تعويض آلاف المزارعين المتضررين

يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ قرار مجلس إدارة صندوق التخفيف من آثار الكوارث الطبيعية على الإنتاج الزراعي، الصادر يوم الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والقاضي بتعويض 8289 مزارعاً في سبع محافظات سورية (درعا، دير الزور، الرقة، حمص، حماة، حلب، طرطوس)، بمبلغ إجمالي يقارب 211 مليون ليرة جديدة، بعد تضرر نحو 195 ألف دونم من محاصيل البقوليات والخضار والقمح والشعير وأشجار اللوزيات والتبغ، جراء تساقط البرد والصقيع الربيعي وارتفاع منسوب نهر الفرات خلال أشهر آذار ونيسان وأيار.

يعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا القرار، رغم أهميته، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الكامل، فهو يأتي بعد قرار سابق في 24 آب/أغسطس 2026 شمل تعويض 1741 مزارعاً في محافظات إدلب وحلب والقنيطرة وطرطوس بمبلغ 112 مليون ليرة.
وبذلك يكون إجمالي من شملتهم قرارات التعويض خلال آب والاجتماع الأخير نحو 10,030 مزارعاً في ثماني محافظات، بمبالغ تقارب 323 مليون ليرة.

ويُسجل تيار المستقبل السوري أن هذا الرقم، رغم دلالته الإيجابية، يبقى محدوداً جداً مقارنة بحجم الكارثة الفعلية، فالفيضانات وحدها طالت أكثر من ثلث الأراضي السورية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وتضرر منها مزارعون في الرقة ودير الزور والحسكة وحلب وحماة وحمص واللاذقية.

يُسجل تيار المستقبل السوري أن حجم الأضرار الموثق يتجاوز بكثير ما غطته قرارات التعويض، فوفقاً لتقييم سريع أجرته منظمة "أوكسفام" بين 31 أيار/مايو و3 حزيران/يونيو 2026، بعد فيضان نهر الفرات في أيار/مايو، تضرر نحو 20,500 دونم في ريف دير الزور الغربي، وفقد 85% من المزارعين دخلهم الزراعي كلياً أو جزئياً، وخرجت 85% من أنظمة الري (الفردية والجماعية) عن الخدمة بالكامل، وباع 43% من الأسر مواشيها أو أصولها الإنتاجية، بينما يخطط 25% آخرون للاقتراض من أجل استئناف الزراعة.

ويُجري تيار المستقبل السوري حساباً بسيطاً يكشف حقيقة الأرقام:

المبلغ الإجمالي المخصص في القرار الأخير (211 مليون ليرة) مقسوماً على عدد المزارعين (8289 مزارعاً) يعني أن متوسط ما يحصل عليه المزارع الواحد لا يتجاوز 25,500 ليرة جديدة.

وفي القرار السابق (112 مليون ليرة لـ1741 مزارعاً)، بلغ المتوسط نحو 64,330 ليرة.

وإذا وُزّع إجمالي المبلغين (323 مليون ليرة) على إجمالي المستفيدين (10,030 مزارعاً)، فإن متوسط التعويض العام لا يتجاوز 32,200 ليرة للمزارع الواحد، وهو مبلغ لا يكفي لشراء بذار موسم واحد، فضلاً عن تعويض خسارة موسم كامل.

ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه الأرقام، رغم قيمتها الرمزية، لا تُمثل سوى جزء ضئيل من الخسائر الفعلية، وأن مقارنتها بتكاليف الإنتاج الفعلية (بذار، أسمدة، مازوت، ريّ، أجور عمالة) تُظهر أن التعويضات أقرب إلى "التخفيف الرمزي" منها إلى "التعويض العادل".

ونتسائل: كيف يمكن لمبلغ كهذا أن يعيد مزارعاً إلى أرضه، أو يمنع آخر من بيع مواشيه، أو يمنع ثالثاً من الهجرة إلى المدينة؟

يُذكّر تيار المستقبل السوري بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي طالما نادى فيها بضرورة تعويض المزارعين المتضررين بشكل عادل وسريع.

ففي بيانه بعنوان "قرار إيقاف ري الموسم الصيفي في سهل الروج"، بتاريخ 26 آذار/مارس 2026، طالب تيار المستقبل السوري بـ"إطلاق برنامج تعويضي واضح للمزارعين المتضررين لتجنب الهجرة الريفية الجديدة وارتفاع أسعار الغذاء".

وفي بيانه بعنوان "الخطة الاستباقية لحماية الموسم الزراعي"، بتاريخ 11 آب/أغسطس 2026، شدد على أن "الاستثمار في الاستجابة الاستباقية يحقق وفورات قد تصل إلى سبعة دولارات"، وأن تحويل الإجراءات إلى سياسات مستدامة هو الضمانة الحقيقية لعدم تكرار الأزمات.

