يوافق يوم السبت، الحادي والثلاثون من تشرين الأول/أكتوبر 2026، "اليوم العالمي للمدن"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها (A/RES/68/239) لتعزيز رغبة المجتمع الدولي في نشر النزعة الحضرية على مستوى العالم، ودفع التعاون بين البلدان لتلبية الفرص ومواجهة التحديات التي تفرضها التحولات السكنية والمعمارية في المدن.
إن تيار المستقبل السوري، وفي هذه المناسبة ذات الأبعاد التنموية والحضارية، يؤكد على أن مفهوم "المدينة" في الوعي السياسي السوري قد تعدّى المساحة العمرانية والخدمية، ليصبح شاهداً حياً على كلفة التغيير وثمناً باهظاً دُفع في سبيل الحرية.
فالمدن السورية لم تكن مجرد كتل إسمنتية، بل كانت حواضر ثقافية جامعة، وإن حمايتها وإعادة إعمارها وتأهيلها عمرانياً وبشرياً، وصون تاريخها المعماري الفريد، يقع في قلب العقد الاجتماعي الجديد والتزاماً أصيلاً لتحقيق السلم الأهلي والاستقرار السياسي.
إن رؤية تيار المستقبل السوري تتكامل مع هذا اليوم لتترجم أركانه الأربعة:
فالمدنية والسياسية تفترضان تمكين الإدارات المحلية اللامركزية وحوكمة الموارد الحضرية بعد سنوات التشرذم الإداري.
بينما تعبر الإنسانية والحضارية عن رؤيتنا الشاملة في تأمين الحق في السكن اللائق، وحفظ الهوية التاريخية للحواضر السورية، وحماية مواقعها الأثرية المدرجة على قوائم التراث العالمي (مثل تدمر وأسواق حلب القديمة وبصرى وحواضر دمشق) كإرث إنساني وطني يرفض التغييب، أو التدمير، أو التغيير الديمغرافي الممنهج.
لقد تسبب النزاع المسلح الطويل الذي قادنا إليه نظام بشار الأسد وسياسات التدمير الممنهج التي طالت الحواضر السورية في إفراز واقع ديمغرافي وجغرافي وتراثي كارثي؛ حيث تشير البيانات الإحصائية وتقارير المسح الإنساني لعام 2026 إلى أن أكثر من 50% من البنية التحتية والكتل العمرانية في المدن الكبرى (مثل حلب، وحمص، وريف دمشق) قد تعرضت لدمار كلي أو جزئي جعلها غير قابلة للسكن الفوري، بالتزامن مع وجود مخاطر مخلفات الحرب غير المنفجرة التي تهدد حياة المدنيين.
وفي المقابل، فرزت حركة النزوح القسري ضغطاً سكانياً هائلاً وغير متكافئ على مدن وبلدات شمال غرب سورية (مثل إدلب، وأعزاز، والدانا)، حيث تضاعفت الكثافة السكانية في هذه الحواضر الناشئة بنسب تتراوح بين 300% إلى 400%، مما خلق عجزاً حاداً في إمدادات الخدمات الأساسية.
كما طال التدمير والنهب الممنهج والاشتباكات العسكرية مساحات واسعة من المدن والأسواق الأثرية التاريخية، مما هدد باندثار الهوية الحضارية الحية لأقدم المدن المأهولة في التاريخ.
تأسيساً على مسؤوليتنا الوطنية كتيار سياسي مدني ولد من رحم الثورة السورية العظيمة، ووعياً بمتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي خلال المرحلة الانتقالية وبناء معالم الدولة الجديدة،
يتقدم تيار المستقبل السوري بالمطالبات السياسية والرؤيوية التالية:
تبني استراتيجية وطنية موحدة للتخطيط الحضري والإدارة المحلية خلال المرحلة الانتقالية، لمعالجة التفتت الإداري وضمان التوزيع العادل للموارد والمشاريع التنموية بين المحافظات السورية.
تأسيس "الصندوق الوطني لإعادة إعمار وتأهيل المدن المدمرة والتاريخية"، كجهة مستقلة تتولى بالتنسيق مع المنظمات الدولية والوزارات المختصة، وضع خطط زمنية عاجلة لترميم البنى التحتية الأساسية وإزالة الأنقاض لتهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين.
إطلاق "المشروع الوطني لترميم وصيانة المدن الأثرية والأسواق التاريخية المتضررة"، بالتعاون المباشر مع منظمة اليونسكو والهيئات الدولية المتخصصة، لحظر أي تعديات عمرانية حديثة تشوه النسيج التاريخي لمدن مثل حلب القديمة وتدمر، وملاحقة شبكات تهريب الآثار واستعادة المنهوب منها كحق وطني غير قابل للتنازل.
تقديم حزم دعم وإصلاحات اقتصادية عاجلة وموجهة للحواضر التي استقبلت كثافة سكانية ضخمة جراء النزوح في الشمال السوري، لتحديث شبكاتها الخدمية وتحويل الطابع الإغاثي المؤقت إلى مشاريع تنموية مستدامة تخفف من حدة الأزمات المعيشية.
سن تشريعات وقوانين انتقالية صارمة تحمي الملكيات العقارية للمواطنين (النازحين واللاجئين والمغيبين)، وتمنع بشكل قاطع أي محاولات للاستيلاء غير القانوني على الأراضي أو إحداث تغييرات ديمغرافية في مراكز المدن والبلدات.
نحث المنظمات الأممية والشركاء الدوليين على الانتقال ببرامج الدعم المالي من "صيغة المساعدات الإنسانية العاجلة" إلى "استثمارات التعافي المبكر والتنمية الحضرية وحفظ التراث"، لدعم مرونة المدن السورية وقدرتها على استيعاب متطلبات مرحلة الانتقال السياسي نحو دولة القانون والديمقراطية.