تطوير آليات الرقابة والتدريب في مراكز الاحتجاز

تمهيد:

يمثل ملف مراكز الاحتجاز والسجون أحد أهم محطات اختبار مدى التزام الدولة السورية الجديدة بسيادة القانون وحقوق الإنسان.
فبعد عقود من الممارسات الاستثنائية التي شهدتها سجون النظام البائد، حيث تحولت مراكز الاحتجاز إلى ما يشبه "الدولة الموازية" التي تعمل خارج إطار القانون، أصبح إصلاح هذه المنظومة ضرورة وطنية وأخلاقية لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية أو إصلاح الاقتصاد.

فقد وثقت المنظمات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية، حالات مأساوية من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب المنهجي في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام البائد.

وقد خلصت التحقيقات إلى أن "الإخفاء القسري في سورية بلغ أبعاداً واسعة النطاق، حيث قدرت منظمة العفو الدولية عدد المختفين قسراً بأكثر من 100 ألف شخص" في عهد النظام السابق.

مع سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وبدء مرحلة انتقالية تهدف إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، بات إصلاح قطاع العدالة الجنائية ومنظومة الاحتجاز على رأس أولويات الحكومة الانتقالية.

وقد صدر الإعلان الدستوري المؤقت في 13 آذار/مارس 2025، الذي نص في مواده على حظر التعذيب والاعتقال التعسفي، وكفل حماية الحقوق والحريات الأساسية، وجعل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من صلب الدستور.

وانطلاقاً من مسؤولية تيار المستقبل السوري في دعم مسار بناء الدولة، يقدم هذا البحث رؤية قانونية متكاملة لتطوير آليات الرقابة والتدريب في مراكز الاحتجاز، تستند إلى المرجعيات الدستورية والقانونية الوطنية، وإلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال.

أولاً، الإطار الدستوري والقانوني لضمانات الحرية الشخصية:

يمثل الدستور السوري لعام 2012، رغم تعطيل العمل به في 29 كانون الثاني/يناير 2025 واستبداله بالإعلان الدستوري المؤقت، مرجعية قانونية مهمة تضمنت مجموعة من المبادئ الأساسية لحماية الحرية الشخصية، وقد تم تعزيز هذه المبادئ في الإعلان الدستوري الجديد.

أ. المادة 53 من الدستور:

نصت المادة 53 من دستور 2012 على أن "الحرية الشخصية حق مقدّم، وتكفل الدولة حمايتها.
ولا يجوز إلقاء القبض على أحد أو توقيفه أو حبسه إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون وبموجب أمر قضائي.
ويجب أن يكون كل موقوف أو محتجز تحت رعاية القانون، ولا يجوز تعذيبه أو معاملته معاملة مهينة، ويعتبر التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون."

ويؤكد هذا النص، الذي تتضمنه اليوم أحكام الإعلان الدستوري المؤقت، على ثلاث ضمانات أساسية:

  1. الشرعية الجنائية: لا يجوز القبض أو التوقيف إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون.
  2. الرقابة القضائية: وجوب صدور أمر قضائي بالتوقيف، مما يحول دون الاحتجاز الإداري خارج إطار القضاء.
  3. حظر التعذيب: تجريم التعذيب والمعاملة المهينة، وإلزام الدولة بحماية المحتجزين.

ب. المادة 54:

أكدت المادة 54 على حق كل موقوف أو محتجز في الاتصال بمحاميه وإبلاغ أهله، وفي المحاكمة خلال مهلة معقولة.
كما نصت على أن كل من يعتقل أو يحبس خلافاً لأحكام الدستور يتعرض للمساءلة الجنائية.

ج. المادة 422 من قانون العقوبات:

تضمن قانون العقوبات السوري نصوصاً رادعة لمنع التجاوزات في مراكز الاحتجاز، وعلى رأسها المادة 422 التي تعاقب كل موظف عام "أمسك أحداً أو حبسه أو منعه من التوجه إلى الجهات المختصة، دون أن يكون ذلك جائزاً بمقتضى القوانين".

