أطل المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية والعراق، توماس باراك، في مقابلة مع شبكة CNN، بتصريحات بدت وكأنها خارجة من سياق دبلوماسي معتاد.
فبدلاً من اللغة التي اعتادها السوريون من المسؤولين الدوليين، والتي تمتلئ بالوعود والآفاق الواعدة، قال باراك بصراحة نادرة إن جذب الاستثمارات الأجنبية إلى سورية يمثل تحدياً كبيراً، وإن إعادة بناء الاقتصاد السوري تحتاج إلى وقت طويل، وإن العوائد المالية في قطاعي النفط والطاقة قد لا تتحقق قبل مرور ما بين عشر وعشر سنوات، وإن استقطاب الشركات الدولية مهمة صعبة في ظل ضعف النظام المصرفي واستمرار بعض القيود الاقتصادية وغياب الضمانات الأمنية الكافية.
هذه التصريحات، التي جاءت في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمثابة اعتراف من مهندس السياسة الأميركية في سورية بأن المسافة بين ما يُعلن وما يمكن تحقيقه لا تزال واسعة.
وهي تطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يستمر الخطاب الرسمي، السوري والدولي، في الترويج لصورة تفاؤلية لا تتطابق مع الوقائع، بينما يعترف المسؤولون أنفسهم في لحظات الصدق بأن الطريق طويل وشاق؟
هذا المقال يحاول قراءة هذه المفارقة. وهو لا يهدف إلى التشاؤم، بل إلى الدعوة إلى واقعية قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية لبناء استراتيجية حقيقية للتعافي.
أولاً، ما قاله باراك بالضبط:
تكشف تصريحات باراك عن تشخيص دقيق للعوائق التي تواجه الاستثمار في سورية.
فهو يشير إلى ضعف النظام المصرفي، وتداعيات العقوبات، وتدهور الإنتاج الاقتصادي، وصعوبات أمنية وسياسية تؤثر في قدرة البلاد على استقطاب المستثمرين.
ويضيف أن الاستثمارات المطلوبة في قطاعي النفط والطاقة تُقدّر بمليارات الدولارات، لكنها قد لا تحقق عوائد مالية قبل مرور عشر إلى خمس عشرة سنة، نظراً لغياب الضمانات الأمنية الكافية واستمرار بعض القيود الاقتصادية.
والأهم من ذلك، أن باراك عقد مقارنة صريحة بين سورية والعراق.
فبينما يمتلك العراق قاعدة إيرادات نفطية ضخمة تتيح له جذب الاستثمارات، تواجه سورية تحديات اقتصادية واستثمارية كبيرة، لأنها تفتقر إلى عوائد مالية كافية ونظام مصرفي مستقر، فضلاً عن استمرار القيود على الصادرات وغياب الضمانات الأمنية.
هذه المقارنة، رغم قسوتها، تكشف أن المشكلة السورية ليست في غياب الإرادة السياسية أو الدعم الدولي، بل في غياب الأسس الموضوعية التي تجعل الاستثمار ممكناً.
ولم يقتصر باراك على تشخيص العوائق الاقتصادية، بل أشار أيضاً إلى أن واشنطن تعمل على تخفيف القيود المتعلقة بالصادرات والتكنولوجيا، لكن استمرار بعض الضوابط يعرقل إدخال أنظمة مصرفية حديثة إلى سورية.
وهنا يظهر تناقض بنيوي، ففي الوقت الذي يُعلن فيه رفع العقوبات وإزالة التصنيف، تظل القيود الفنية والتنظيمية قائمة، وتظل البنوك الدولية تصنف سورية كمنطقة عالية المخاطر.
ثانياً، أين تكمن المشكلة؟
لا يمكن فهم أهمية تصريحات باراك بمعزل عن الخطاب الذي ساد في الأشهر السابقة.
فقد شهد عام 2026 سلسلة من الإعلانات التي رسمت صورة وردية للاقتصاد السوري: مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات، ووعود باستثمارات خليجية وأوروبية، وحديث عن رفع حجم الاستثمارات الأجنبية إلى مئة مليار دولار.
لكن هذه الأرقام بدت أقرب إلى أهداف سياسية دعائية منها إلى تقديرات واقعية، في ظل ضعف البيئة المصرفية والقانونية والتنظيمية.
