رؤية "سورية بلا مخيمات" والتحذير من عودة النازحين قبل تهيئة مناطقهم

يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التحذيرات المتصاعدة من خبراء ومؤسسات دولية، بشأن مخاطر عودة النازحين إلى مناطقهم قبل تهيئتها، في إطار رؤية "سورية بلا مخيمات" التي تسعى الحكومة الانتقالية إلى تحقيقها.

ويرى تيار المستقبل السوري أن هذه التحذيرات ليست تشكيكاً في نبل الهدف، بل هي دعوة صادقة لضمان أن تكون العودة مستدامة وكريمة، لا مجرد نقل للأسر من خيمة إلى خرابة، ومن نزوح إلى نزوح آخر.

ويعتبر تيار المستقبل السوري أن نجاح هذه الرؤية يتوقف على ترتيب الأولويات، بحيث تكون تهيئة ظروف العودة شرطاً مسبقاً لإغلاق المخيمات، وليس نتيجة لاحقة لها.

كما ويُذكّر تيار المستقبل السوري بما أكده وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، في ندوة رفيعة المستوى نظمتها البعثة الدائمة لسورية لدى الأمم المتحدة في 23 أيلول/سبتمبر 2026، من أن "هدفنا ليس إزالة المخيمات بل إزالة الحاجة إليها"، وأن "الخيمة لا ينبغي أن تختفي قبل أن يوجد البديل الذي يضمن للناس حياة كريمة وآمنة ومستقرة".

ويُثمن تيار المستقبل السوري هذا الموقف المسؤول، الذي يعكس إدراكاً حقيقياً لتعقيدات الملف، ويضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات شكلية.

يُسجل تيار المستقبل السوري بموضوعية حجم التقدم المحرز في ملف العودة، إلى جانب حجم التحديات التي لا تزال قائمة:

فمنذ سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد أكثر من مليوني نازح داخلي و1.8 مليون لاجئ إلى مناطقهم طواعية، وهو أكبر موجة عودة تشهدها سورية منذ عقود.

ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادر في 28 أيلول/سبتمبر 2026، غادر أكثر من 1.38 مليون نازح المخيمات ومواقع النزوح منذ كانون الأول 2024، وتراجع عدد المقيمين في المواقع المشمولة بإحصاءاته من نحو 2.2 مليون إلى 773 ألفاً حتى آب/أغسطس 2026، مع توقف العمل في 130 موقعاً للنزوح، وعودة أكثر من 22,721 عائلة منذ بداية عام 2026.

غير أن تيار المستقبل السوري يُشير إلى أن هذه الأرقام، رغم إيجابيتها، لا تعكس الصورة كاملة. فوفقاً لتقرير "عشر تحديات تواجه عودة اللاجئين السوريين" الصادر عن منظمة Refugees International في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026، انخفضت نسبة اللاجئين السوريين الذين يعتزمون العودة خلال اثني عشر شهراً من 27% إلى 14% بين كانون الثاني/يناير 2025 ونيسان/أبريل 2026. ولا يزال 5.7 ملايين شخص نازحين داخل سورية، و4.7 ملايين لاجئ خارج البلاد، بينما يعيش قرابة 800 ألف شخص في مخيمات، أكثر من 75% منهم نساء وأطفال.

ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا التباطؤ في حركة العودة، رغم استمرارها، يستوجب وقفة جادة لفهم أسبابه ومعالجتها، بدلاً من الاكتفاء بإحصاء أعداد القوافل.

يُسجل تيار المستقبل السوري أن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية حددت أربع عقبات رئيسية تهدد استدامة العودة، لا يمكن تجاهلها:

أولاً: الدمار الواسع في المساكن والبنية التحتية، حيث أكثر من 1.3 مليون وحدة سكنية متضررة أو مدمرة في سورية، بينما لا يعمل سوى 57% من المستشفيات و30% من المراكز الصحية الأولية بشكل كامل.
وفي إدلب وحدها، لا يزال نحو 82,303 عائلات تقطن في 634 مخيماً حتى 10 أيلول/سبتمبر 2026، وفقاً لمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظة.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن عودة الأسر إلى منازل مدمرة أو قرى تفتقر إلى الخدمات الأساسية هي وصفة لنزوح جديد، وليست حلاً دائماً.

ثانياً: لاتزال الألغام ومخلفات الحرب تقتل وتصيب المدنيين بمعدلات مقلقة، فمنذ كانون الأول/ديسمبر 2024، قتلت الذخائر غير المنفجرة 880 شخصاً، بينهم 269 طفلاً، وأصابت 1,616 آخرين، ما يقرب من 40% منهم أطفال، كما أن الألغام تحجب الحقول والبساتين والمراعي التي تحتاجها العائلات لإطعام نفسها، ويُشدد تيار المستقبل السوري على أن إزالة الألغام هي شرط أساسي لعودة آمنة ومستدامة.

ثالثاً: يشكل البطالة وانعدام سبل العيش أحد أكبر العوائق أمام العودة، إذ لا تكفي إعادة الإعمار المادي وحدها لضمان استقرار العائدين، بل يتطلب الأمر توفير فرص عمل حقيقية، وإعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية، وتأمين المياه والكهرباء، وتنشيط الأسواق المحلية.