د. قانون أصول المحاكمات الجزائية:

نص قانون أصول المحاكمات الجزائية على مجموعة من الضمانات الإجرائية للمتهمين، منها حق النيابة العامة في التفتيش الدوري على أماكن التوقيف، وحق المحتجز في الاعتراض على قرار التوقيف أمام القضاء.
كما نص على أن الإجراءات التي تجري دون التقيد بهذه الضمانات تعتبر باطلة، ولا تترتب عليها آثار قانونية.

ثانياً، الواقع الراهن لمراكز الاحتجاز في سورية:

على الرغم من الإطار القانوني المتقدم دستورياً، تواجه مراكز الاحتجاز في سورية تحديات هيكلية وإجرائية، هي في جزء كبير منها نتاج عقود من الإهمال والتجاوزات التي رافقت نظام الحكم البائد.

أ. غياب الرقابة الفعلية:
رغم النصوص القانونية التي تخول النيابة العامة التفتيش على مراكز الاحتجاز، كانت هذه الممارسة شبه غائبة في ظل النظام البائد، حيث كانت الأجهزة الأمنية تعمل خارج إطار الرقابة القضائية، وتتحول مراكز الاحتجاز إلى كيانات مغلقة لا يصل إليها القانون.

ب. الاعتقال الإداري والإخفاء القسري:
وثقت التقارير الحقوقية حالات واسعة للاعتقال الإداري والإخفاء القسري، حيث كان يتم احتجاز الأشخاص خارج أي إطار قانوني، دون إبلاغ ذويهم، ودون توجيه تهم محددة، مما جعل آلاف السوريين يختفون في زنازين النظام البائد دون أن يعلم بهم أحد.

ج. غياب التدريب على حقوق الإنسان:
كانت مناهج التدريب في كليات الشرطة ومعاهد الأمن في ظل النظام السابق تخلو من محتوى منهجي حول حقوق الإنسان وقواعد التعامل مع المحتجزين، مما جعل العنف والتعسف جزءاً من الثقافة المؤسسية للأجهزة الأمنية.

ثالثاً، مقترحات تطوير الآليات الرقابية والتدريبية:

استناداً إلى الإطار الدستوري والقانوني، وإلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، واستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إصلاح قطاع العدالة الجنائية، يقدم تيار المستقبل السوري المقترحات التالية لتطوير آليات الرقابة والتدريب في مراكز الاحتجاز:

تفعيل الرقابة المستقلة والمفاجئة:

أ. تشكيل لجان تفتيش دورية ومفاجئة:
اقتراح تشكيل لجان تفتيش عليا تتبع مباشرة لوزير الداخلية أو للسلطة القضائية، تتولى القيام بزيارات تفتيشية دورية ومفاجئة لجميع مراكز الاحتجاز والسجون، للتأكد من:

  • عدم وجود أي محتجز بشكل غير قانوني.
  • سلامة أوضاع المحتجزين.
  • التزام الإدارة بالضوابط القانونية.

ويستند هذا الاقتراح إلى تفعيل المادة 422 من قانون العقوبات السوري التي تجرم الحجز غير القانوني، وإلى المادة 53 من الدستور التي تكفل الحرية الشخصية للمواطنين.


ب. تفعيل دور النيابة العامة في التفتيش الدوري:

تفعيل النص القانوني الذي يخول النيابة العامة القيام بمهامها في التفتيش الدوري على السجون وأماكن التوقيف، بما يضمن الكشف المبكر عن أي مخالفات أو تجاوزات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.
وقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية صراحةً على أن المدعي العام "يراقب سير العدالة ويشرف على السجون ودور التوقيف وعلى تنفيذ القوانين". وهذا النص، الذي ظل حبراً على ورق في ظل النظام البائد يمكن تفعيله اليوم ليصبح أداة رقابية فاعلة.

