ضمن برنامج "درع تيار المستقبل السوري" والذي يهدف إلى تخليد الشخصيات التي نصرت الثورة السورية، نُسلّط الضوء اليوم على شخصية استثنائية جمعت بين الشجاعة الفكرية والنضال الميداني، وهي السيدة هنادي زحلوط، المهندسة الزراعية، والصحفية، والناشطة الحقوقية والنسوية المنحدرة من محافظة اللاذقية.
تمثّل هنادي زحلوط نموذجاً نادراً للمعارضة الصريحة من داخل المكوّن العلوي، في مواجهة نظامٍ طالما حاول احتكار هذا المكوّن وتوظيفه سياسياً.
وبذلك، فإن تجربتها لا تُعدّ مجرد سيرة شخصية، بل تُشكّل دليلاً عملياً على أن الثورة السورية كانت، في جوهرها، ثورة وطنية جامعة، لا صراعاً طائفياً كما روّج له النظام.
النشأة والبدايات:
وُلدت هنادي زحلوط عام 1982 في منطقة صنوبر – جبلة. درست الهندسة الزراعية، غير أن مسارها المهني لم ينفصل عن همّها الحقوقي، حيث بدأت مبكراً بالانخراط في الدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة قضايا المرأة والمعتقلين.
في تلك المرحلة، عملت تحت اسم مستعار "هيام" أو "هيام جميل"، نتيجة المخاطر الأمنية، وشاركت في أنشطة نقابية وحقوقية سرية. كما كانت عضواً في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير خلال عامي 2009 و2010، حيث ساهمت في توثيق الانتهاكات ونشر الوعي الحقوقي.
دورها في الثورة السورية:
مع انطلاق الثورة عام 2011، كانت هنادي زحلوط من أوائل المنخرطين في الحراك السلمي، حيث ساهمت في تنسيق المظاهرات، وانضمت إلى تنسيقيات الثورة (LCCs)، وعملت على نقل صورة الواقع السوري إلى الإعلام الدولي.
امتد نشاطها لاحقاً إلى العمل السياسي في الخارج، حيث انضمت إلى "حزب الشعب الديمقراطي لسوريا"، ضمن رؤية ديمقراطية مدنية ترفض الاستبداد بكافة أشكاله.
الاعتقال والتعذيب:
بسبب نشاطها العلني، تعرضت هنادي زحلوط لثلاثة اعتقالات على يد النظام السوري:
- الاعتقال الأول (4 آب 2011): اعتُقلت في جرمانا، وقضت أربعة أشهر بين فرع الأمن السياسي وسجن عدرا للنساء.
- الاعتقال الثاني (16 شباط 2012): خلال مداهمة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، وأُحيلت إلى المحكمة العسكرية قبل الإفراج عنها في أيار 2012.
- الاعتقال الثالث: تم في ظروف مشابهة لاحقاً.
خلال الاعتقال، تعرضت لتعذيب شديد أدى إلى كسر في العمود الفقري، وشاركت زنزانتها مع الناشطة طل الملوحي.
وتُعدّ أول امرأة من الطائفة العلوية تُعتقل وتُحاكم بشكل علني بسبب معارضتها، في سابقة كسرت السردية الطائفية التي حاول النظام ترسيخها.
الإنجازات والتقدير الدولي:
وثّقت هنادي زحلوط تجربتها في كتاب "إلى ابنتي" الصادر عام 2014، والذي يُعد شهادة إنسانية عن الثورة والسجن.
حصلت على عدة جوائز دولية، أبرزها:
- جائزة المدافع عن حقوق الإنسان من وزارة الخارجية الأمريكية عام 2013، والتي قدّمها نائب الوزير وليام بيرنز.
- جائزة "إيلاريا ألبي" الإيطالية تقديراً لعملها الصحفي والحقوقي.
- جائزة "سميرة الخليل" في دورتها الثالثة عام 2025 في برلين.
كما شاركت في حوارات دولية عبر منصات إعلامية مثل "فرانس 24″ و"VOA"، حيث دافعت عن الرواية الوطنية للثورة السورية.
نضالها المستمر:
استقرت هنادي زحلوط في جنوب فرنسا، لكنها واصلت نشاطها السياسي والثقافي، من خلال تدريب الصحفيين الشباب وربط الداخل السوري بالخارج إعلامياً وحقوقياً.
وفي آذار 2025، تعرّضت عائلتها لمأساة كبيرة بعد مقتل ثلاثة من أشقائها في أحداث دامية شهدتها منطقة الساحل.
ورغم ذلك، أكدت التزامها بمبدأ العدالة وسيادة القانون، ودعت إلى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين.
تكريم تيار المستقبل السوري:
انطلاقاً من إيمان تيار المستقبل السوري بقيم الحرية والكرامة، نُعلن تكريم هنادي زحلوط بمنحها "درع التيار" الرمزي، تقديراً لمسيرتها النضالية وتضحياتها.
هذا التكريم ليس مجرد تقدير فردي، بل هو تأكيد على أن الأصوات الحرة التي واجهت الاستبداد ستبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية.
خاتمة:
تمثّل هنادي زحلوط صورة سورية الحقيقية: سورية التعددية، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
وإن تكريمها هو رسالة واضحة بأن الثورة السورية كانت مشروعاً وطنياً جامعاً، وأن من دافعوا عن حقوق الإنسان سيبقون في صلب بناء المستقبل.