، لم تكن الثورة الإيرانية حدثاً إسلامياً خالصاً، بل شاركت فيها قوى متعددة: قوميون، يساريون، ليبراليون، وإسلاميون. ومع انهيار نظام الشاه، تحوّل هذا التنوع إلى صراع على شكل الدولة الجديدة. وفي خضم هذا الصراع، عمل تيار الخميني على إقصاء بقية القوى تدريجياً، ليس فقط لتثبيت سلطته، بل لترسيخ قناعة أعمق: أن بقاء النظام مرهون باحتكار المرجعية الدينية للسلطة، مع الإبقاء على واجهة سياسية مؤسساتية تمنح النظام شكلاً جمهورياً دون أن تهدد جوهره.
وفي هذا السياق أيضاً، لا يمكن فصل تطور الفكر السياسي للخميني عن المناخ الأوسع لصعود الإسلام السياسي في العالم الإسلامي خلال تلك المرحلة. ومع ذلك، فإن مشروع الخميني لم يكن تكراراً مباشراً لتجارب الحركات السنية، بل إعادة صياغة مختلفة لها ضمن السياق الشيعي، من خلال نقل السلطة السياسية إلى الفقيه نفسه، لا الاكتفاء بالتأثير على الدولة من خارجها.
أما العامل الحاسم الثاني، فكان الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، التي لعبت دوراً مركزياً في إعادة تشكيل بنية النظام. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة تأسيسية للدولة الجديدة، رسخت قناعة لدى القيادة الإيرانية بأن البقاء لا يتحقق فقط عبر الشرعية الدينية، بل عبر امتلاك أدوات قوة مستقلة ومضمونة الولاء. في هذا السياق، جرى تعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، بوصفه قوة لا ترتبط بالدولة السياسية بقدر ما ترتبط مباشرة بحماية النظام نفسه وأكثر ولاءً للثورة وأيديولوجيتها.
وهكذا، تشكلت الجمهورية الإسلامية ليس كنظام ديني صرف، ولا كدولة قومية تقليدية، بل كتركيبة معقدة تجمع بين الثورة والدولة، وبين الأيديولوجيا والمؤسسة، وبين الشرعية الدينية ومتطلبات الحكم الواقعي. فلم يتم بناء النظام الإيراني اعتماداً على فكرة واحدة، بل كحصيلة تفاعل معقد بين نظرية دينية، وصراع سياسي داخلي، وبنية مجتمع معقدة، وتجربة حرب مريرة.
البنية الشبكية لهرم السلطة الإيراني
لم تُبنَ الجمهورية الإسلامية كنظام مركزي بسيط يمكن إسقاطه بإزالة رأسه، بل كمنظومة موزعة متعددة المراكز، تتداخل فيها السلطات وتُعاد فيها توزيع القوة بشكل مستمر. في قمة هذه البنية يقف منصب المرشد، الذي يجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية، ويملك الكلمة الفصل في القضايا الكبرى.
على المستوى السياسي، توجد مؤسسات تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى نموذج الدولة الحديثة: رئيس منتخب، وبرلمان، وحكومة. غير أن هذه المؤسسات تعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً، حيث تخضع قراراتها لرقابة مؤسسات أعلى، أبرزها مجلس صيانة الدستور، الذي يملك صلاحية تحديد من يحق له الترشح، وبالتالي التحكم في مخرجات العملية السياسية قبل أن تبدأ.
إلى جانب ذلك، توجد مؤسسات أخرى مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يلعب دوراً في حل التناقضات داخل النظام نفسه، ما يعكس أن النظام لا يسعى إلى إلغاء التعدد داخل مؤسساته، بل إلى تنظيمه وإدارته. هذه التعددية المقيدة تخلق توازناً داخلياً يمنع تركّز السلطة بشكل كامل في يد جهة واحدة، دون أن يسمح في الوقت نفسه بظهور بديل حقيقي خارج النظام.