التحول الرقمي والتوثيق الإلزامي وحظر الإكراه:

أ. إلزامية تركيب كاميرات مراقبة:
إلزام جميع مراكز الاحتجاز بتركيب كاميرات مراقبة (صوت وصورة) تعمل على مدار الساعة في جميع غرف التحقيق والممرات والمرافق الحيوية، مع حفظ التسجيلات لمدة قانونية محددة، لتكون دليلاً في أي تحقيق قضائي، ولتكون رادعاً لمنع أي ممارسات غير قانونية.
ويفيد هذا الإجراء في:

  • منع التعذيب والضغط النفسي والجسدي على المحتجزين.
  • توثيق مسار التحقيق والإجراءات المتخذة.
  • حماية العاملين في مراكز الاحتجاز من اتهامات غير مثبتة.


ب. إنشاء نظام إلكتروني مركزي موحد لتسجيل الموقوفين:
اقتراح إنشاء نظام إلكتروني وطني موحد لتسجيل جميع الموقوفين والمحتجزين، يتضمن بياناتهم الأساسية، وتاريخ دخولهم، والتهم الموجهة إليهم، والقرار القضائي الصادر بحقهم، وذلك لضمان:

  • منع حالات الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري.
  • توفير قاعدة بيانات دقيقة تتيح للجهات القضائية والرقابية متابعة أوضاع المحتجزين.
  • حماية حقوق المحتجزين من خلال توفير سجل دقيق لمدة احتجازهم.

ويستند هذا الاقتراح إلى المادة 54 من الدستور التي تكفل "حق كل موقوف في إبلاغ أهله والاتصال بمحاميه"، وإلى المادة 53 التي تحظر الاحتجاز خارج الإطار القانوني.


ج. تفعيل نظام المساءلة عن الأضرار الناتجة عن الإجراءات غير القانونية:
اقتراح إنشاء وحدة قانونية متخصصة تتولى تقييم الأضرار الناجمة عن الإجراءات غير القانونية المتخذة بحق المحتجزين (كالاحتجاز التعسفي أو التعذيب)، وتقديم تعويضات عادلة للمتضررين، مع ضمان حقهم في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتعويضات إضافية.

تفعيل مبدأ المساءلة الجنائية الفورية والعاجلة:

أ. تحقيق فوري وشفاف في حالات الوفاة:
إلزام الجهات المعنية بفتح تحقيق قضائي فوري وشفاف في أي حالة وفاة تحدث داخل مراكز الاحتجاز، مع إشراك النيابة العامة والطب الشرعي في التحقيق، وإعلان النتائج للرأي العام، وتطبيق أقصى العقوبات على المتسببين.
ويستند هذا الإجراء إلى المادة 391 من قانون العقوبات السوري التي تعاقب كل من يتسبب بوفاة شخص نتيجة إهمال أو تجاوز، وإلى مبادئ حقوق الإنسان التي تؤكد على حق كل شخص في الحياة والسلامة الجسدية.


ب. إحالة المتورطين إلى القضاء فوراً:
إحالة أي عنصر أو ضابط يثبت تورطه في ممارسات غير قانونية (تعذيب، احتجاز غير قانوني، إهمال) إلى القضاء المختص فوراً، مع تحميل الرؤساء المباشرين المسؤولية الإدارية والقانونية عن أي تجاوزات يرتكبها مرؤوسوهم، طبقاً لمبدأ "المسؤولية القيادية".

التدريب وبناء القدرات:

أ. إدراج حقوق الإنسان في مناهج التدريب:
إدراج دورات إلزامية حول حقوق الإنسان وقواعد التعامل مع المحتجزين في المناهج التدريبية لكل من كليات الشرطة ومعاهد الأمن والقوات المسلحة، بحيث تصبح هذه المهارات جزءاً من الثقافة المؤسسية للأجهزة الأمنية، وليس مجرد مواد نظرية عابرة.
وتشير المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة في مجال إنفاذ القانون إلى أن "التدريب على حقوق الإنسان يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من التدريب الأساسي والمستمر للشرطة، وأن يشمل المبادئ الأساسية لحماية حقوق الإنسان، وقواعد التعامل مع المحتجزين، ومنع التعذيب".


