يوافق يوم الجمعة، الثلاثون من تشرين الأول/أكتوبر 2026، مناسبتين متقاطعتين في العمق السياسي والتاريخي السوري؛ حيث يُحيي العالم "اليوم العالمي للتضامن مع السجناء السياسيين" الممتد منذ عام 1974 نصرة لمعتقلي الرأي، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والثلاثين لانطلاق "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1991 الذي شكّل محطة إقليمية بارزة للبحث عن الاستقرار في الشرق الأوسط.
إن تيار المستقبل السوري، ومن خلال الربط بين هذين الحدثين، يؤكد على حقيقة سياسية كبرى؛ وهي أن السلام الحقيقي والدائم لا يمكن أن يصنعه نظام يستبد بشعبه ويزج بصفوة عقوله في غياهب السجون.
إن مفاوضات السلام الصورية التي قادها نظام الأسد تاريخياً لتثبيت أركان حكمه الفردي أثبتت عقمها، لأنها افتقرت إلى الركيزة الأساسية للسلام والأمن القومي، وهي السلام الداخلي القائم على العدالة والمواطنة الحرة، وتبييض السجون، وإغلاق ملف الاعتقال التعسفي بشكل كامل ونهائي.
إن رؤية تيار المستقبل السوري ترسم ملامح سورية الجديدة عبر أركانه الأربعة؛ فالمدنية والسياسية تفترضان بناء دولة قانون تُحرم التغول الأمني، وتجرم تكميم الأفواه، وتضمن التعددية وحرية التعبير، بينما تُعبر الإنسانية والحضارية عن التزامنا المطلق بنصرة الضحايا وعائلاتهم، وبناء علاقات جوار دولية قائمة على مبادئ الشرعية الدولية وحقوق الإنسان كمعيار لتحضر الدولة ونمائها.
يؤمن تيار المستقبل السوري أن النهج الأمني لنظام الاستبداد البائد تسبب في تحويل سورية إلى معتقل كبير، ودفع الشعب السوري ثمن تطلعه نحو الحرية كلفة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
وتُشير المؤشرات والإحصاءات المحدثة لعام 2026، الصادرة عن الشبكات الحقوقية ومراكز التوثيق المستقلة، إلى أن الحصيلة الإجمالية التاريخية لمن تعرضوا للاعتقال والاختفاء القسري بلغت ما لا يقل عن 135 ألف شخص منذ عام 2011، يتحمل نظام الأسد المسؤولية المباشرة عن أكثر من 95% من هذه الحالات.
ورغم عمليات الإفراج الواسعة التي تلت سقوط النظام، لا يزال مصير ما يزيد عن 112 ألف مغيب قسرياً مجهولاً حتى الآن، فضلاً عن توثيق استشهاد أكثر من 45 ألف شخص تحت التعذيب، وهي الأرقام التي تحول قضية المعتقلين والمفقودين من ملف حقوقي عادي إلى قضية وجودية ترهن مستقبل الاستقرار وبناء السلم الأهلي في البلاد.
تأسيساً على مسؤوليتنا الوطنية والسياسية كتيار مدني ولد من رحم الثورة السورية العظيمة، وتطلعاً لصياغة أسس متينة للمرحلة الانتقالية وبناء السلم الأهلي، يتقدم تيار المستقبل السوري بالتوصيات التالية:
جعل ملف الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المعتقلين السياسيين، وكشف مصير المغيبين، بنداً فوق دستوري يمنع أي نظام مستقبلي من إعادة تجربة نظام. الأسد البائد.
ترسيخ "الهيئة الوطنية المستقلة لتقصي الحقائق والعدالة الانتقالية" تتولى فتح الأرشيف الأمني السري، والتحقيق في الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا.
صياغة استراتيجية دبلوماسية سورية جديدة للمرحلة الانتقالية ترتكز على مبادئ مؤتمرات السلام الدولية الحقيقية والقرارات الأممية ذات الصلة، شريطة أن تبدأ بتفكيك إرث الاستبداد الداخلي أولاً.
تبني تشريعات دستورية وقانونية صارمة تُجرم كافة أشكال الاعتقال السياسي، وتُلغي المحاكم الاستثنائية، وتخضع كافة الأجهزة الأمنية لسلطة القضاء المدني والمؤسسات الرقابية المنتخبة.
يطالب تيار المستقبل السوري المجتمع الدولي والأمم المتحدة بمساعدة سورية من منع إفلات الجناة من العقاب، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان سلام مستدام وقائم على العدالة والإنصاف للضحايا وعائلاتهم.