رابعاً: نُشير هنا إلى أن تقرير Refugees International حذّر من أن "العودة قد تكون مؤقتة أو غير مكتملة أو تتم في ظروف من عدم اليقين الكبير"، وأن استدامة العودة تعتمد على ظروف داخل سورية وخارجها، كما حذّر تقرير أوتشا من أن "عدم الاستقرار الأمني المحلي يخاطر بخنق التعافي"، وأن هجمات تنظيم "داعش" في شرق وشمال شرق سورية، والعنف المتقطع، والعقبات البيروقراطية، تهدد السلام الدائم.

يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي طالما نادى فيها بضرورة أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة:

في بيانه بعنوان "قوافل العودة الطوعية من مخيمات الشمال"، بتاريخ 30 تموز/يوليو 2026، أكد تيار المستقبل السوري على أن "استدامة العودة – وليس عدد القوافل – هي المقياس الحقيقي للنجاح"، وحذّر من أن "ضعف البنى التحتية والخدمات الأساسية، من طرقات وكهرباء ومياه وصرف صحي، إضافة إلى محدودية فرص العمل، قد يحوّل العودة إلى انتقال مؤقت".

وفي بيانه بعنوان "تعزيز الدعم للاجئين السوريين وتهيئة ظروف العودة الطوعية الآمنة والكريمة"، بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2026، شدد تيار المستقبل السوري على أن "العودة الطوعية هي الحل الوحيد المستدام لملف النزوح"، وأن "تهيئة الظروف الملائمة في مناطق العودة، من أمن وخدمات وفرص عمل، هي شرط أساسي لنجاح أي جهود في هذا الاتجاه".

انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: اعتماد مبدأ "البديل قبل الإزالة" كقاعدة أساسية وعدم إغلاق أي مخيم قبل التأكد من توفر بديل سكني آمن وكريم للعائلات، أسوةً بما أكده وزير الطوارئ من أن "الخيمة لا ينبغي أن تختفي قبل أن يوجد البديل".
ويُقترح تيار المستقبل السوري إجراء مسح ميداني شامل لكل مخيم قبل إغلاقه، يشمل تقييم جاهزية مناطق العودة، وظروف الأسر، واحتياجاتها.

ثانياً: إعلان حالة طوارئ وطنية لإزالة الألغام، مع تخصيص موازنة طارئة، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة، وإعطاء الأولوية للمناطق التي تشهد أعلى معدلات عودة.

ثالثاً: إطلاق برنامج وطني شامل لإعادة تأهيل المساكن المدمرة، وإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء، وترميم المدارس والمراكز الصحية، وفتح الطرق، بالتعاون مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص.

رابعاً: إطلاق برامج تشغيل مؤقتة في مشاريع إعادة الإعمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير قروض ميسرة للعائدين، وإعادة تنشيط القطاع الزراعي في المناطق الريفية، بما يضمن للعائلات العائدة مصادر دخل مستقرة.

خامساً: تعزيز وجود مؤسسات الدولة في مناطق العودة، وضمان سيادة القانون، ومعالجة النزاعات المحلية بالطرق السلمية، ومنع أي جهة من استغلال الفراغ الأمني.

سادساً: إشراك ممثلي العائدين والمجتمعات المحلية في تخطيط وتنفيذ برامج العودة وإعادة الإعمار، وضمان أن تكون هذه البرامج مبنية على احتياجاتهم الفعلية، لا على تصورات إدارية بعيدة عن الواقع.

يُثمن تيار المستقبل السوري رؤية "سورية بلا مخيمات" التي أطلقتها الحكومة الانتقالية، ويرى فيها هدفاً نبيلاً يستحق الدعم.
غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن هذا الهدف لن يتحقق إلا بترتيب الأولويات، بحيث تكون تهيئة ظروف العودة شرطاً مسبقاً لإغلاق المخيمات، وليس نتيجة لاحقة لها.

ونُشدد على أن العودة الحقيقية لا تُقاس بعدد القوافل المنطلقة، بل بقدرة العائلات العائدة على البقاء والاستقرار والعيش بكرامة.

ويؤكد تيار المستقبل السوري أن الاستثمار في قرية يعود إليها أهلها، أو مدرسة تستقبل أطفالهم، أو شبكة مياه تخدم مجتمعاً، أو مشروع يوفر عملاً للعائدين، هو استثمار في مستقبل سورية، وضمان لعدم عودة مآسي النزوح.

وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز العودة الآمنة والمستدامة، ناقداً لكل تقصير، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي يعود فيها كل مواطن إلى وطنه وأرضه، ويجد فيهما الأمان والكرامة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم الدولي للقضاء على الفقر

أهمية اليوم الدولي للقضاء على الفقر ودوره في تعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية لجميع الفئات.

17 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

نحو تأصيل إسلامي حضاري لمشروع رفع الوعي في سورية الجديدة

أهمية الوعي في النهضة المجتمعية وفق الرؤية الإسلامية وتأثيره في سورية الجديدة.

16 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع