تيار المستقبل السوري، انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في متابعة قضايا الشعب السوري المصيرية، وحرصاً منه على توثيق الحقائق وتقديم رؤية موضوعية تراعي ظروف المرحلة الانتقالية الدقيقة التي تمر بها البلاد، يُصدر هذا البيان حول ملف الأطفال المفقودين وأبناء المعتقلين والمغيّبين قسراً، مستنداً إلى التقارير الموثقة والحقائق المثبتة، وذلك في إطار التزامه بقيم الحقيقة والعدالة والبناء الوطني.
يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ ما أعلنته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، السيدة هند قبوات، يوم الجمعة 10 نيسان 2026، من نتائج عمل لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيّبين قسراً، والتي تضمنت الآتي:
- توثيق 314 حالة لأطفال من أبناء المعتقلين جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة للوزارة.
- إعادة 194 طفلاً إلى عائلاتهم بعد الكشف عن مصيرهم.
- متابعة 612 حالة لأطفال مُلحقين بعائلات أخرى وفق القوانين السورية، يجري التحقق من عدم وجود أطفال معتقلين ضمن هذه الحالات.
- الانتهاء من التحقيق في ملفات الأعوام 2011-2015، مع استمرار العمل لاستكمال بقية السنوات.
يثمن تيار المستقبل السوري هذه الجهود ويعتبرها خطوة أولى إيجابية في معالجة واحدة من أبشع جرائم النظام السابق، التي تمثلت في فصل الأطفال عن ذويهم تحت غطاء “الحماية”، وتغيير أنسابهم، وإخفاء هوياتهم الحقيقية، بهدف طمس أي أثر لوجودهم.
وقد أشارت اللجنة نفسها إلى أن أبرز التحديات التي واجهتها تمثلت في تغيير أنساب بعض الأطفال وتلف عدد من الملفات، إضافة إلى العشوائية في توثيق البيانات داخل دواوين النظام البائد.
ومع ذلك، يُلفت تيار المستقبل السوري الانتباه إلى أن عمل اللجنة يقتصر، وفق تصريحات الوزيرة قبوات، على ملفات الأطفال الذين جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة للوزارة، ولا يشمل مهام التحقيق أو البحث الجنائي.
وهذا يعني أن الملف الأوسع للأطفال المختطفين والمعتقلين الذين لم يُودعوا في دور الرعاية النظامية لا يزال بحاجة إلى آليات تحقيق مستقلة وأكثر شمولاً.
يستند تيار المستقبل السوري في رؤيته حول هذا الملف إلى جملة من التقارير الموثقة الصادرة عن جهات وطنية ودولية متخصصة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) الصادر في 24 آذار 2026 حول “العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد”، الذي أوصى بإنشاء لجنة مستقلة للأشخاص المفقودين بهيكل إداري مستقل، وآليات لجمع الشهادات وتقديم الشكاوى والدعم القانوني والنفسي.
- تقرير اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) الصادر في 20 أيار 2025، والذي رحب بإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية لشؤون المفقودين بموجب مرسوم رئاسي بتاريخ 17 أيار 2025، مشيراً إلى أن تقديرات عدد المفقودين في سورية تصل إلى 200 ألف شخص، وهو رقم يشمل المفقودين نتيجة الإعدامات بإجراءات موجزة والاحتجاز التعسفي والخطف والاختطاف.
- تقرير هيئة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة (UN Commission of Inquiry) الصادر في 13 آذار 2026، والذي أشاد بالانتقال السياسي الواسع الذي بدأته سورية بما في ذلك إنشاء الهيئتين الوطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، والتحقيقات الوطنية في عمليات القتل الجماعي التي شهدتها المناطق الساحلية والوسطى والجنوبية في آذار وتموز 2025.
- تصريحات السيدة كارلا كينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سورية (IIMP)، في تشرين الأول 2025، والتي أكدت أن البحث عن المفقودين هو “مسعى جماعي” لا يمكن لأي جهة أن تقوم به بمفردها، وأشارت إلى أن المؤسسة تفتح عدة مسارات تحقيق للبحث عن المفقودين على يد النظام البائد وكذلك عن الأطفال المفقودين.