لكن البعد الأهم في هذه الشبكة يظهر في البنية الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، الذي يجمع بين وظائف متعددة: عسكرية، أمنية، استخباراتية، واقتصادية، بل وحتى اجتماعية. وهو، بخلاف الجيش التقليدي، يرتبط عضوياً بعقيدة النظام، ويعمل بوصفه ضامناً لاستمراره، لا مجرد أداة دفاع عن الدولة.
هذا التداخل بين المؤسسات السياسية والدينية والأمنية يُنتج ما يمكن وصفه بـ"دولة متعددة الطبقات"، حيث لا توجد سلطة واحدة تتحكم بكل شيء، بل بنية متعددة المراكز من السلطات التي تراقب بعضها البعض، وتتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة: بقاء النظام.
إلى جانب ذلك، جزء كبير من النشاط الاقتصادي في إيران لا يخضع لمنطق السوق الحر ولا لسيطرة الدولة التقليدية، بل لشبكات شبه رسمية، مثل المؤسسات الخيرية (البُنياد) والشركات المرتبطة بالحرس الثوري. هذه البنية الاقتصادية تخلق طبقة من المصالح المرتبطة مباشرة ببقاء النظام، ما يجعل الاستقرار ليس فقط مسألة سياسية، بل مصلحة مادية لشبكات واسعة داخل الدولة والمجتمع.
النظام الإيراني يعتمد على تنظيم التعدد من خلال التعددية المُقيدة كأداة نجاة واستمرار؛ فبنية السلطة لا تمنع الصراع داخلها، بل تحتويه ضمن مؤسستها وداخل أروقتها، وهذا يمنع ظهور "عطالة سياسية" كلية، حيث يتم تدوير النخب والأزمات داخل الشبكة دون الخروج عنها.
في ضوء هذه التركيبة، يصبح استهداف القيادات، حتى على مستويات متعددة، غير كافٍ لإحداث انهيار حاسم. فكل مركز قوة داخل النظام يملك قدراً من الاستقلالية والقدرة على الاستمرار، وفي الوقت نفسه، يرتبط ببقية المراكز ضمن شبكة تجعل من انهيار أحدها تهديداً للجميع، وليس فرصة للصراع الداخلي.
هنا، لا يعود النظام الإيراني هرمًا يمكن إسقاطه بضربة واحدة، بل شبكة تتوزع فيها السلطة بشكل يجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. فالمشكلة لا تكمن في قوة الرأس فقط، بل في طبيعة الجسد الذي يحمله.
الديمقراطية المضبوطة: لماذا توجد انتخابات؟
لا تُستخدم الانتخابات في إيران كوسيلة لتغيير النظام، بل كأداة لتنظيمه. إذ تخضع العملية الانتخابية منذ بدايتها لرقابة مجلس صيانة الدستور، الذي يملك صلاحية حاسمة في تحديد من يحق له الترشح، وبالتالي في رسم حدود المنافسة السياسية مسبقاً. وبذلك، لا تكون الانتخابات ساحة مفتوحة، بل مجالاً محدوداً للتنافس بين تيارات تنتمي جميعها، بدرجات متفاوتة، إلى داخل النظام نفسه.
هذا لا يعني أن الانتخابات شكلية بالكامل، أو أنها بلا تأثير. على العكس، فهي تؤدي وظائف متعددة داخل بنية النظام. أولاً، تمنح النظام شرعية دورية، تُستخدم داخلياً وخارجياً لإظهار وجود دعم شعبي واستمرارية سياسية. ثانياً، تتيح قدراً من التنافس داخل النخبة الحاكمة، ما يساعد على إعادة توزيع السلطة وتخفيف الاحتقان بين مراكز القوى المختلفة. وثالثاً، تعمل كآلية لامتصاص التوتر الاجتماعي، حيث يجد جزء من المجتمع في العملية الانتخابية مساحة محدودة للتعبير، حتى وإن كانت هذه المساحة مضبوطة سلفاً. إذاً هذا النظام الانتخابي يتيح للنخب (إصلاحيين، محافظين، راديكاليين) أن يتصارعوا على "الإدارة" لا على "السيادة". هذا الصراع المحكوم يمنع "العطالة المؤسسية"، لأنه يجدد الدماء في الجهاز البيروقراطي للدولة بانتظام.
