ملخص:
يسعى هذا المقال إلى معالجة إشكالية مفاهيمية دقيقة في الفكر السياسي والفلسفة السياسية، فهل يمكن وصف الثورة السورية بأنها "أزمة" وصفاً تحليلياً مشروعاً، أم أن هذا الوصف ينطوي على اختزال يطمس اللحظة التأسيسية للثورة؟
ينطلق هذا المقال من فرضية مزدوجة، أن وصف الثورة بـ"الأزمة" صحيح تحليلياً بشرط تحريره من وظيفته الخطابية، وأن رفض هذا الوصف من قِبل مؤيدي الثورة لا يفتقر إلى مسند فلسفي وجيه، بل يستند إلى اعتراضات أنطولوجية ومعيارية عميقة.
ويعتمد المقال منهجاً تفكيكياً يميز بين مستويات الأزمة (أزمة النظام، أزمة الشرعية، أزمة الهيمنة) وبين اللحظة التأسيسية، مستعينة بأدبيات الفلسفة السياسية (أرندت، غرامشي، هابرماس) وبالدراسات الأكاديمية عن الحالة السورية.
ويخلص إلى أن الحل ليس في اختراع مصطلح بديل، بل في "توطين" لفظ الأزمة عبر تمييز إجرائي صارم بين أزمة النظام وأزمة البديل، وبين الوصف التحليلي والتوظيف الخطابي.
مقدمة:
تكرر سؤال في الخطاب السياسي والأكاديمي حول الثورة السورية، يبدو لفظياً لكنه عميق الدلالة، وهو هل ما جرى في سوريا منذ 2011 كان "ثورة" أم "أزمة"؟
والسؤال هنا ليس بريئاً، فلفظ "الأزمة" في الاستخدام العامي والسياسي غالباً ما يحمل دلالة تقليلية، فالأزمة مشكلة تنتهي، أو اضطراب يمكن "إدارته" و"احتواؤه" و"حله" بتنازلات جزئية.
في حين أن "الثورة" تحمل دلالة تأسيسية، من فعل تدمير وإعادة بناء جذري، وبداية جديدة.
ومن هنا، فإن الصراع على المصطلح هو في جوهره صراع على الشرعية والتأويل، فمن يملك حق تسمية ما جرى؟ ومن يملك حق تحديد ما إذا كان حدثاً تأسيسياً أم مجرد اضطراب؟
غير أن هذا الصراع، على حِدّته، يكشف عن التباس مفاهيمي حقيقي، ففي الفكر السياسي، "الأزمة" ليست نقيض "الثورة"، بل هي في كثير من الأحيان شرطها الموضوعي.
والثورات لا تنشأ من فراغ، بل من رحم أزمات بنيوية، أزمة شرعية، وأزمة هيمنة، وأزمة حكم.
ووصف الثورة بأنها "أزمة نظام" ليس تقليلاً من شأنها، بل هو تشخيص دقيق للبنية التي انفجرت.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُستخدم لفظ "الأزمة" بديلاً عن "الثورة"، وليس مكملاً لها، وعندما يتحول من أداة تحليلية إلى سلاح خطابي يطمس اللحظة التأسيسية.
يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الإشكالية، والدفاع عن أطروحة مركزية، مفادها أن الثورة السورية كانت "أزمة" بالمعنى التحليلي الدقيق، لكنها لم تكن "مجرد أزمة"؛ وأن الخلاف حول المصطلح ليس خلافاً لفظياً، بل هو خلاف على الشرعية والتأويل.
والحل المطروح ليس في استبدال المصطلح، بل في تفكيكه وتمييز مستوياته، وفي الفصل الصارم بين الوصف التحليلي والتوظيف الخطابي.
أولاً: الأزمة كمفهوم تحليلي:
يحتاج التوطين الأكاديمي لفظ "الأزمة" إلى تحريره أولاً من ضيقه الدلالي في الخطاب العام.
ففي الفكر السياسي، "الأزمة" لاترادف الـ "المشكلة" أو "الاضطراب" أو "الفوضى"، بل هي مفهوم تحليلي دقيق له تاريخه وأدبياته.
يعود الاستخدام الحديث لمفهوم الأزمة في الفكر السياسي إلى عمل رينهارت كوزيليك الذي تتبع تطور المفهوم من مجاله الطبي (حيث يعني لحظة حاسمة في مسار المرض، قد تنتهي بالشفاء أو الموت) إلى مجاله السياسي (حيث يعني لحظة حاسمة في مسار النظام، قد تنتهي بالانهيار أو التجديد).
