يتابع تيار المستقبل السوري ببالغ القلق والاستنكار ما شهدته محافظات سورية عدة، مساء الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من سيول وفيضانات مفاجئة اجتاحت الرقة ودير الزور والحسكة وحلب وحماة وحمص واللاذقية.
وقد أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، في بيانها الصادر يوم الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن وفاة 5 أشخاص بينهم 4 أطفال (3 في الرقة و2 في دير الزور)، وفقدان 5 آخرين في أرياف الرقة ودير الزور وحلب، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ 25 شخصاً حاصرتهم السيول أو علقت مركباتهم في المياه.
كما أجلت الفرق نحو 375 عائلة من مخيمات متضررة في ريف الرقة، وتضرر أكثر من 150 منزلاً ومرفقاً عاماً بينها مستشفيان ومدارس وأفران، وخروج 7 جسور وعبارات وطرق ترابية عن الخدمة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء عن أحياء كاملة، وتعليق الدوام المدرسي في ثلاث محافظات.
يعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه الكارثة، رغم أنها ناتجة عن هطولات مطرية غزيرة وغير مسبوقة، ليست مجرد "حدث طبيعي"، بل هي كاشفٌ صارخ لفشل التخطيط الحضري والبنية التحتية، وغياب استراتيجية وطنية للحد من مخاطر الكوارث، بعد سنوات من إهمال شبكات التصريف، وردم الأودية، وغياب الصيانة الدورية للجسور والعبارات.
ويشدد تيار المستقبل السوري على أن الفيضانات تحدث في دول مستقرة أيضاً، لكن الفارق بين دولة تُغرق فيها الشوارع ودولة تُدار فيها المخاطر هو وجود مؤسسات واستعداد مسبق واستثمار في الوقاية، لا مجرد استجابة بعد وقوع الكارثة.
يثمن تيار المستقبل السوري عالياً الاستجابة السريعة لفرق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث والدفاع المدني، التي نفذت 165 استجابة ميدانية في ست محافظات، وتعاملت مع أكثر من 350 بلاغاً، وأنقذت عشرات المدنيين، وأجلت مئات العائلات من المخيمات المتضررة، وضخت المياه من المستشفيات والمدارس والأفران.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه الجهود، رغم محدودية الإمكانات، تُجسّد تفانياً حقيقياً يستحق التقدير، وتؤكد أن الكوادر الوطنية قادرة على العمل بكفاءة عندما تتوفر لها الآليات والدعم.
ويُثمن تيار المستقبل السوري أيضاً وعي المواطنين الذين التزموا بإرشادات الطوارئ، والتحذيرات التي أطلقتها الوزارة من الاقتراب من مجاري الأودية والجسور المغمورة بالمياه، وهو وعي يُشكّل خط الدفاع الأول في أي كارثة.
غير أن تيار المستقبل السوري يرى أن الاستجابة الميدانية، مهما كانت بطولية، لا تُغني عن معالجة الأسباب الجذرية التي جعلت السيول تتحول إلى كوارث.
ويسجل تيار المستقبل السوري أن تقارير البنك الدولي قدّرت الأضرار المادية المباشرة في سورية بنحو 108 مليارات دولار بين 2011 و2024، وكانت البنية التحتية الأكثر تضرراً، إذ شكّلت 48% من إجمالي الأضرار بقيمة 52 مليار دولار، وهو ما يعني أن شبكات التصريف والجسور والطرق تعاني من تدهور مزمن لم يُعالج بعد.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن هذه ليست المرة الأولى التي تضرب فيها السيول محافظات سورية في عام 2026. ففي شباط/فبراير الماضي، ضربت فيضانات عدة مواقع للنازحين في إدلب واللاذقية، وفي أيار/مايو دمرت الفيضانات مساحات واسعة من القمح على وشك الحصاد. ويتساءل تيار المستقبل السوري: كم كارثة أخرى نحتاج قبل أن تتحول الدروس المستفادة إلى سياسات ملموسة؟
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن الدول التي تواجه مخاطر فيضانات مماثلة لم تكتفِ بالاستجابة، بل استثمرت في الوقاية، ويمكن لسورية أن تستفيد من تجاربها:
تجربة هولندا – إذ أطلقت برنامج "غرف للأنهار" (Room for the River)، وتواصل تطويره عبر برنامج "غرف للأنهار 2.0″، الذي خصصت له الحكومة الهولندية نحو 2.5 مليار يورو للتنفيذ، مع مخصصات إضافية للصيانة تمتد لعقود، بهدف إيقاف تآكل قيعان الأنهار واستعادة التوازن المائي، وهو نموذج يُظهر أن حماية الأنهار لا تكون ببناء سدود أعلى، بل بإعطاء النهر مساحة يتنفس منها.