بهذا المعنى، لا تُلغى السياسة في إيران، بل يُعاد تعريفها. فالصراع السياسي لا يدور حول شكل النظام أو شرعيته، بل حول كيفية إدارته وحدود سياساته. وهنا، تتحول الانتخابات إلى وسيلة لضبط هذا الصراع، لا لفتحه على احتمالات غير محسوبة.
ومن المفارقات أن هذه البنية الانتخابية المحدودة تساهم في استقرار النظام أكثر مما تضعفه. فهي تمنع تركز السلطة بشكل مطلق في يد جهة واحدة، من خلال خلق توازنات داخلية، لكنها في الوقت نفسه تمنع ظهور بديل سياسي حقيقي يمكن أن يشكل تهديداً وجودياً للنظام.
في هذا الإطار، يمكن فهم ما يُسمى أحياناً بـ"الإصلاحية" داخل النظام الإيراني، ليس كحركة تسعى إلى تغييره جذرياً، بل كتيار يعمل ضمن حدوده، ويعيد التفاوض على بعض سياساته دون المساس بأسسه.
في الأدبيات السياسية، لا تُصنف إيران كديمقراطية ليبرالية، بل كنظام هجين، أو “سلطوية انتخابية”، حيث تُستخدم الانتخابات كأداة لتنظيم التنافس داخل النظام، لا لتغييره. فالمواطن الإيراني لا يختار بين مشاريع سياسية مفتوحة، بل بين خيارات تم تحديدها مسبقاً ضمن إطار يحافظ على بنية السلطة القائمة.
فديمقراطية الانتخابات المُسيطر عليها في إيران تُستخدم كأداة من أدوات السيطرة والاستمرارية، وتخدم بقاء النظام وديناميكيته، لا تهديده.
الشرعية: كيف يعيش النظام من الأزمات؟
إذا كانت بنية النظام الإيراني تفسر كيف يعمل، فإن فهم شرعيته يفسر لماذا يستمر. فالجمهورية الإسلامية لم تبنِ شرعيتها على إنجاز اقتصادي مستقر، ولا على توافق سياسي واسع، بل على مزيج معقد من مصادر متعددة. يمكن تحديد أربعة مصادر رئيسية للشرعية داخل النظام الإيراني، تتداخل فيما بينها وتُعاد صياغتها مع كل مرحلة.
أول هذه المصادر هو الشرعية الثورية، التي تستند إلى إسقاط نظام الشاه بوصفه لحظة تأسيسية لا تزال حاضرة في الخطاب الرسمي. فالنظام لا يقدم نفسه كسلطة حاكمة فقط، بل كامتداد لثورة مستمرة، ما يمنحه قدرة على تجاوز التقييم التقليدي للأداء، وربط وجوده بفكرة تاريخية أكبر.
أما المصدر الثاني، فهو الشرعية الدينية، المرتبطة بنظرية ولاية الفقيه، والتي تمنح النظام بعداً يتجاوز السياسة إلى ما يشبه التفويض الشرعي، بحيث تصبح معارضتها أقرب إلى تحدي الإطار الديني نفسه، لا مجرد اعتراض سياسي.
المصدر الثالث يتمثل في الشرعية السيادية أو القومية، والتي تُبنى على خطاب مقاومة الهيمنة الخارجية، خصوصاً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. هنا، لا يُقدَّم النظام فقط كحاكم، بل كحارس للدولة في مواجهة التهديدات، ما يسمح له بتحويل الضغوط الخارجية إلى عامل تعبئة داخلية. وفي هذا الإطار، تتقاطع الهوية الإسلامية مع هوية إيرانية أوسع، تُفعَّل خصوصاً في لحظات الخطر، لتعزيز التماسك الداخلي رغم التنوع القومي.
