يبرز كتاب "سورية: تاريخ حديث" (Syria: A Modern History) للأكاديمي الأمريكي ديفيد دبليو. ليتش (Polity Press، طبعة ثانية 2019 مع تحديثات تصل إلى 2023) كمرجع استراتيجي لفهم جذور الأزمة وآفاق الحلول في سورية.
يمتد الكتاب على نحو 200 صفحة، لكنه يقدم تحليلاً عميقاً لقرن كامل من التاريخ السوري (1918-2018+)، مما يجعله أداة فكرية قيمة لصانعي السياسات والنشطاء السوريين في مرحلة الإعمار والعدالة الانتقالية.
المنهجية والإطار النظري:
يتبنى ليتش منهجاً تاريخياً تحليلياً يجمع بين السرد الزمني والتفكيك الهيكلي، مستنداً إلى مصادر أولية متنوعة تشمل وثائق الخارجية البريطانية والفرنسية، ومقابلات مع ناشطين سوريين، إضافة لتقارير الأمم المتحدة، وأرشيفات البعث.
يتجنب هذا النهج التبسيط الإيديولوجي، مفضلاً نموذج الهوية المجزأة (Fragmented Identity) كمحور تفسيري، حيث يُظهر كيف أنتجت معاهدة سايكس-بيكو (1916) والانتداب الفرنسي (1920-1946) دولة-أمة اصطناعية جمعت مكونات عرقية وطائفية متباينة (عرب، أكراد، علويون، دروز، مسيحيون) دون أساس توافقي حقيقي.
هذا،
ويعكس الفهرس الرئيسي هذا التنظيم الدقيق:
- What is Syria? (ما هي سورية؟ – جغرافيا، ديموغرافيا، هوية).
- World War I and the French Mandate (الحرب العالمية الأولى والانتداب).
- Syria amid the Cold Wars (سورية في الحرب الباردة والصراعات الإقليمية).
- The 1967 Arab–Israeli War (حرب 1967 وتداعياتها).
- Syria under Hafiz al-Assad (عهد حافظ الأسد: البعثية الاستبدادية).
- Bashar al-Assad in Power (بشار الأسد: الإصلاحات الوهمية).
- The Syrian Uprising and Civil War (الثورة والحرب: من الاحتجاج إلى الانهيار).
- Further Reading: قائمة بـ100+ مرجع، من فان دام إلى سبنسر.
التحليل الفصلي.. جذور الانهيار ودروس الانتقال:
في الفصل الأول، يُعرّف "سورية" ككيان جيوسياسي هش، مشدداً كيف أدى الانتداب الفرنسي إلى تقسيم الدولة إلى ولايات طائفية (دولة علوية، جبل الدروز)، مما زرع بذور الطائفية كأداة سياسية. ويقارن ليتش بين سورية ولبنان، موضحاً كيف نجحت الأخيرة جزئياً في الصيغة الطائفية بفضل التوازنات الديمقراطية.
في الفصلين الثالث والرابع، يحلل دور الحرب الباردة، حيث تحولت سورية إلى ساحة للصراع السوفييتي-الأمريكي، مع انقلابات 1963 كنتيجة لـ البعث العلماني الراديكالي، كما يُبرز هزيمة 1967 كـ"صدمة مؤسسة" أدت إلى صعود حافظ الأسد عبر التصحيح (1970).
ولقد كان الفصل الخامس مخصصاً لعهد حافظ (1970-2000)، الذي يُصفه ليتش بـ"الاستبداد التنموي"، حيث حقق نمواً اقتصادياً (8% سنوياً في السبعينيات) مقابل قمع سياسي شامل (هجوم حماة 1982 كمثال).
ويستشهد بإحصاءات البنك الدولي ليُظهر كيف أدى الفساد إلى انهيار الطبقة الوسطى.
ويركز الفصل السادس على بشار (2000-2011)، الذي وعد بـ"دمشق الربيع" لكنه سرعان ما عاد إلى الحكم الشمولي الوراثي، مع تحليل الكتاب لدور الجفاف (2006-2010) كمحفز اقتصادي للثورة.
أما الفصل السابع – الأبرز – فيُقسم الثورة إلى مراحل: احتجاجات سلمية (2011)، عسكرة (2012)، وحرب بالوكالة (2013+)، مع دور إيران وروسيا كـ"منقذي النظام".
القوة التحليلية والمساهمات الرئيسية:
يتميز الكتاب بـ التوازن الاستثنائي، فلا يُفرط في تعاطف مع الثوار ولا يُبرر الاستبداد. ويُقدم نموذجاً انتقالياً يربط بين العدالة التصالحية (South Africa model) والمحاسبة، مشدداً على ضرورة مفاتيح الثقة (Truth Commissions) لإعادة بناء الهوية الوطنية. فيقول بترجمة فيها تصرف: "سورية ليست دولة فاشلة، بل هي هوية مجزأة تحتاج إلى إعادة صياغة ديمقراطية".
ومن نقاط القوة بالكتاب:
- الإيجاز التحليلي، فهو 200 صفحة تغطي قرنًا بكثافة عالية.
- الموضوعية، حيث ينتقد الجميع (النظام، المعارضة، الدول الإقليمية).
- الصلة الدولية، وذلك حين يربط الثورة بالربيع العربي والحرب الباردة الجديدة.
وأما محدوديات الكتاب فتتجلى بأن الكتاب: - يتوقف عند 2018، مفتقراً لتغطية سقوط النظام (2024).
- تركيز غربي يقلل من الروايات السورية المحلية (مثل شهادات الفواعل السورية).
الصلة بالمرحلة السورية الحالية:
يؤكد ليتش أن النزوح نتيجة هيكلية (الطائفية الاستعمارية + الفساد)، مما يدعم حملة الحكومة الجديدة بجعل "سورية بلا خيمة". كما يُشير إلى الإعمار كأولوية سياسية، مُقترحاً لجاناً مشتركة – كالتي ندعو إليها بتيار المستقبل السوري– لمراقبة التنفيذ.
وبالمقارنة مع دراسات أخرى (مثل Nikolaos van Dam’s "Destroying a Nation")، يفوق ليتش في التركيز على الهوية المستقبلية، مما يجعله رؤيوي في صياغة دستور 2025. وعليه فإننا نوصي بتيار المستقبل السوري بترجمته العربية ليكون مرجعاً وطنياً.
الخلاصة:
"سورية: تاريخ حديث" عمل أكاديمي نموذجي يُساهم في إعادة صياغة السرد السوري عالمياً، نرى أنه يستحق تسليط الضوء عليه ونؤكد على ما يأتي:
- نشره مترجما للعربية.
- استكماله بأعمال جديدة وتحديث فكرته لـ يغطي 2025-2026.