فالأزمة، بهذا المعنى هي لحظة انكشاف، أي لحظة تنكشف فيها حدود النظام القديم وعجزه، وتصبح فيها الاستمرارية مستحيلة، والاختيار بين مسارات بديلة حتمياً.
وفي علم السياسة المعاصر، تتعدد تعريفات الأزمة لكنها تشترك في عناصر هي التهديد (للقيم الأساسية أو للنظام نفسه)، والمفاجأة (انقطاع عن المسار الطبيعي)، وضيق الوقت (ضرورة اتخاذ قرار حاسم)، والغموض (عدم وضوح النتائج).
والأزمة السياسية، تحديداً، هي "التحديات التي تواجه النظام السياسي بنوع ودرجة يمكن أن تهدد استمراره"، أو "أشكال الاحتجاج التي تصل إلى نطاق يهدد قدرة أصحاب السلطة على حفظ النظام".
غير أن المفهوم الأكثر دقة لتحليل الثورات هو ما صاغه غرامشي في دفاتر السجن (أزمة الهيمنة)؛ حيث يرى أن الأزمة الثورية تحدث عندما تفقد الكتلة الحاكمة قدرتها على إنتاج القبول والهيمنة الثقافية والأخلاقية.
في هذه اللحظة، يحتضر القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضيّة شتى؛ حيث تنشأ أزمة شرعية حادة تفصل بين المجتمع المدني والسلطة الرسمية، وتتحول المعركة إلى ما يسميه غرامشي "حرب مواقع" لبناء هيمنة ثقافية بديلة وسلطة مضادة في طور التشكل.
إذن، الأزمة هنا ليست نقيض الثورة، بل هي الشرط الموضوعي لانتصارها.
وفي التقليد الهابرماسي، تُفهم الأزمة كـ أزمة شرعية؛ تحدث عندما يعجز النظام عن الحفاظ على مستوى القبول الشعبي الضروري لاستمراره، نتيجةً لتناقضات بنيوية في آليات إنتاجه لهذه الشرعية.
ويميز هابرماس هنا بين "أزمة النظام" (الاختلال الوظيفي والاداري) و"أزمة الهوية" (تفكك الروابط والقيم الاجتماعية)، مشيراً إلى أن الأزمات السياسية والشرعية تنشأ تحديداً عندما تتجاوز مطالب المجتمع وتوقعاته قدرة الأدوات المؤسسية للنظام على الاستجابة.
بهذه المعاني التحليلية، فإن وصف الثورة بأنها "أزمة" ليس تقليلاً من شأنها، بل هو تشخيص دقيق، بمعنى أزمة النظام القديم، أزمة شرعيته، أزمة هيمنته.
والمشكلة حينها تكمن في الوظيفة الخطابية التي يؤديها عندما يُستخدم بديلاً عن "الثورة".
ثانياً: المسند الفلسفي لرفض الوصف:
إذا كانت "الأزمة" وصفاً تحليلياً مشروعاً، فلماذا يرفضه كثير من مؤيدي الثورة؟
الإجابة لا تكمن في "الحساسية العاطفية" أو "الرفض غير العقلاني للمصطلح"، بل في اعتراضات فلسفية عميقة، يمكن تصنيفها في ثلاثة مستويات:
أنطولوجي، ومعياري، وخطابي.
الاعتراض الأنطولوجي:
جوهر الاعتراض الأنطولوجي هو أن الثورة هي بداية جديدة، وهذا هو ما تقوله هانا أرندت في كتابها عن الثورة، فالثورة، بمفهومها الحديث، هي خروج الكثرة من الناس إلى المجال العام للمطالبة بحريتهم، وتأسيس فضاء سياسي جديد يُتيح ممارسة هذه الحرية.
والثورة، عند أرندت، هي بداية جديدة تؤسس للحرية السياسية عبر دستور ونظام سياسي جديد تماماً، وليست مجرد عمل عنيف يستعيد الماضي أو يُعيد إنتاج الحاضر.
بهذا المعنى، فإن اختزال الثورة في "الأزمة" يطمس اللحظة التأسيسية، ويجعل من النظام القديم "الوضع الطبيعي" الذي أصابته أزمة، بينما الثورة هي "الاستثناء" أو "الانحراف" الذي يجب "إدارته" أو "احتواؤه".
والثورة، في جوهرها الأرندتي تأسيس جديد يتجاوز منطق الأزمة والعلاج.