أما المصدر الرابع، وربما الأكثر أهمية، فهو شرعية الصمود. فمنذ الحرب مع العراق، مروراً بالعقوبات، وصولاً إلى الضربات العسكرية المباشرة، نجح النظام في إعادة صياغة بقائه كإنجاز بحد ذاته. فبدلاً من أن تؤدي الأزمات إلى تقويض شرعيته، يتم تقديمها كدليل على قدرته على الاستمرار، بل وعلى صوابية مساره.
بهذا المعنى، لا يعيش النظام الإيراني رغم الأزمات، بل يعيش من خلالها. فكل أزمة تُعاد صياغتها داخل خطاب يربط بين التهديد الخارجي وضرورة التماسك الداخلي، ما يخلق حلقة مغلقة تصبح فيها الضغوط عاملاً من عوامل الاستقرار، لا الانهيار.
ولا يعني ذلك أن هذه الشرعية غير قابلة للتآكل، أو أنها مقبولة من جميع شرائح المجتمع، بل إن التوتر بين هذه المصادر المختلفة، وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي، يشكل أحد أهم التحديات التي يواجهها النظام. غير أن قدرة النظام على التنقل بين هذه المصادر، وإعادة ترتيب أولوياتها وفق الظرف، تمنحه مرونة عالية في إدارة الأزمات.
استطاع النظام الإيراني، كما هي الحال بعديد من الدول الديكتاتورية، أن يجعل "البقاء" هو المنتج النهائي للنظام. في الأنظمة النيوليبرالية، الإنجاز هو "النمو"، أما في الجمهورية الإيرانية فهو نموذج دولة يقوم على النجاة كغاية بحد ذاتها، فإن الإنجاز هو "عدم السقوط". هذا يفسر لماذا لا تؤدي العقوبات إلى الانهيار؛ لأنها ببساطة تُغذي مصدر الشرعية الثالث والرابع (السيادية والصمود). فالنظام الذي تُبنى شرعيته على الاستقرار قد ينهار مع أول أزمة، أما النظام الذي تُبنى شرعيته على الصراع، فإنه يجد في الأزمة بيئة طبيعية لاستمراره.
الخارج كضرورة داخلية: لماذا العداء مستمر؟
لا يمكن فهم سلوك إيران الإقليمي أو طبيعة علاقاتها المتوترة مع محيطها، بمعزل عن بنيتها الداخلية. فالعداء في الحالة الإيرانية ليس مجرد خيار سياسي قابل للتغيير، بل عنصر بنيوي في تكوين النظام نفسه، نشأ مع الثورة وتكرّس مع الزمن، حتى أصبح جزءاً من آلية عمل الدولة.
منذ الأيام الأولى بعد عام 1979، لم تُعرّف الجمهورية الإسلامية نفسها كدولة جديدة داخل النظام الدولي القائم، بل كقوة ثورية تسعى إلى إعادة تعريف هذا النظام. وكانت حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن لحظة مفصلية في هذا المسار، إذ لم تكن مجرد أزمة دبلوماسية، بل إعلاناً عن انتقال إيران من موقع الحليف إلى موقع الخصم، ومن دولة ضمن التوازنات الدولية إلى دولة تعرّف نفسها في مواجهة هذه التوازنات.
في هذا السياق، لم يكن توصيف الولايات المتحدة بـ"الطاغوت الأكبر" مجرد شعار دعائي، بل إطاراً فكرياً يُعيد تعريف السياسة الخارجية بوصفها امتداداً للصراع الأيديولوجي. وينطبق الأمر ذاته على العلاقة مع إسرائيل، التي تحولت إلى عنصر ثابت في خطاب النظام، ليس فقط لأسباب جيوسياسية، بل أيضاً كجزء من بناء هوية سياسية تقوم على المقاومة والمواجهة.
