لم يعد السؤال الأهم اليوم بعد سقوط نظام الأسد: "كيف انهار الطاغية؟"، بل "كيف تحول المجتمع السوري خلال أربعة عشر عاماً من ثورة وحرب؟"، و"ما هي التحولات العميقة التي صنعها السوريون بأنفسهم تحت وطأة القمع والقصف؟".
يمكن القول إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورة وطنية لفهم أين نقف اليوم، وأين يتجه بنا المستقبل.
هنا يأتي كتاب "المجتمع السوري في الثورة والحرب (2011-2024): الإرث والتحولات" (Syrian Society in Revolution and War (2011–2024). Legacy and Transformations)، الصادر عن Presses de l’Ifpo عام 2025، ليقودنا في رحلة تحليلية شاملة لواقع السوريين خلال عقد ونصف من التحولات الإجبارية.
فبينما جذبت عناوين الأخبار الثورة والقمع والحرب، كان المجتمع السوري يتحول ويتغير، فهبّ، وأعاد تنظيم نفسه، وتشرذم، وابتكر أشكالاً جديدة من التضامن.
يضع الكتاب المجتمع السوري في قلب التحليل، مبتعداً عن القراءات الجيوسياسية والاستراتيجية التي طالما هيمنت على النقاشات حول الصراع. إنه يدعونا لرؤية السوريين كفاعلين أساسيين في صنع واقعهم الجديد.
معلومات الكتاب الأساسية:
- العنوان: Syrian Society in Revolution and War (2011–2024). Legacy and Transformations
- المحرران: Myriam Ababsa (جغرافية اجتماعية فرنسية-جزائرية، أمضت 20 عاماً من أبحاثها في الأردن).
- و Valentina Napolitano (دكتورة في علم الاجتماع السياسي، باحثة في معهد الأبحاث من أجل التنمية IRD ومتخصصة في الهجرات القسرية والعنف السياسي).
- الناشر: Presses de l’Ifpo (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى).
- سلسلة ورقم: Contemporain Publications 41.
- تاريخ النشر: 2025.
- عدد الصفحات: 376 صفحة.
- اللغة: الفرنسية والإنجليزية.
- الرقم الدولي الموحد للكتاب (ردمك) الورقي: 978-2-35159-813-9
- الرقم الدولي الموحد للكتاب (ردمك) الرقمي: 978-2-35159-576-3
- الصيغ المتوفرة: ورق (طباعة عند الطلب)، PDF، HTML.
- المقدمة: بقلم Élizabeth Picard
المسار السردي والتحليلي للكتاب:
يقدم الكتاب قراءة متعددة التخصصات للمجتمع السوري خلال الثورة والحرب، معتمداً على دراسات حالة ميدانية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي. وينطلق من حقيقة موجعة وبسيطة في آن: في عام 2011، كسر السوريون جدار الصمت وثاروا ضد نظام الأسد لاستعادة حقوقهم في الحرية والكرامة. لكن الثورة الشعبية سُحقت بحرب دامت أربعة عشر عاماً، حملت عواقب مدمرة: نصف مليون قتيل وجريح، وأكثر من 150 ألف معتقل أو مفقود، ونصف السكان مجبرون على اللجوء أو النزوح.
غير أن الكتاب لا يقف عند هذا السرد التقليدي للخسائر والألم. بل يتجاوزه نحو سؤال أكثر دلالة: كيف تحول المجتمع السوري خلال هذه السنوات؟ إنه يضع المجتمع في المركز، متسائلاً عن التحولات العميقة التي حدثت رغم الدمار والعنف اليومي.
هيكلياً، يقسم المحرران عملهما إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تعكس الأبعاد الأساسية للتحولات:
- الرحلات الفردية والجماعية (Individual and collective journeys): يركز على التحولات في الحياة الأسرية والعلاقات بين الجنسين، خاصة في المنفى.
- الديناميات الاقتصادية، سبل العيش والمساعدات الإنسانية (Economic dynamics, subsistence and humanitarian aid): يحلل الهجرات الزراعية والاقتصادات الأخلاقية في زمن الحرب.
- إعادة التشكل السياسي، هياكل الحوكمة وأشكال التعبئة (Political reconfigurations, governance structures and forms of mobilisation): يتناول الحكم الذاتي من الأسفل، والعدالة الانتقالية، والتشكيلات المذهبية في زمن الحرب.
التحليل الموضوعي:
أولاً، المجتمع تحت المجهر – التحولات الاجتماعية والعلاقات بين الجنسين:
تُخصص المحررة Myriam Ababsa جزءاً مهماً من تحليلها لدراسة تحولات الهجرة والعلاقات بين الجنسين. وتسأل: كيف أثرت الثورة والحرب على العلاقات بين الرجال والنساء في سورية والدول المجاورة (تركيا، لبنان، والأردن)؟.