تجربة اليابان – إذ تعتمد على مزيج من البنية التحتية الخضراء (كأحواض الاحتجاز وحدائق المطر) والبنية التقليدية (كالقنوات والسدود)، وقد أثبتت دراسات الجدوى اليابانية أن نسب الفائدة إلى التكلفة في مشاريع الحماية من الفيضانات تتجاوز الواحد في جميع السيناريوهات، مما يعني أن كل وحدة نقدية تُستثمر في الوقاية توفر أكثر منها في الخسائر التي تُتجنب.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذه التجارب تُثبت أن الوقاية استثمار مربح، لا تكلفة إضافية، وأن سورية التي تُنفق المليارات على الاستجابة للكوارث، لو استثمرت جزءاً منها في البنية التحتية الوقائية، لكانت وفّرت أرواحاً وأموالاً كثيرة.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن الحكومة الانتقالية بدأت فعلاً في تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، عبر مشروع بدعم أوروبي أُطلق في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يهدف إلى تحسين أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز قدرة البلاد على توقع الكوارث والاستجابة لها، ويستند إلى ثلاثة محاور: حوكمة مرنة وشاملة، وتنفيذ حساس للنزاع على المستوى المحلي، وعمل استباقي قائم على الأدلة يدعمه نظام التنبؤ بالجفاف والفيضانات.
ويُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة، لكنه يُشدد على أن أنظمة الإنذار المبكر وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع استثمار في البنية التحتية، وتخطيط عمراني يحترم مجاري الأودية، وصيانة دورية للجسور والشبكات.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: إطلاق استراتيجية وطنية للحد من مخاطر الكوارث، تُلزم جميع المحافظات بتحديث شبكات التصريف، وصيانة الجسور والعبارات، ورفع منسوب الطرق في المناطق المنخفضة، وتحديد مناطق آمنة للإخلاء، مع تخصيص موازنة سنوية ثابتة للوقاية، لا للاستجابة فقط.
ثانياً: اعتماد مقاربة "البنية التحتية الخضراء" في المدن، عبر إنشاء أحواض احتجاز للمياه، وحدائق تمتص مياه الأمطار، ومساحات نافذة للمياه في الأحياء الجديدة، أسوةً بتجربة اليابان، لأن المدن التي تتنفس الماء هي مدن أقل عرضة للغرق.
ثالثاً: تعويض المتضررين بشكل عاجل وعادل، عبر صندوق وطني للكوارث، يُعوّض الأسر التي فقدت منازلها أو محاصيلها أو مصادر رزقها، ويُعيد تأهيل المخيمات المتضررة، ويضمن عدم ترك أي أسرة تواجه مصيرها وحدها، لأن الكارثة الحقيقية ليست في المطر، بل في ترك الناس بلا سقف ولا تعويض.
رابعاً: تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتوسيعها، وربطها بتطبيقات الهاتف المحمول، ووسائل الإعلام المحلية، والمساجد والكنائس، لضمان وصول التحذيرات إلى كل مواطن، وليس فقط إلى من يتابع نشرات الأخبار.
خامساً: إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط للكوارث، عبر تدريب لجان أحياء وقرى على الإخلاء والاستجابة الأولية، وتوزيع خرائط المخاطر على السكان، لأن الاستجابة الأسرع تأتي دائماً من الجار، لا من المركز البعيد.
يجدد تيار المستقبل السوري تضامنه الكامل مع أسر الضحايا والمتضررين في الرقة ودير الزور والحسكة وحلب وحماة وحمص واللاذقية، ويُثمن جهود فرق الطوارئ التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن السيول التي ضربت سورية هذا الأسبوع ليست "قضاءً وقدراً" نُحمله المصيبة، بل هي نتيجة إهمال متراكم، وغياب تخطيط استباقي، وبنية تحتية هشة، وأن الدول التي تحترم مواطنيها لا تنتظر الكارثة لتعمل، بل تستثمر في الوقاية قبل أن تُغرق الشوارع.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن بناء سورية الجديدة يبدأ من حماية أرواح الناس من المطر، قبل أن يبدأ من بناء الأبراج والجسور، لأن الوطن الذي لا يحمي أطفاله من السيول، لا يستحق أن يُبنى على أنقاض ضحاياه.