تحويل عودة اللاجئين إلى قوة إنتاجية

الملخص التنفيذي:

تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو أربعة ملايين سوري عادوا إلى مناطقهم منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، بينهم قرابة مليوني شخص من دول الجوار ومليونان من النازحين داخلياً .

وتتوقع مفوضية اللاجئين عودة مليون إضافي خلال عام 2026، ليتجاوز العدد الإجمالي الأربعة ملايين خلال عامين .
واستجابةً لهذه العودة، وسّعت منظمة العمل الدولية برامجها في سورية، وأبرزها برنامج ابدأ وحسّن مشروعك (SIYB)، الذي يستهدف الوصول إلى ثلاثة آلاف رائد أعمال وأصحاب مشاريع طموحين، مع التركيز على العائدين والنازحين والمجتمعات المضيفة .

غير أن هذه العودة، رغم كونها مؤشراً إيجابياً على استعادة الاستقرار، تطرح تحدياً هيكلياً هائلاً، فسوق العمل السوري غير قادر على استيعاب هذه الأعداد، حيث تبلغ البطالة بين العائدين نحو 30%، ولا تتجاوز نسبة العاملين في القطاع الرسمي 6-7% .
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 76% من العائدين يعتبرون انعدام سبل العيش العائق الأكبر أمام عودتهم .

تخلص هذه الورقة إلى أن الاستراتيجية الوطنية للتعافي يجب أن تنتقل من إدارة العودة إلى إدارة الإنتاج، عبر دمج برامج دعم ريادة الأعمال في سياسة اقتصادية شاملة، تستهدف تحويل العائدين من عبء على سوق العمل إلى محرك للتنمية.

أولاً، حجم التحدي:

فجوة سوق العمل:
تكشف البيانات الأممية عن بنية مقلقة لسوق العمل السوري.
فوفقاً لدراسة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2026، فإن نحو 30% من الأشخاص في سن العمل عاطلون عن العمل، ولا تتجاوز نسبة من يعملون في القطاع الرسمي 6-7% .
ويعمل 21% من العائدين من اللجوء و23% من النازحين داخلياً في القطاع غير الرسمي، بينما يعتمد 14% و13% على العمل اليومي أو الموسمي . وتواجه النساء بطالة أعلى (33%) مقارنة بالرجال (28%)، بينما تصل البطالة بين العائدين من اللجوء إلى 36% .

فجوة المهارات:
لا تقتصر المشكلة على نقص الوظائف، بل تمتد إلى فجوة مهارات حادة.
فقد كشف وزير الاقتصاد السوري نفسه أن نحو 2.7 مليون شاب في سورية لا يجيدون القراءة والكتابة أو أداء أي عمل، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من العائدين، رغم امتلاكهم شهادات وخبرات من دول اللجوء، يجدون أنفسهم في سوق عمل لا يعترف بمهاراتهم أو لا يوفر البنية التحتية اللازمة لتوظيفها .

فجوة التمويل:
تواجه المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي يفترض أن تكون محرك استيعاب العائدين، أزمة سيولة حادة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نقص التمويل يعيق استثمارات صغار المزارعين وأصحاب المشاريع، وأن القطاع غير الرسمي يهيمن على النشاط الاقتصادي، مما يحرم الدولة من الإيرادات الضريبية ويحرم العاملين من الحماية الاجتماعية .