غير أن هذا العداء لا يعمل فقط على مستوى الخارج، بل يؤدي وظيفة داخلية حاسمة. فهو يمنح النظام إطاراً تفسيرياً للأزمات، حيث يمكن ربط الضغوط الاقتصادية أو السياسية بعوامل خارجية، ما يخفف من الضغط الداخلي ويعيد توجيه الغضب نحو “الآخر”. كما أنه يعزز تماسك النخبة الحاكمة، إذ تصبح الخلافات الداخلية أقل أهمية في ظل وجود تهديد خارجي دائم.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن السياسة الخارجية الإيرانية محكومة بالكامل بالأيديولوجيا. فعلى الرغم من الخطاب الثوري، أظهر النظام قدرة عالية على البراغماتية، سواء في علاقاته مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، أو في إدارته لتوازناته الإقليمية. هذا التداخل بين الأيديولوجيا والمصلحة لا يُضعف النظام، بل يمنحه مرونة إضافية، تسمح له بالتحرك ضمن بيئة معقدة دون التخلي عن خطابه الأساسي.
وفي الوقت نفسه، يتيح هذا الإطار للنظام توسيع حضوره الإقليمي، ليس فقط عبر السياسة التقليدية، بل عبر بناء شبكات نفوذ تمتد إلى عدد من الدول في المنطقة. وهنا، لا يكون التوسع مجرد طموح جيوسياسي، بل جزءاً من استراتيجية دفاعية تقوم على نقل الصراع إلى خارج الحدود، بحيث يصبح الأمن الإيراني مرتبطاً بعمق إقليمي أوسع. لقد حول النظام الإيراني "النفوذ" إلى "مجسات أمنية". فإيران لا تتوسع لتنشر الثورة فقط، بل لتبني "بنية تحتية للصدام" بعيداً عن مركز الدولة، مما يمنحها "عمقاً استراتيجياً" يحمي النواة الصلبة من أي ضربة مباشرة.
غير أن هذا البعد لا يكتمل دون فهم جانب آخر لا يقل أهمية، وهو براغماتية السلوك الإيراني، التي غالباً ما تتعايش مع الخطاب الأيديولوجي، بل وتناقضه أحياناً. فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة، ظهر هذا التناقض بشكل واضح فيما عُرف بفضيحة إيران-كونترا، حين دخلت إيران في قنوات تواصل وتبادل سلاح مع الولايات المتحدة، التي كانت تُوصَف رسمياً بـ"الشيطان الأكبر"، وذلك في سياق حربها مع العراق. لم يكن هذا الحدث استثناءً عابراً، بل مؤشراً مبكراً على أن بقاء النظام قد يتقدم على ثبات خطابه.
غير أن هذه البراغماتية لم تبقَ محصورة في ظروف الحرب، بل تطورت بشكل أوضح في مرحلة علي خامنئي، الذي ورث نظاماً أكثر استقراراً، وأعاد توجيه سياسته الخارجية ضمن هامش أوسع من المرونة.
وفي هذا السياق، لم تتردد إيران في لعب أدوار تتجاوز خطابها الثوري، حيث دعمت، في بعض الحالات، ترتيبات إقليمية تهدف إلى الاستقرار، كما تقاطعت مصالحها مع روسيا في إدارة أزمات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، سواء في فضاء آسيا الوسطى أو في محيطها الأوسع، بما في ذلك القوقاز. هذا التحول لا يعني تخلي النظام عن أيديولوجيته، بل يعكس قدرة على توظيفها ضمن حسابات أكثر تعقيداً، حيث لا يُلغى الخطاب، بل يُعاد تفسيره بما يخدم الاستمرارية.
بهذا المعنى، لا يظهر التناقض بين العداء المعلن والسلوك العملي كخلل في السياسة الإيرانية، بل كجزء من بنيتها. فالنظام لا يتحرك وفق منطق واحد ثابت، بل ضمن مزيج من الأيديولوجيا والمصلحة، يسمح له بالحفاظ على هويته من جهة، والتكيف مع الواقع من جهة أخرى.