والمشكلة في التفاؤل المفرط ليست في كونه إيجابياً، بل في كونه يخلق توقعات لا يمكن تلبيتها.
فحين يُقال للسوريين إن الاستثمارات ستتدفق، وإن إعادة الإعمار ستبدأ قريباً، وإن الاقتصاد سيتعافى سريعاً، ثم لا يحدث شيء من ذلك، فإن النتيجة ليست مجرد خيبة أمل، بل فقدان ثقة متزايد في الدولة وفي المجتمع الدولي على حد سواء.
وهذا ما تشير إليه الاحتجاجات المتكررة على الأوضاع المعيشية، والتي تعكس فجوة بين الخطاب والإنجاز.
وقد حذرت تحليلات من أن سياسة الاستثمار التي تروج لها الحكومة السورية قد تتحول إلى وصفة لاضطراب داخلي، خاصة في المناطق المدمرة، حيث يرى السكان أن مشاريع الأبراج والمجمعات التجارية لا تعنيهم، في ظل غياب خطط واضحة لتعويضهم أو إعادة بناء منازلهم.
فالتفاؤل الذي لا يترجم إلى تحسين ملموس في حياة الناس يتحول إلى مصدر إحباط، لا إلى مصدر أمل.
ثالثاً، لماذا الاستثمار صعب حقاً؟
تصريحات باراك ليست مبالغة، إنها تعكس تشخيصاً موضوعياً لعوائق بنيوية يمكن إيجازها في أربع نقاط.
أولاً: ضعف النظام المصرفي. لا يمكن لأي مستثمر أجنبي أن يضخ أمواله في بلد لا يملك نظاماً مصرفياً قادراً على إدارة التحويلات، وتأمين الائتمان، والامتثال للمعايير الدولية. والقطاع المصرفي السوري، بعد سنوات من العزلة والعقوبات، لا يزال يعاني من نقص رأس المال، وضعف أطر الامتثال، وتقادم البنية التحتية للمدفوعات. وحتى بعد رفع العقوبات، لا تزال البنوك العالمية الكبرى تصنف سورية كمنطقة عالية المخاطر، وتتجنب التعامل معها.
ثانياً: غياب الضمانات الأمنية. لا يمكن الحديث عن استثمار في قطاع الطاقة، الذي يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب، والتوترات في مناطق أخرى، وعدم استقرار بعض المناطق. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة يمكنه فيها التنبؤ بالمخاطر، لا إلى بيئة تتغير فيها قواعد اللعبة كل يوم.
ثالثاً: استمرار القيود الفنية. رغم رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة، لا تزال بعض القيود على الصادرات والتكنولوجيا قائمة، مما يعرقل إدخال أنظمة مصرفية حديثة، ويحد من قدرة الشركات على العمل. وهذه القيود، رغم أنها لا تحظى بتغطية إعلامية واسعة، إلا أنها تشكل عائقاً عملياً كبيراً.
رابعاً: غياب العوائد السريعة. الاستثمار في النفط والطاقة ليس استثماراً سريع المردود. فهو يتطلب سنوات من الاستكشاف والتطوير والبنية التحتية قبل أن يبدأ في تحقيق عوائد. وفي حالة سورية، التي تحتاج إلى إعادة بناء قطاعاتها من الصفر تقريباً، فإن الفترة الزمنية قد تصل إلى عشر أو خمس عشرة سنة، كما يقول باراك. وهذا يعني أن أي حديث عن تعاف اقتصادي سريع هو حديث غير واقعي.
رابعاً، الواقعية كخيار استراتيجي:
إن الدعوة إلى الواقعية ليست دعوة إلى التشاؤم أو الاستسلام. إنها دعوة إلى بناء استراتيجية تقوم على تشخيص صحيح للمشكلات، لا على إنكارها. والواقعية تعني الاعتراف بأن التعافي سيستغرق وقتاً، وأن الاستثمارات لن تتدفق بين ليلة وضحاها، وأن بعض الوعود التي أُطلقت في الأشهر الماضية كانت مبالغاً فيها.
وهذه الواقعية لها ثلاث فوائد:
أولاً: إدارة التوقعات، حين يعرف المواطن السوري أن التعافي سيستغرق سنوات، فإنه يكون أقل عرضة لخيبة الأمل، وأكثر استعداداً للصبر والمشاركة في بناء الدولة. أما حين يُوعد بتعافٍ سريع لا يتحقق، فإنه يفقد الثقة، وينضم إلى الاحتجاجات، أو يهاجر.