ثانياً، قراءة في برنامج ابدأ وحسّن مشروعك:

ما يقدمه البرنامج:
يعد برنامج ابدأ وحسّن مشروعك (SIYB) أحد أبرز أدوات منظمة العمل الدولية في سورية.
وهو يهدف إلى مساعدة أصحاب المشاريع الحاليين والراغبين في تأسيس أعمال جديدة على تطوير المهارات اللازمة لإنشاء مشاريع مستدامة وإدارتها وتوسيعها.
ويستهدف البرنامج ثلاثة آلاف شخص من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الطموحين في مختلف أنحاء سورية، مع التركيز على العائدين والنازحين والمجتمعات المضيفة والفئات الأكثر هشاشة.
ولا يقتصر الدعم على التدريب، بل يشمل مساعدة المشاركين على تحديد فرص الأعمال، وتطوير خططهم التجارية، وتحسين جاهزيتهم المالية، وربطهم بمصادر التمويل .
ويقسم البرنامج إلى حزمتين متكاملتين: الأولى توليد فكرة المشروع (GYB)، والثانية البدء الفعلي بالمشروع (SYB)، ويستهدف شريحة واسعة تشمل رواد الأعمال الطامحين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والخريجين الباحثين عن عمل حر.

القيود البنيوية:
رغم أهمية البرنامج، فإنه يواجه قيوداً بنيوية تحول دون تحقيق أثره الكامل. أبرز هذه القيود أن ثلاثة آلاف مستفيد يمثلون نسبة ضئيلة جداً من أربعة ملايين عائد، أي أقل من 0.1%. كما أن البرنامج يعمل في بيئة اقتصادية هشة، حيث لا تتوفر البنية التحتية المالية (نظام مصرفي قادر على تقديم الائتمان، وضمانات للمشاريع الناشئة)، ولا البيئة التنظيمية (تسجيل المشاريع، والحماية القانونية، والوصول إلى الأسواق) التي تسمح لهذه المشاريع بالنمو والاستمرار.

ثالثاً، لماذا لا يكفي دعم رواد الأعمال وحده؟

مفارقة العائدين:
تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 76% من العائدين يعتبرون انعدام سبل العيش العائق الأكبر . وهذا يعني أن العائدين ليسوا فقط بحاجة إلى تدريب على ريادة الأعمال، بل بحاجة إلى فرص عمل فورية، وإلى بيئة اقتصادية تسمح لهذه الفرص بالاستمرار. والتركيز على ريادة الأعمال وحدها، دون معالجة القطاعات الإنتاجية الكبرى (الزراعة، والبناء، والصناعة)، قد يحول البرنامج إلى جزيرة معزولة لا تحدث أثراً هيكلياً.

القطاعات الأكثر قدرة على الاستيعاب:
تكشف تقارير الأمم المتحدة أن القطاع الزراعي، الذي يساهم بنحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي,لا يزال أكبر مشغل في سوريا، وأنه يمتلك قدرة كبيرة على توليد فرص عمل سريعة في حال دعمه بإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الوصول إلى المدخلات والتكنولوجيا . كما أن قطاع البناء يشهد نمواً ملحوظاً مدفوعاً باحتياجات إعادة الإعمار . وهذه القطاعات، لا ريادة الأعمال التقنية وحدها، هي التي يمكن أن تستوعب الأعداد الكبيرة من العائدين في المدى القصير والمتوسط.

الحاجة إلى تكامل مؤسسي:
لا يمكن لبرنامج واحد، مهما كان جيد التصميم، أن يعالج أزمة تشغيل هيكلية بهذا الحجم. والمطلوب تكامل بين وزارة العمل، ووزارة الاقتصاد، والمصرف المركزي، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص، لضمان أن دعم ريادة الأعمال يكون جزءاً من استراتيجية أوسع للتنمية الاقتصادية، لا برنامجاً معزولاً.

رابعاً، توصيات لصانع القرار:

انطلاقاً من هذا التحليل، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: ربط برامج دعم ريادة الأعمال بالقطاعات الإنتاجية. يجب أن يكون برنامج ابدأ وحسّن مشروعك وغيره من البرامج موجهاً نحو القطاعات التي تمتلك قدرة استيعابية كبيرة، مثل الزراعة والبناء والصناعات الغذائية، لا أن يقتصر على المشاريع الخدمية والتقنية التي تستوعب أعداداً محدودة.

