تابع تيار المستقبل السوري باهتمام كبير خبر إطلاق منصة “المنظمات التي تقودها النساء” (Women-Led Organizations Platform) في العاصمة دمشق، يوم الإثنين 13 نيسان 2026، خلال مؤتمر عُقد في فندق “قيصر بالاس”، بمشاركة ممثلين عن جهات حكومية ووكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية ومحلية.
هذا، وقد تأسست المنصة عام 2023 خارج سورية بمبادرة من عشر منظمات نسائية، قبل أن تنقل أعمالها إلى الداخل وتوسع عضويتها لتضم أكثر من 100 سيدة من مختلف المحافظات.
وتهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة السورية في المجالات القيادية والإنسانية، وتوفير مساحة لتبادل الخبرات ودعم التمكين الاقتصادي والاجتماعي، بما يتوافق مع استراتيجية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حماية المرأة من العنف القائم على النوع الاجتماعي وتمكينها.
يرى تيار المستقبل السوري في هذا الإطلاق أكثر من مجرد إعلان تنظيمي، بل يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، يمكن إيجازها في الآتي:
أولاً، الانتقال من الخارج إلى الداخل: فلقد دفعت سنوات الحرب جزءاً كبيراً من العمل النسائي المدني إلى التشكل خارج الجغرافيا السورية أو على هوامشها.
و انتقال هذه المنصة إلى دمشق يضع هذا الجهد في فضاء مختلف، قوامه الشراكة المباشرة مع المؤسسات الحكومية، والانخراط في مسارات التنسيق الأممي، وإعادة تعريف الخبرات التي راكمتها النساء السوريات في التهجير والاستجابة والنجاة على أنها رصيد قابل للتحول إلى تمثيل منظم داخل البلد نفسه.
ثانياً، من المشاركة الرمزية إلى الموقع الوظيفي: تكشف صياغة المنصة كأداة لتعزيز حضور النساء في العمل الإنساني والمجتمعي، وفي التخطيط والتنسيق وصنع القرار، تكشف انتقال النقاش من سؤال “المشاركة الرمزية” إلى سؤال “الموقع الوظيفي” داخل آليات إدارة الشأن العام، وهو انتقال يفسر أهمية الحدث أكثر مما يفسره طابعه الاحتفالي.
ثالثاً، الربط الاستراتيجي بالعدالة الانتقالية: أكد ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت حجار، أهمية المنصة في دعم مشاركة النساء في المواقع القيادية، ولا سيما في مسار العدالة الانتقالية.
ونرى أن هذا الربط يحمل دلالة استراتيجية بالغة الأهمية، فالنساء السوريات، وخاصة الناجيات من العنف، يحتجن إلى آليات عدالة تراعي خصوصية تجاربهن، وهو ما تم تأكيده في تقارير أممية حديثة.
يأتي هذا التطور ليعزز ما سبق أن دعا إليه تيار المستقبل السوري في أكثر من مناسبة، ويؤكد صحة الرؤى التي تبنيناها منذ البداية، حيث نستحضر في هذا السياق مانشرناه عبر موقعنا الرسمي:
- “تيار المستقبل السوري والمرأة” (نيسان 2024): أكدنا في هذه الورقة التأسيسية أن تيار المستقبل السوري يدعم مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية والدبلوماسية والتقدم للصفوف الأولى منها، ومشاركتها في صناعة واتخاذ القرارات المفصلية، وعدم إهمال أصواتها، وتمكين مشاركتها بفعالية في بناء الدولة المدنية والديمقراطية.
وشددنا على ضرورة مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير الدعم اللازم للمرأة التي تعاني من العنف الأسري أو الجنسي أو السياسي. - “اليوم العالمي للمرأة” (آذار 2026): جددنا التأكيد على أن المرأة شريكة كاملة في صنع قرارات الدولة المدنية الديمقراطية، قائدة في المجتمع، مبدعة في الاقتصاد، محمية من العنف والتمييز.
ودَعونا إلى ضمان تمثيل لا يقل عن 30% للنساء في جميع الهيئات الانتقالية والمؤسسات المستقبلية. - “نحو نموذج تكاملي شورقراطي” (نيسان 2026): طرحنا رؤيتنا لنموذج العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأكدنا على أهمية وجود مؤسسات وسيطة مستقلة (نقابات، اتحادات، منظمات مجتمع مدني) تعبر عن المصلحة العامة دون وصاية.
إن تيار المستقبل السوري، إذ يرحب بهذه الخطوة، يرى ضرورة طرح أسئلة واقعية حول مستقبل المنصة وقدرتها على تحقيق أهدافها:
أولاً، تحويل الخبرة إلى تأثير: حيث تمتلك النساء السوريات خبرات هائلة راكمتها سنوات الحرب والتهجير والنزوح، لكن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن تحويل هذه الخبرات من “رصيد إغاثي” إلى “تأثير سياسي وتشريعي” ملموس؟
ثانياً، تجاوز المركزية: تضم المنصة أكثر من 100 سيدة، لكن كيف يمكن ضمان عدم تحولها إلى “نخبة دمشقية” منفصلة عن هموم النساء في دير الزور أو الرقة أو إدلب؟
ثالثاً، الاستدامة والتمويل: تعاني منظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات التي تقودها النساء، من تراجع الدعم الدولي، في وقت تشتد فيه الحاجة إليه.
وقد أشار تقرير الأمم المتحدة الصادر في 15 نيسان 2026 إلى أن الندوة الإنسانية التي تنسقها الأمم المتحدة بقيمة 1.25 مليار دولار ممولة بنسبة 12.5% فقط، محذراً من أن الخطر ليس فقط الجمود، بل الانتكاس.
رابعاً، العلاقة مع آليات العدالة الانتقالية: كيف ستتطور المنصة من مجرد شبكة تنسيق مهنية إلى مصدر خبرة للتشريعات، وجبر الضرر، وإصلاح المواطنة؟
يوصي تيار المستقبل السوري انطلاقاً من رؤيتنا الثابتة، وتمسكنا بمبادئ الشراكة والتكامل بين الدولة والمجتمع، بما يلي:
- تحويل المنصة إلى نموذج عملي للشراكة: نرى في هذه المنصة فرصة حقيقية لتجسيد نموذج “الشراكة والتكامل” الذي ننشده، عبر إشراكها الفاعل في رسم السياسات والتشريعات ذات الصلة بالمرأة، وليس فقط في تنفيذ البرامج.
- ربط المنصة بمسار العدالة الانتقالية: ندعو إلى إشراك المنصة بشكل رسمي في آليات العدالة الانتقالية، لضمان أن تراعي هذه الآليات خصوصية تجارب النساء الناجيات من العنف، وأن تسهم في صياغة برامج جبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
- ضمان التمثيل العادل: نطالب بأن تعكس عضوية المنصة تنوع المحافظات السورية، مع آليات واضحة لضمان وصول أصوات النساء من المناطق النائية والمهمشة.
- دعم الاستدامة: ندعو المجتمع الدولي والمانحين إلى تخصيص تمويل مستدام وكافٍ للمنصة وللمنظمات النسائية عموماً، باعتبارها عموداً فقرياً للعدالة الانتقالية والاستقرار المجتمعي.
- الشفافية والمحاسبة: نؤكد على ضرورة أن تتبنى المنصة آليات شفافة في عملها، قابلة للمساءلة من قبل عضواتها ومن قبل المجتمع الذي تخدمه.
إن تيار المستقبل السوري يرى في إطلاق منصة “المنظمات التي تقودها النساء” خطوة استراتيجية بامتياز، تعكس تحولاً حقيقياً في العلاقة بين الدولة السورية الجديدة والمجتمع المدني النسائي، وانتقالاً من العمل الإغاثي إلى صنع القرار.
لكن النجاح ليس مضموناً، وستبقى المنصة مجرد هيكل تنظيمي ما لم تترجم وعودها إلى سياسات ملموسة، وما لم تنتقل من “الخطاب” إلى “الفعل”.
ونرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد العضوات أو حجم التغطية الإعلامية، بل في مدى قدرة هذه المنصة على تحويل خبرات الحرب إلى رأسمال سياسي يؤثر في التشريعات والسياسات، وبناء جسور حقيقية مع آليات العدالة الانتقالية، وتجاوز الفجوة بين دمشق والمحافظات.
يعلن تيار المستقبل السوري استعداده الكامل للمساهمة بكل طاقاته الفكرية والاستشارية في دعم هذه المنصة، انطلاقاً من إيماننا الراسخ بأنه لا مستقبل لسورية دون شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، ولا شراكة حقيقية دون تمكين كامل للمرأة السورية في مواقع صنع القرار.