الاعتراض المعياري:
الاعتراض الثاني يتعلق بالشرعية، فوصف الثورة بأنها "أزمة" قد يحمل إدانة مبطنة، لأنه يفترض ضمناً أن النظام القديم هو "الوضع الطبيعي" الذي أصابته أزمة، بينما الثورة هي "العمل المشروع" الذي يزيل هذا الوضع.
هذا الانعكاس في الأدوار ليس بريئاً، فالنظام السوري نفسه، منذ اليوم الأول، شن "معركة مفاهيمية" لترويج مفهوم "الأزمة" كبديل عن مفهوم الثورة، على المستويات السياسية والإعلامية والأكاديمية، واستبدال "الثورة" بـ"الأزمة" يحوّل الصراع من صراع على الشرعية والحرية إلى مشكلة إدارية يمكن "إدارتها" أو "احتواؤها" أو حلها بتنازلات طفيفة، بدلاً من الاعتراف بها كفعل تأسيسي.
وهنا يصبح المسند الفلسفي للرافضين قوياً، إذ الثورة فعل تأسيسي مشروع.
يعتبر هربرت ماركوز، في مفهوم "الرفض العظيم" الثورةَ نقداً راديكالياً للواقع القائم، وليس مجرد رد فعل لأزمة.
والثورة، بهذا المعنى مبادرة لتأسيس واقع جديد، والخلط بين الاثنين يطمس البعد المعياري للثورة، أي حقها في التأسيس، وشرعيتها الأخلاقية.
الاعتراض الخطابي:
الاعتراض الثالث يتعلق بالوظيفة الخطابية للمصطلح، ففي الخطاب السياسي اليومي، "الأزمة" غالباً ما تُستخدم لخلق حالة طوارئ تبرر إجراءات استثنائية وقمعية ضد الثوار، بدلاً من الاعتراف بجوهر الصراع السياسي.
فالنظام السوري البائد، على سبيل المثال، استخدم خطاب "الأزمة" لتصوير الاحتجاجات الشعبية وكأنها "مؤامرة خارجية" أو "أزمة أمنية" يمكن "حلها" أمنياً، بدلاً من الاعتراف بها كحركة اجتماعية ذات مطالب مشروعة.
بهذا المعنى، فإن رفض الثوار لوصف ثورتهم بـ"الأزمة" ليس رفضاً للمفهوم التحليلي، بل رفض لـ الوظيفة الخطابية التي يؤديها المصطلح في سياقات معينة، وهو تحويل الصراع على الشرعية إلى مشكلة إدارية، وتفريغ الثورة من محتواها التأسيسي.
ثالثاً، أزمة شرعية أم ثورة تأسيسية؟:
بعد هذا التفكيك المفاهيمي، يمكننا الآن معالجة السؤال المركزي، هل يمكن وصف الثورة السورية بأنها "أزمة" وصفاً تحليلياً مشروعاً؟
الإجابة، كما حاولنا أن نبين، هي: نعم، بشرط التمييز.
فالثورة السورية كانت تعبيراً عن أزمة شرعية عميقة، من فقدان النظام لقدرته على إنتاج القبول العام، وانفصال الدولة عن المجتمع، وانسداد أفق الإصلاح.
والدراسات الأكاديمية عن سورية تشير إلى أن "الأزمة السورية" منذ تولي الأسد الاب كانت في جوهرها أزمة حكم تتعلق ببنية مؤسسة السلطة ومعاييرها الدستورية.
وبالمعنى الغرامشي، فإن الثورة السورية كانت تعبيراً عن أزمة هيمنة، من فقدان الكتلة الحاكمة لقدرتها على إنتاج القبول الثقافي والأخلاقي، واعتمادها المتزايد على القسر.
غير أن هذا الوصف، رغم دقته، يظل ناقصاً إذا تُرك على إطلاقه.
فالثورة السورية لم تكن مجرد "أزمة نظام"، بل كانت أيضاً لحظة تأسيسية تجلت لخروج ملايين السوريين إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والكرامة، وتشكيل مجال عام جديد، وولادة أشكال جديدة من التضامن والتعبير السياسي.
هذه اللحظة التأسيسية لا يمكن اختزالها في منطق "الأزمة" و"العلاج"، لأنها تتجاوز منطق الاستجابة لمنطق المبادرة، ومنطق الاضطراب لمنطق التأسيس.
وهنا يظهر التمييز الإجرائي الأهم، وهو الفرق بين أزمة النظام وأزمة البديل.
فالثورة السورية كانت أزمة للنظام القديم، لكنها لم تكن أزمة للبديل الذي حملته.
بل إن أزمة البديل — إذا وُجدت — هي مسألة مختلفة تماماً، تتعلق بقدرة الثورة على ترجمة مطالبها إلى مؤسسات، وعلى إدارة المرحلة الانتقالية، وعلى بناء تحالفات سياسية فاعلة.