كما أكدت في الرابع من تشرين الثاني 2025 أن لديها معلومات موثوقة تشير إلى أن بعض الأطفال المفقودين قد يكونون لا يزالون على قيد الحياة.
يدرك تيار المستقبل السوري أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية، والتي بدأت بسقوط نظام المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، تمر بظروف دقيقة ومعقدة.
فقد تم تشكيل لجنة صياغة الإعلان الدستوري في 2 آذار 2025، كما تم إنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية لشؤون المفقودين في 17 أيار 2025.
وفي 22 شباط 2026، تم الإعلان عن تشكيل فريق عمل مشترك بين اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والأمم المتحدة لدعم مسار العدالة الانتقالية.
ورغم هذه الخطوات الإيجابية، لا يزال هناك تحديات كبيرة تواجه مسار العدالة الانتقالية، أبرزها:
- ضعف آليات التدقيق والتحقق من المعلومات، كما أشارت إليه لجنة الأطفال المفقودين نفسها.
- محدودية صلاحيات اللجان الوطنية مقارنة بحجم الجرائم المرتكبة.
- الحاجة إلى بناء قدرات مؤسسية وتشريعية متخصصة لمعالجة ملف المفقودين.
- غياب إطار قانوني شامل لحماية حقوق الضحايا وعائلاتهم.
يؤكد تيار المستقبل السوري على أن معالجة ملف الأطفال المفقودين وأبناء المعتقلين لا يمكن أن تتم بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية وسياسية واجتماعية.
وفي هذا السياق، نقدم رؤيتنا القائمة على المحاور التالية:
- توسيع ولاية اللجنة: ضرورة توسيع صلاحيات لجنة الكشف عن مصير الأطفال المفقودين لتشمل الجوانب الجنائية، بالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية، بما يضمن محاسبة المسؤولين عن جرائم اختطاف الأطفال وإخفائهم.
- إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة: العمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية آمنة وموحدة لتوثيق حالات المفقودين، بما في ذلك البصمات الوراثية (DNA)، مع اعتماد معايير دولية في حفظ البيانات وحماية الخصوصية.
- التعاون الدولي: تعزيز التعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين التابعة للأمم المتحدة (IIMP) واللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) للاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات الأرشفة والتحقق الجنائي وتحديد هويات المفقودين.
- دعم عائلات الضحايا: وضع برامج دعم نفسي واجتماعي واقتصادي لعائلات المفقودين، أسوة بالتجارب الدولية الناجحة في هذا المجال.
- إصدار تشريع خاص: العمل على إصدار قانون خاص بالمفقودين والمخفيين قسراً، يضمن حق العائلات في معرفة الحقيقة والحصول على التعويضات المناسبة.
- إشراك المجتمع المدني: ضمان مشاركة فعالة لممثلي المجتمع المدني وعائلات المفقودين في آليات البحث والتحقيق، بما يضمن الشفافية ويعزز الثقة المجتمعية في هذه الآليات.
يجدد تيار المستقبل السوري دعوته إلى جميع الأطراف الوطنية والدولية إلى التعاون الجاد والفاعل من أجل كشف مصير جميع المفقودين، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم البشعة، وردع أي محاولة للتطبيع مع إرث النظام البائد من انتهاكات وانتهاكات لحقوق الإنسان.
كما يُشيد تيار المستقبل السوري بصمود عائلات المفقودين الذين ظلوا طوال السنوات الماضية يبحثون عن أحبائهم، ويدفعون قُدُماً نحو الحقيقة والعدالة، ويؤكد أن هذه العائلات تمثل الضمير الحي للشعب السوري، وأن حقوقهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.
يعلن تيار المستقبل السوري استعداده التام لتقديم الدعم الفكري والاستشاري لأي جهود جادة تسير في هذا الاتجاه، ويدعو جميع القوى السياسية والمدنية السورية إلى تجاوز الخلافات الحالية والعمل على بناء إجماع وطني حول المبادئ الأساسية للعدالة الانتقالية، بما يضمن مستقبلاً مستقراً وعادلاً لسورية وشعبها.