ويُسجل تيار المستقبل السوري أن قرار التعويض الأخير جاء متأخراً أشهراً عن وقوع الأضرار في آذار ونيسان وأيار، وأن التأخير في صرف المستحقات يزيد من معاناة المزارعين، ويُعرضهم لمزيد من الخسائر، ويدفع بعضهم إلى بيع أصولهم الإنتاجية أو الاقتراض، كما أظهر تقييم "أوكسفام".

ويُطالب تيار المستقبل السوري بنشر جداول اسمية بأسماء المستفيدين وقيم تعويضاتهم، وإعلان آلية واضحة للطعن، وضمان صرف المستحقات عبر المصرف الزراعي في أقرب وقت ممكن، دون بيروقراطية تُبدد ما تبقى من ثقة المزارعين بالدولة.

انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: ربط التعويضات ببرنامج وطني للحد من مخاطر الكوارث، عبر الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتأهيل شبكات الري والصرف، وبناء سدود ومفيضات (كما أوصى اجتماع الصندوق نفسه بإنشاء سد ومجرى مفيض في منطقة السيحة بحلب)، لأن التعويض دون وقاية يعني تكرار الكارثة كل عام.

ثانياً: رفع قيمة التعويضات لتتناسب مع تكاليف الإنتاج الفعلية، عبر مراجعة معايير الاحتساب الحالية، واعتماد مؤشرات دقيقة تُحدد قيمة الخسارة بحسب نوع المحصول ومساحة الأرض ومرحلة النمو، بدلاً من المبالغ الجزافية التي لا تعكس الواقع، وضمان أن يغطي التعويض على الأقل تكاليف إعادة الإنتاج لموسم واحد.

ثالثاً: تعزيز شفافية صندوق التخفيف من آثار الكوارث، عبر نشر تقارير دورية عن موارده المالية، ومعايير توزيع التعويضات، وأسماء المستفيدين، وإخضاع قراراته لرقابة مستقلة، لضمان عدم تحويله إلى أداة محاباة أو زبائنية.

رابعاً: إطلاق برنامج تعويضي شامل للفيضانات الأخيرة التي ضربت الرقة ودير الزور والحسكة وحلب وحماة وحمص واللاذقية في تشرين الأول/أكتوبر، أسوةً بما طالب به تيار المستقبل السوري في بياناته السابقة، لأن الاقتصار على تعويض أضرار الربيع دون أضرار الخريف يُكرّس شعوراً بعدم العدالة لدى آلاف المزارعين الذين لم تُشملهم قرارات التعويض بعد.

خامساً: إشراك المزارعين ومنظماتهم في تصميم برامج التعويض والوقاية، وضمان أن تكون هذه البرامج مبنية على احتياجاتهم الفعلية، لا على تقديرات إدارية بعيدة عن الواقع، لأن نجاح أي سياسة زراعية يتوقف على شراكة حقيقية مع من يزرعون الأرض ويحرسون الأمن الغذائي.

يُثمن تيار المستقبل السوري قرار تعويض آلاف المزارعين، ويرى فيه اعترافاً رسمياً بمسؤولية الدولة تجاه من تضرروا من كوارث طبيعية لم يكن لهم ذنب فيها.

غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن التعويض، مهما كان ضرورياً، لا يُغني عن سياسة زراعية متكاملة تحمي المزارع قبل الكارثة، وتُعوضه بعدها بسرعة وعدالة، وتمنحه الأمل في أن يبقى في أرضه، لا أن يُدفع إلى الهجرة أو التخلي عن الزراعة.

ويُؤكد تيار المستقبل السوري أن الأمن الغذائي الوطني يبدأ من احترام المزارع، ومن الوفاء بحقوقه، ومن الاعتراف بأن من يحمل لقمة الخبز للجميع، جدير بأن تُحفظ كرامته قبل أي اعتبار آخر.

وبدوره سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز صمود المزارعين وشفافية التعويضات، ناقداً لكل تأخير أو تقصير، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي لا يُترك فيها مزارع وحيداً في مواجهة الكوارث.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم العالمي للتوعية بإدارة الضغوط النفسية

اليوم العالمي للتوعية بإدارة الضغوط النفسية يهدف إلى تعزيز الصحة النفسية خلال الأوقات العصيبة في سورية.

4 نوفمبر 2026

•

إدارة الموقع

قراءة في توجهات القوى السياسية حول مشروع قانون الأحزاب في سورية

تحليل توجهات 21 تنظيماً سياسياً بشأن مشروع قانون الأحزاب في سورية بعد انهيار النظام الاستبدادي.

3 نوفمبر 2026

•

علي البردقاني