والخلط بين أزمة النظام وأزمة البديل هو ما يسمح باختزال الثورة في "الأزمة"، ويطمس لحظتها التأسيسية.
رابعاً، التمييز كحل:
بناءً على ما تقدم، فإن الحل ربما يكون في توطين لفظ "الأزمة" عبر تمييز إجرائي صارم بين مستوياته.
ويمكن اقتراح التمييزات التالية:
- التمييز بين أزمة النظام وأزمة الشرعية: الثورة السورية كانت أزمة نظام (انهيار آليات الحكم)، وأزمة شرعية (فقدان القبول العام)، لكنها لم تكن أزمة شرعية الثورة نفسها، و الشرعية هنا لا تعني الشرعية القانونية للنظام، بل الشرعية الأخلاقية والسياسية للفعل الثوري، والخلط بين الاثنين هو ما يسمح بتحويل "أزمة النظام" إلى "أزمة الثورة".
- التمييز بين الأزمة كلحظة انكشاف والأزمة كحالة مستمرة: كانت الثورة السورية لحظة انكشاف (كشفت عجز النظام وفقدانه للشرعية)، لكنها لم تكن "حالة أزمة" مستمرة، بل إن استمرار الأزمة — بمعنى استمرار العنف والفوضى — هو نتاج فشل إدارة السلطة وسياستها، وليس نتيجة حتمية للثورة.
- التمييز بين الوصف التحليلي والتوظيف الخطابي: وصف الثورة بأنها "أزمة نظام" هو وصف تحليلي مشروع، لكن استخدام لفظ "الأزمة" بديلاً عن "الثورة" هو توظيف خطابي غير بريء.
والتمييز بين الاثنين ضروري لتجنب الخلط بين التحليل والأيديولوجيا. - التمييز بين أزمة الهيمنة وأزمة التمثيل: الثورة السورية كانت أزمة هيمنة (فقدان النظام لقدرته على إنتاج القبول)، لكنها كانت أيضاً أزمة تمثيل (فقدان النظام لقدرته على تمثيل المجتمع).
والتمييز بين الاثنين يسمح بفهم أعمق لديناميات الثورة، ويتجنب الاختزال في بعد واحد.
خاتمة:
يمكننا الآن صياغة الخلاصة على النحو التالي:
الثورة السورية كانت "أزمة" بالمعنى التحليلي الدقيق، أي أزمة نظام، وأزمة شرعية، وأزمة هيمنة، لكنها لم تكن "مجرد أزمة".
كانت أيضاً لحظة تأسيسية من خروج الكثرة إلى المجال العام، وتشكيل إرادة جماعية جديدة، وتأسيس فضاء سياسي جديد.
والخلاف حول المصطلح خلافٌ على الشرعية والتأويل، بين من يريد اختزال الثورة في "أزمة" يمكن "إدارتها"، ومن يريد الاعتراف بها كفعل تأسيسي مشروع.
والحل ليس في الاختيار بين "الثورة" و"الأزمة"، بل في تفكيك العلاقة بينهما، من الاعتراف بأن الثورة تنشأ من رحم أزمة النظام، لكنها تتجاوزها نحو تأسيس جديد.
وهذا يتطلب تمييزاً إجرائياً صارماً بين أزمة النظام وأزمة البديل، وبين الوصف التحليلي والتوظيف الخطابي، وبين لحظة الانكشاف واللحظة التأسيسية.
بهذا المعنى، فإن أفضل صياغة للعلاقة بين المفهومين هي أن
"الثورة السورية هي اسم الفعل التأسيسي الذي انبثق من أزمة شرعية وهيمنة بنيوية؛ هي أزمة النظام البائد، وليست أزمة شرعية الثورة نفسها. ومن يصفها بـ"الأزمة" دون تمييز، إنما يخلط بين أزمة النظام وأزمة البديل. أما من يرفض اللفظ مطلقاً، فإنه يخسر أداة تحليلية دقيقة، لكنه محق في رفض التوظيف الخطابي الذي يطمس اللحظة التأسيسية."
وهذا ليس مجاملة لأحد، بل هو ما تمليه الدقة التحليلية والمسؤولية الفكرية، أن نعترف بأن الثورة السورية كانت أزمة، وأنها كانت أكثر من أزمة.
وأن نرفض، في الوقت نفسه، كل اختزال — سواء جاء من النظام الذي أراد تمييع الثورة، أو من مؤيدين يخشون على شرعيتها.