من الجمود إلى الاختبار الميداني:
شهد مسار العلاقات السورية المصرية منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 ديناميكية متسارعة لكنها حذرة. فقد جاءت الزيارة الأولى لوزير الخارجية السوري إلى القاهرة في 3 أيار 2026، برفقة وزير الاقتصاد والصناعة، لتكون الاختبار الفعلي لقدرة البلدين على تجاوز سنوات الجمود.
كما سبقتها محادثات جانبية جمعت الرئيسين أحمد الشرع وعبد الفتاح السيسي على هامش قمة قبرص نهاية نيسان 2026، وصفها مراقبون بأنها حملت "مؤشرات تقارب حقيقية".
يقدم هذا المقال تقدير موقف حول واقع العلاقات الثنائية، محللاً تقاطع المصالح الاقتصادية مع المخاوف السياسية والأمنية التي لا تزال تعيق مسار التطبيع الكامل.
المصالح المتشابكة والخطوات المؤسسية:
مجلس الأعمال السوري المصري:
أصدر الوزير الشعار قراراً بتشكيل "مجلس الأعمال السوري المصري"، يمثل هذا المجلس قناة مؤسسية لتفعيل التعاون بين القطاع الخاص في البلدين، وهو ثمرة مذكرات تفاهم سابقة بين اتحادي الغرف التجارية والصناعية.
ملف الطاقة – أرضية مشتركة فاعلة:
وقّعت مصر وسورية في 5 كانون الثاني 2026، مذكرتي تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية بهدف دعم احتياجات سورية من الطاقة وتوليد الكهرباء. كما نص الاتفاق على توريد نحو 60 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز المصري إلى سورية، مقابل السماح بمرور الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر الأراضي السورية، باستخدام خط الغاز العربي الذي يمتد بطول 1200 كيلومتر ويربط الدول الأربع.
التبادل التجاري – طموح يتجاوز الواقع:
لايتوافق كما يبدو التبادل التجاري بين البلدين مع إمكانياتهما الفعلية، حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن التبادل المباشر ما زال دون طموح الجانبين، في حين تؤكد المصادر الحكومية السورية والمصرية تطلّعاً واضحاً إلى رفع مستويات التجارة خلال المرحلة المقبلة.
يتزامن ذلك مع حاجة سورية الماسة إلى مواد بناء، وآلات، وأسمدة، والى فتح أسواق تصديرية لمنتجاتها الزراعية والصناعية المتنوعة.
إعادة الإعمار – الفرصة الأكبر:
وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الأول 2025، تقدر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سورية بنحو 216 مليار دولار، موزعة بين 75 ملياراً للمباني السكنية و59 ملياراً للمنشآت غير السكنية و82 ملياراً للبنية التحتية.
وتمتلك مصر خبرات متراكمة في البنية التحتية والإسكان، وهذا يُنظر إليه في دمشق باعتباره فرصة ذهبية "لتسويق" الشراكة الاستراتيجية مع القاهرة وتعويض النقص الحاد في التمويل الأجنبي. المخاوف السياسية والأمنية – التباطؤ المتعمد:
الحذر المصري المحسوب:
مصر هي إحدى العواصم العربية التي تعاملت بحذر ملحوظ مع الإدارة السورية الجديدة منذ التحولات السياسية.
ظلت القاهرة تراقب ملامح السلطة الجديدة في دمشق وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية، ورفضت الانخراط بخطوات سياسية واسعة قبل التأكد من قدرة الحكومة السورية على ضبط ملفات "التطرف وعناصر التنظيمات" العابرة للحدود.
الملفات العالقة:
تشير التقارير إلى خلافات مستمرة حول بعض العناصر المطلوبة للقضاء المصري. كما صدرت مؤخراً قرارات بترحيل عدد من السوريين "لأسباب تتعلق بالأمن والصالح العام".
وفي المقابل، قامت الإدارة السورية الجديدة بإجراءات طمأنة جزئية (منها توقيف عناصر معينة)، غير أن حالة "اللا ثقة" لا تزال تلوّن الموقف الرسمي المصري، وإن بدأت تتراجع تدريجياً.
الإطار الدبلوماسي – خطوات منفردة أم سياسة ممنهجة؟:
تعكس الزيارة أن الجانبين يُمرحلان العلاقة عبر "مسارات موازية": فسورية تسعى إلى تسريع وتيرة التعاون واستثمار الزخم الحالي، بينما تُبقي مصر الملف السياسي ضمن إطار "المراقبة والاختبار" حتى ولو كانت تدفع بملفات الطاقة والتجارة بقوة. موقف تيار المستقبل السوري:
- المنطقة الاقتصادية هي الأكثر نضجاً: يجب استثمار ملفات الطاقة وإعادة الإعمار كمحرك رئيسي لتعزيز الثقة بين البلدين، مع إعداد ملفات تفصيلية حول احتياجات سورية من الخبرات المصرية.
- الإسراع في إضفاء الطابع المؤسسي: بينما لا يستطيع أي قرار سياسي أن يلغي حاجة سورية الملحة لدعم مصري في مجالي الكهرباء والبنية التحتية، يتعين على الحكومة السورية مضاعفة جهود التنسيق مع القاهرة عبر القنوات الأمنية والاستخبارية لمعالجة ملف "المطلوبين" بما لا يخل بمبدأ عدم تسليم المعارضين المهددة حياتهم ومخالفة القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.
- قضايا السوريين في مصر بحاجة إلى مسار موازٍ وسريع: تزايد حالات التوقيف والترحيل التعسفي أثار استياء الجالية السورية، مع تسجيل حالات لمسجلين لدى مفوضية اللاجئين تم احتجازهم بشكل تعسفي. يجب أن تطرح الحكومة السورية هذا الملف وبقوة على جدول أعمال اللقاءات الثنائية.
خاتمة:
تمثل العلاقة السورية المصرية اختباراً لجدية نظام الحكم الجديد في دمشق وقدرته على ترجمة خطابه السياسي إلى تفاهمات إقليمية مستقرة.
لقد حققت الزيارة الأولى للوزير الشيباني تقدماً في القنوات الاقتصادية والمؤسسية، لكن العوائق السياسية والأمنية لا تزال ماثلة على الأرض.
ولكل ماسبق، إننا في تيار المستقبل السوري نوصي بالآتي:
- أولاً: اعتماد خارطة طريق لتحويل مجلس الأعمال المشترك إلى هيئة تنفيذية ملموسة ذات جدول زمني محدد.
- ثانياً: تكثيف الحوار الأمني الاستخباري المباشر والمرتفع المستوى مع الجانب المصري لمعالجة ملف المطلوبين وتهيئة مناخ الثقة.
- ثالثاً: رفع ملف أوضاع الجالية السورية في مصر إلى واجهة المباحثات الدبلوماسية، والطلب بالتفاهم على آلية واضحة لتنظيم أوضاعهم القانونية.
- رابعاً: متابعة تطبيق اتفاقيات الطاقة بالتوازي مع البدء بحوار رسمي حول آلية مشاركة الشركات المصرية في إعادة الإعمار
ختاماً، عيوننا اليوم على نتائج هذه الزيارة في الأيام القادمة: هل نرى ترجمة للتفاهمات على الأرض، أم تظل الخطى حذرة مع تغير طفيف في الإيقاع؟