في ضوء ذلك، لا يعود السؤال لماذا تستمر إيران في تبني سياسة خارجية قائمة على العداء، بل كيف أصبح هذا العداء جزءاً من منطق استقرارها الداخلي. فالنظام الذي يُعرّف نفسه من خلال الصراع، لا يمكنه بسهولة أن يتخلى عنه، لأن ذلك يعني التخلي عن أحد أهم مصادر تماسكه.
مرحلة التحصين: كيف تعلّم النظام من الثورات؟
لم يتشكل النظام الإيراني فقط عبر الثورة والحرب، بل أعاد تشكيل نفسه بشكل أعمق خلال العقد الأخير، تحت تأثير موجة الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة، بدءاً من الاحتجاجات الداخلية، وصولاً إلى ثورات “الربيع العربي”.
كانت أحداث عام 2009، المعروفة بـ“الثورة الخضراء”، لحظة مفصلية داخل إيران. فهي لم تكن مجرد احتجاج انتخابي، بل أول اختبار حقيقي لقدرة النظام على مواجهة تحدٍ داخلي واسع النطاق، تقوده فئات من داخل المجتمع، لا من خارجه. وقد كشفت هذه الأحداث هشاشة نسبية في بنية النظام آنذاك، لكنها في الوقت نفسه أطلقت عملية مراجعة عميقة داخله، هدفت إلى إعادة ضبط أدوات السيطرة وتعزيز قدرته على احتواء الأزمات.
ومع اندلاع الثورات العربية بعد عام 2011، تلقى النظام الإيراني رسالة أكثر وضوحاً: أن موجات التغيير يمكن أن تصل إلى أي دولة، بغض النظر عن طبيعة نظامها. في هذا السياق، لم يكن موقف إيران من هذه الثورات متسقاً مع خطابها الثوري التقليدي، بل اتسم بقدر كبير من الانتقائية. فبينما دعمت بعض الحركات، وقفت بشكل حاسم إلى جانب النظام السوري، ليس فقط كحليف سياسي، بل كخط دفاع استراتيجي عن بنية إقليمية ترى فيها امتداداً لأمنها الداخلي.
كما وسّعت إيران حضورها في ساحات أخرى، مثل اليمن، مستفيدة من الفراغات التي خلّفتها التحولات السياسية، بما يعكس انتقالها من مرحلة “الدفاع عن الثورة” إلى مرحلة “إدارة النفوذ” ضمن بيئة إقليمية متفككة.
بهذا المعنى، لم يكن العقد الأخير مجرد مرحلة ضغوط على النظام، بل مرحلة تعلم وتحصين. فقد انتقل من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى توقعها، ومن الاعتماد على الشرعية الثورية وحدها إلى بناء منظومة أكثر تعقيداً تجمع بين الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والخطاب.
ومن هنا، يمكن القول إن النظام الإيراني اليوم ليس هو نفسه قبل خمسة عشر عاماً. فلو تعرضت إيران لضغوط مشابهة لما تواجهه اليوم في منتصف العقد الأول من الألفية، ربما كانت النتائج مختلفة. أما اليوم، فإن ما نواجهه ليس نظاماً في طور التشكّل، بل نظاماً اختبر نفسه مراراً، وأعاد ترتيب بنيته على ضوء تلك الاختبارات.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الدولي الأوسع، حيث أتاح تراجع الحوكمة العالمية، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بعد أزمة أوكرانيا، هامشاً أوسع لحركة دول مثل إيران. فالنظام لم يستفد فقط من بنيته الداخلية، بل أيضاً من بيئة دولية أقل استقراراً، سمحت له بالمناورة، وببناء علاقات مصلحية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، ضمن ما يشبه نظاماً دولياً أكثر سيولة وأقل انضباطاً.