نجد هنا رصداً دقيقاً لدور النساء خلال الحرب، حيث تولين أدواراً متعددة لدعم أسرهن في غياب الرجال (بسبب القتل أو الاعتقال أو القتال). كما لم تعد المرأة مجرد ربة منزل، بل أصبحت مالكاً للعقارات والأراضي. كما تُبرز أن النساء لم يقتصر دورهن على الكفاح اليومي من أجل البقاء، فقد تظاهرن وانضممن إلى تشكيلات سياسية مختلفة.
يعيد هذا التحول العميق في الأدوار الجندرية تعريف العلاقات الأسرية والمجتمعية برمتها، ويطرح أسئلة جديدة حول ماذا سيحدث بعد الحرب. لكن المحللين – ومنهم Peter Harling – يحذرون من تعقيد الصورة: فالمجتمع السوري أصبح مجزأً بشكل متزايد، والمسارات من كل منطقة أصبحت مختلفة.
ثانياً، الاقتصاد في زمن الحرب – الانهيار وما تلاه:
في فصل تحليلي لافت، يناقش الكتاب الاقتصاد السوري في زمن الحرب. حيث يشير Peter Harling إلى أن الانهيار الاقتصادي حدث في السنتين الأوليين من الحرب، لكن الأهم هو ما جاء بعد ذلك: كيف قلب المجتمع على نفسه واستخرج كل الموارد المتبقية.
ويضيف بأن "سورية كانت مجتمعاً ريادياً" (entrepreneurial society). برز هذا البعد الريادي في العلاقات المالية أثناء العقوبات الاقتصادية، كما في المبادرات النسائية الاقتصادية. في المقابل، يتناول الكتاب أيضاً التحولات البيئية المرتبطة بالحرب: كإدارة المياه في ظل الصراع.
في هذا السياق، يظهر الكتاب كيف أن الاقتصاد أصبح أداة للبقاء، ومجالاً للصراع، وفي الوقت نفسه فضاءً للإبداع والمقاومة اليومية.
ثالثاً، الحوكمة والسياسة – التجارب الذاتية والعدالة:
يقدم القسم الثالث من الكتاب تحليلات معمقة حول أنماط الحوكمة التي ظهرت خلال الحرب. حيث يطرح الباحثون أسئلة محورية: كيف نشأت أشكال من الحكم الذاتي "من الأسفل" (Governance from Below) في غياب الدولة؟ ما مدى شموليتها ولا مركزيتها؟.
أيضاً، يتناول الفصل الخاص بالعدالة الانتقالية في السياق السوري كيف حرّكت الجالية السورية في الشتات فضاءات جديدة للعدالة والمحاسبة.
هنا يرتبط التحليل بالبعد الإقليمي:
كيف ساهمت الشتات في لبنان والأردن وتركيا في خلق أطر قانونية وسياسية جديدة.
كما يناقش الكتاب التحولات المذهبية في زمن الحرب من خلال دراسة حالة الاختطاف الجماعي للدروز في السويداء من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (يوليو 2018). هذا يساعد في فهم كيفية تحول الهوية المذهبية في ظل العنف الطائفي، وتأثير ذلك على مستقبل التعايش في سوريا.
رابعاً، لمحة جغرافية سياسية – خرائط جديدة لسوريا:
يضيف الفصل الذي كتبه Matthieu Rey عن "التجمعات السورية في إعادة التشكل" (Les terroirs syriens en recomposition) بعداً مكانياً حاسماً. إذ يتساءل عن الجغرافيا السياسية لسورية من منظور الزمن الطويل، متتبعاً كيف توزعت السلطة والسيادة على الأراضي السورية خلال سنوات الحرب. يستند هذا الطرح إلى فكرة أن الحروب لا تغير الأنظمة فقط، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الحواضر والبوادي، وبين المركز والأطراف.
والأكثر إثارة هو طرح الكتاب لفكرة "التغيرات التي لا رجعة فيها" (irreversible transformations). كما يقال في المقدمة، فإن السنوات الأربعة عشر من الثورة والحرب لم تمر دون أن تترك ندوباً عميقة فحسب، بل ولدت أيضاً أنماطاً جديدة من العيش والتفكير والتنظيم، قد تجعل أي عودة إلى ما قبل 2011 أمراً مستحيلاً.
نقاط القوة في الكتاب:
- وضـع المجتمع في مرمى الضوء:
من أكبر إنجازات الكتاب أنه يخرج السوريون من دائرة الضحايا السلبية إلى فضاء الفاعلين التاريخيين. فبدلاً من قراءة الصراع السوري من خلال عدسات قوى إقليمية ودولية متنافسة (إيران، روسيا، تركيا، أميركا)، يعيد توجيه الانتباه إلى من عانى، ومن ناضل، ومن حلم، ومن ابتكر طرقاً جديدة للبقاء والمقاومة. - التنوع المنهجي والتعددية التخصصية:
يجمع الكتاب بين علم الاجتماع السياسي، والجغرافيا الاجتماعية، والعلوم الاقتصادية والدراسات الجندرية، مما يمنح القارئ لوحة متكاملة التحولات. هذا النهج متعدد التخصصات ضروري لفهم واقع معقد بحجم الحرب السورية. - التوثيق الميداني والاعتماد على باحثين سوريين:
بحسب Peter Harling، اعتمدت منهجية البحث على توظيف زملاء واستشاريين سوريين مع تزويدهم بالتدريب والدعم اللازمين للعمل الميداني. هذا يضمن عمقاً تحليلياً لا توفره الأبحاث التي تنظر من الخارج إلى الداخل فقط. - الزمن الطويل:
لا يحصر الكتاب نفسه في سنوات الحرب الـ14 فقط، بل يضع التحولات في سياقها التاريخي الممتد. هذا ما تظهره فكرة "النهج التزامني عبر الأراضي" (A Diachronic Approach across Territories) التي تتيح فهماً أعمق للجذور التاريخية للتغيرات.