ثانياً: إطلاق صندوق وطني لتمويل المشاريع الصغيرة. لا يمكن لبرامج التدريب وحدها أن تحل مشكلة التمويل. والمطلوب صندوق وطني، بالشراكة بين الحكومة والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، يقدم قروضاً ميسرة وضمانات للمشاريع الناشئة، مع آليات رقابة شفافة.

ثالثاً: تسريع الإصلاحات التنظيمية. يجب تبسيط إجراءات تسجيل المشاريع، وتقليل البيروقراطية، وتوفير حماية قانونية للمستثمرين الصغار، وإدخال أنظمة رقمية للتسجيل والترخيص، لتمكين رواد الأعمال من البدء بسرعة وبتكلفة منخفضة.

رابعاً: بناء نظام معلومات لسوق العمل. لا يمكن تصميم سياسات فعالة دون بيانات دقيقة ومحدثة عن العائدين ومهاراتهم واحتياجاتهم. والمطلوب نظام وطني لرصد سوق العمل,يتضمن قاعدة بيانات للعائدين، ومسحاً دورياً للفرص المتاحة، وتحليلاً للفجوات المهارية.

خامساً: تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص. لا يمكن للحكومة وحدها أن توفر فرص العمل. والمطلوب حوافز ضريبية للشركات التي توظف العائدين، وبرامج تدريب مشترك بين القطاعين العام والخاص، وشراكات مع الشركات الكبرى لإنشاء سلاسل توريد تستوعب المشاريع الصغيرة.

خاتمة:

إن عودة أربعة ملايين سوري إلى ديارهم ليست مجرد حدث ديموغرافي، بل هي فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس إنتاجية. لكن هذه الفرصة مشروطة بقدرة الدولة على تحويل هذه الطاقات إلى قوة عمل منتجة، لا إلى عبء على سوق عمل منهك. وبرنامج ابدأ وحسّن مشروعك، رغم أهميته، لا يمكن أن يحقق هذا التحول وحده. والمطلوب استراتيجية وطنية متكاملة، تجمع بين دعم ريادة الأعمال، وتنمية القطاعات الإنتاجية، وإصلاح البيئة التنظيمية، وبناء أنظمة معلومات دقيقة. فالأربعة ملايين عائد ليسوا مشكلة يجب إدارتها، بل أصل يجب استثماره.

المراجع:

  1. تلفزيون سوريا. (2026، 3 تشرين الثاني). العمل الدولية: 4 ملايين عائد إلى سوريا وبرامج لدعم 3 آلاف رائد أعمال. https://www.syria.tv
  2. كل يوم. (2026، 3 تشرين الثاني). منظمة العمل الدولية تطلق مشروعاً لدعم السوريين العائدين لديارهم. https://www.klyoum.com
  3. تيار المستقبل السوري. (2026، 1 أيار). الكوادر السورية بين التهميش وإعادة التفعيل. https://sfuturem.org
  4. EUAA. (2026). Syria Country Focus: Employment. https://www.euaa.europa.eu/syria-country-focus/42-employment
  5. 963media. (2026، 17 آذار). تقرير أممي: تحولات تعيد تشكيل سوق العمل في سوريا. https://963media.com
  6. غرفة صناعة دمشق وريفها. (2026، 3 أيار). انطلاق المرحلة الأولى من برنامج ابدأ وحسّن مشروعك. https://dci-syria.org

شاركها على:

اقرأ أيضا

تعويض آلاف المزارعين المتضررين

قرار تعويض آلاف المزارعين المتضررين من الكوارث الطبيعية في سورية بمبالغ تصل إلى 211 مليون ليرة جديدة.

4 نوفمبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للتوعية بإدارة الضغوط النفسية

اليوم العالمي للتوعية بإدارة الضغوط النفسية يهدف إلى تعزيز الصحة النفسية خلال الأوقات العصيبة في سورية.

4 نوفمبر 2026

•

إدارة الموقع