لماذا لم يسقط النظام؟
بعد تتبع مسار تشكل النظام الإيراني، من الثورة إلى الدولة، وتطوره، وإعادة بنائه خلال العقد الأخير، ومن البنية إلى الشرعية، ومن الداخل إلى الخارج، يعود السؤال المركزي ليطرح نفسه بإلحاح أكبر: كيف يمكن لنظام تُستهدف قياداته على مستويات متعددة، أن يستمر دون أن ينهار؟
الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في تراكب مجموعة من العناصر التي تجعل من هذا النظام حالة مختلفة عن النماذج التقليدية للدول. فالجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كنظام هرمي يعتمد على رأس واحد يمكن إسقاطه، بل كشبكة معقدة من مراكز القوة، تتوزع فيها السلطة بين مؤسسات دينية، وسياسية، وأمنية، واقتصادية، بحيث لا يؤدي غياب أحد هذه المراكز إلى انهيار الكل.
في هذه البنية، لا يشكل القائد وحده مركز النظام، بل يمثل جزءاً من منظومة أوسع، قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في ظل فقدان شخصيات محورية. فالحرس الثوري، والمؤسسات الدينية، والشبكات الاقتصادية، لا تعمل كأدوات تابعة فقط، بل كأعمدة قائمة بذاتها، تتقاطع عند هدف واحد: بقاء النظام.
إلى جانب ذلك، تلعب طبيعة الشرعية دوراً حاسماً في تفسير هذا الصمود. فالنظام الذي يستمد شرعيته من الاستقرار قد ينهار عند أول أزمة، أما النظام الذي يُعرّف نفسه من خلال الصراع، فإنه يجد في الأزمات بيئة طبيعية لعمله. وهنا، لا تُفسَّر الضربات كعلامة ضعف، بل يُعاد تقديمها كدليل على الاستهداف، ومن ثم كسبب إضافي للتماسك الداخلي.
كما أن وجود مؤسسات انتخابية، رغم محدوديتها، يضيف طبقة أخرى من الاستقرار، من خلال خلق قنوات داخلية لإعادة توزيع السلطة وامتصاص التوتر، دون فتح المجال لتغيير جذري في بنية النظام. وفي الوقت نفسه، تساهم البنية الاقتصادية المرتبطة بالنظام في ربط شرائح واسعة من النخب بمصالح مباشرة في استمراره، ما يجعل الحفاظ عليه ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة مادية.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن العداء المستمر، رغم كلفته، يؤدي وظيفة داخلية لا تقل أهمية عن وظيفته الخارجية، إذ يعزز هوية النظام ويعيد توجيه الضغوط، في حين تسمح البراغماتية العملية بتجنب الانغلاق الكامل، عبر بناء علاقات مصلحية مع قوى دولية وإقليمية.
في ضوء ذلك، يصبح استهداف القيادات، مهما كان مؤلماً، غير كافٍ لإحداث انهيار شامل. فالنظام الإيراني ليس جسماً يمكن تفكيكه من الأعلى، بل منظومة موزعة، تتجدد من داخلها، وتعيد إنتاج توازنها مع كل صدمة.
وهنا، تكمن المفارقة الأساسية: المشكلة ليست في قوة النظام فقط، بل في طبيعة تصوره. فالتعامل معه كنظام تقليدي يؤدي إلى استنتاجات خاطئة، تقوم على افتراض أن إزالة القيادة تعني نهاية البنية، بينما الواقع يشير إلى العكس.
إن ما تكشفه التجربة الإيرانية ليس فقط حدود القوة العسكرية، بل حدود الفهم أيضاً. فالنظام الذي بُني ليعمل في ظل التوتر، لا ينهار بسهولة تحت الضغط، بل قد يعيد تنظيم نفسه من خلاله.
في النهاية، لا يكون السؤال: لماذا لم يسقط النظام الإيراني؟
لأن الأنظمة التي تُبنى على الاستقرار، تحتاج السلام كي تعيش…أما الأنظمة التي تُبنى على الصراع، فهي تتقن العيش داخل العاصفة.
بل يصبح السؤال: هل كان قابلاً للسقوط أصلاً، وفق الأدوات التي استُخدمت ضده؟