إسهامات الكتاب الخاصة:
يقدم الكتاب إسهامات نوعية لافتة:
أولاً، توفيره لأدوات قراءة التحولات الجارية منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون أول 2024. فلا يمكن فهم تحديات المرحلة الانتقالية دون استيعاب ما حدث للمجتمع خلال سنوات الحرب الطويلة.
ثانياً، كشفه للعلاقة الجدلية بين الثورة والحرب. فبدلاً من النظر إليهما كمرحلتين منفصلتين، يرى الكتاب أن الثورة ولدت تحولاتها الخاصة حتى في أقصى لحظات العنف، وأن الحرب نفسها كانت أرضاً خصبة لنضالات جديدة وأشكال تضامن مبتكرة.
ثالثاً، التركيز على الشتات كفضاء للتحول. فمن خلال دراسة الجاليات السورية في تركيا ولبنان والأردن، يتخطى الكتاب الإطار الجغرافي لسورية ويرى كيف أن المنفى كان معملاً لإعادة تعريف الهوية السياسية والمدنية.
نقد ومناقشة:
بالطبع، لا يخلو أي جهد أكاديمي من نقاط قابلة للنقاش. يمكن الإشارة إلى:
- تغليب البعد الأنثروبولوجي على التحليل السياسي الكلي: قد يشعر قارئ يبحث عن سردية سياسية شاملة (كيف توزعت المناطق، وعلاقات القوى بين الفصائل، وأدوار القوى الإقليمية) أن الكتاب قد لا يلبي تطلعاته بالكامل. فهو يركز على التحولات الاجتماعية والاقتصادية والجندرية، وليس على السياسة العليا بالمعنى التقليدي.
- غياب فصول عن التحولات العسكرية والفصائلية بشكل مباشر: رغم أن القسم الثالث يناقش الحوكمة وأنماط التنظيم، إلا أن التطورات العسكرية وتشكل الفصائل المسلحة لم تحظَ بتحليل مستقل، وهو ما قد يهم الباحثين المهتمين بالبُعد العسكري للصراع.
- اللغة: توفره بالفرنسية والإنجليزية فقط قد يشكل عائقاً أمام القرّاء العرب، رغم أن جلسات مناقشة الكتاب عُقدت بالعربية أيضاً.
الخاتمة:
في النهاية، يأتي هذا الكتاب ليملأ فجوة معرفية حقيقية في الميدان السوري، فهو ليس تاريخاً للحرب بالمعنى التقليدي، ولا حتى تأريخاً سياسياً للثورة. بل هو كتاب عن الناس الذين عاشوا الحرب والثورة وعن تحولاتهم العميقة، وهو ضروري لكل باحث أو ناشط أو مهتم بفهم ما جرى لسورية خلال أربعة عشر عاماً.
ومع سقوط النظام، يواجه السوريون تحدياً أكبر يتمثل بـ إعادة بناء دولة ومجتمع من أنقاض عقود من الاستبداد. ولا يمكن لهذه المهمة أن تنجح من دون فهم جذري للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والجندرية التي حدثت أثناء الثورة والحرب. يقدم هذا الكتاب مساهمة مهمة في هذا الاتجاه، ويدعو إلى التفكير في "مستقبل سورية" انطلاقاً من قراءة دقيقة لحاضرها وماضيها القريب.
للباحثين عن إجابات عميقة حول "ماذا حدث فعلاً للسوريين؟" و"كيف تغيروا؟"، فإن هذا الكتاب يقدم خارطة طريق ضرورية في زمن يحتاج إلى وعي مستنير بتحولات المجتمع الذي صنع الثورة وعاش الحرب.
لكن يبقى عائق أساسي أمام الاستفادة الجماهيرية من هذا الجهد القيم، وهي (اللغة). فورود الكتاب بالإنجليزية والفرنسية فقط يحرم الغالبية العظمى من السوريين (ومنهم صناع القرار والمجتمع المدني) من الوصول المباشر إلى تحليلاته العميقة. لذلك، نخلص إلى التوصية بضرورة ترجمة هذا الكتاب إلى العربية في أقرب وقت، سواء من قبل الناشر نفسه، أو بمبادرة من مراكز دراسات أو جهات مانحة تهتم بنشر المعرفة حول الثورة والحرب السورية.