ثانياً: بناء الثقة، فلا يمكن بناء الثقة بين الدولة والمواطن على الوعود التي لا تتحقق.. والواقعية، رغم قسوتها، هي أساس الثقة، لأنها تعني أن الدولة تقول الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة. وهذا ما فعله باراك، حين قال بصراحة إن الاستثمار صعب، وإن الوقت طويل. وهذا الصدق، رغم أنه لا يرضي أحداً، إلا أنه يبني الثقة أكثر من ألف وعد زائف.
ثالثاً: توجيه السياسات، فالواقعية تساعد صانع القرار على تحديد الأولويات. فإذا كان الاستثمار في النفط والطاقة سيستغرق عشر سنوات، فإن الأولوية القصوى في المدى القصير يجب أن تكون لقطاعات أخرى: الزراعة، والصناعات الصغيرة، والخدمات، والتعليم، والصحة. وهذه القطاعات، رغم أنها لا تحقق عوائد سريعة بالمليارات، إلا أنها تخلق فرص عمل، وتحسن معيشة الناس، وتبني رأس المال البشري.
خامساً، توصيات:
انطلاقاً من هذا التحليل، يمكن اقتراح خمس توصيات:
أولاً: تبني خطاب واقعي. على الحكومة السورية والمسؤولين الدوليين أن يتوقفوا عن المبالغة في الوعود، وأن يقدموا صورة واقعية عن التحديات والجدول الزمني للتعافي. الصدق، حتى لو كان مؤلماً، أفضل من الوعود الزائفة.
ثانياً: إصلاح النظام المصرفي كأولوية قصوى. لا يمكن جذب الاستثمارات دون نظام مصرفي قادر على إدارة التحويلات والامتثال للمعايير الدولية. وهذا يتطلب إصلاحات تشريعية ومؤسسية عاجلة، ودعماً دولياً لبناء القدرات.
ثالثاً: معالجة القيود الفنية المتبقية. على واشنطن والاتحاد الأوروبي أن يعملا على إزالة القيود المتبقية على الصادرات والتكنولوجيا، لأن استمرارها يعرقل إدخال الأنظمة المصرفية الحديثة، ويحد من قدرة الشركات على العمل.
رابعاً: التركيز على القطاعات سريعة الأثر. بدلاً من الانتظار عشر سنوات لعوائد النفط والطاقة، يجب التركيز على قطاعات تحقق نتائج ملموسة في المدى القصير: الزراعة، والصناعات الغذائية، والبناء، والخدمات. وهذه القطاعات هي التي ستوفر فرص العمل، وتحسن معيشة الناس، وتبني الثقة.
خامساً: بناء الضمانات الأمنية. لا يمكن جذب الاستثمار دون بيئة آمنة ومستقرة. وهذا يتطلب معالجة التوغلات الإسرائيلية، وتحقيق الاستقرار في المناطق المختلفة، وبناء مؤسسات أمنية قادرة على حماية المستثمرين والمواطنين على حد سواء.
خاتمة:
تصريحات توماس باراك دعوة إلى الواقعية، في وقت يبدو فيه الخطاب الرسمي، السوري والدولي، أكثر تفاؤلاً من اللازم.
والواقعية ليست عدواً للأمل، بل هي شرطه. فالأمل الذي لا يقوم على تشخيص صحيح للواقع هو أمل زائف، سرعان ما يتحول إلى إحباط. أما الأمل الذي يقوم على واقعية، فإنه يصمد أمام الصعوبات، ويبني الثقة، ويوجه السياسات نحو أولويات حقيقية.
والسؤال الذي يطرح نفسه على الحكومة السورية والمجتمع الدولي ليس: كيف نبدو أكثر تفاؤلاً؟ بل: كيف نقول الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، ونبني على أساسها استراتيجية حقيقية للتعافي؟ فالشعب السوري، الذي تحمل سنوات من الحرب والوعود الزائفة، يستحق أن يسمع الحقيقة، لا أن يُخدع بأوهام جديدة. والواقعية، رغم قسوتها، هي أول خطوة نحو مستقبل أفضل.