ب. التدريب المستمر والتقييم الدوري:
تنظيم دورات تدريبية مستمرة للعاملين في مراكز الاحتجاز، تركز على المهارات العملية في التعامل مع المحتجزين، وإدارة التوتر، وحل النزاعات بطرق سلمية. مع إخضاعهم لتقييم دوري لضمان استمرار كفاءتهم والتزامهم بالمعايير القانونية.

رابعاً، الضمانات الدولية:

تشكل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مرجعية أساسية في تطوير آليات الرقابة والتدريب في مراكز الاحتجاز، خاصة أن الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 جعل هذه المواثيق "جزءاً لا يتجزأ من صلب الدستور".


أ. اتفاقية مناهضة التعذيب (1984):
تلتزم سورية بموجب انضمامها لاتفاقية مناهضة التعذيب، باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، وكفالة حق كل شخص في تقديم شكوى إلى السلطات المختصة، والتحقيق الفوري والنزيه في أي ادعاء بالتعذيب.


ب. المبادئ الأساسية لاستخدام القوة والأسلحة النارية:
صدرت هذه المبادئ عن الأمم المتحدة في عام 1990، وتنظم استخدام القوة من قبل موظفي إنفاذ القانون، وتؤكد على مبدأ التناسب، وتحد من استخدام الأسلحة النارية إلا في حالات الضرورة القصوى، مع وجوب الإبلاغ الفوري عن أي وفاة أو إصابة خطيرة.


ج. القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا):
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه القواعد في عام 2015، وتشكل المرجعية الأساسية لمعاملة السجناء، وتشمل مبادئ أساسية مثل: حظر التعذيب والمعاملة المهينة، وحق السجين في الرعاية الصحية، وحقه في الاتصال بالعالم الخارجي، مع التأكيد على ضرورة إجراء تفتيش دوري على السجون من قبل هيئات رقابية مستقلة.

خامساً، التجارب الدولية:

يمكن الاستفادة من تجارب عدد من الدول التي نجحت في إصلاح منظومة الاحتجاز لديها، وتطوير آليات رقابية وتدريبية فاعلة.

أ. النموذج البريطاني:
تعتمد بريطانيا نظاماً للتفتيش المستقل على السجون، من خلال مفتشية مستقلة تصدر تقاريرها مباشرة إلى البرلمان.
كما تفرض تدريباً إلزامياً على حقوق الإنسان لجميع العاملين في قطاع العدالة الجنائية، مع تقييم دوري للأداء.

ب. النموذج الكندي:
أنشأت كندا لجاناً مستقلة لتلقي شكاوى المحتجزين والتحقيق فيها، مع ضمان سرية الإبلاغ وحماية المبلغين، مما ساهم في كشف العديد من التجاوزات ومنع تكرارها.

ج. النموذج الألماني:
طبقت ألمانيا نظاماً إلكترونياً موحداً لتسجيل المحتجزين، يضمن الشفافية والمتابعة الدقيقة، ويمنع حالات الاحتجاز غير المسجلة أو الإخفاء القسري.

د. النموذج الجنوب أفريقي:
بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، أنشأت جنوب أفريقيا آلية وطنية للرقابة القضائية على مراكز الاحتجاز، مع إلزامية توثيق جميع إجراءات التوقيف والتحقيق، وتمكين المحامين من الوصول إلى موكليهم في أي وقت.

سادساً، خاتمة وتوصيات:

يمثل إصلاح منظومة الاحتجاز في سورية اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة الجديدة بسيادة القانون وحقوق الإنسان.
فمراكز الاحتجاز، التي تحولت في ظل النظام البائد إلى كيانات مغلقة تعمل خارج إطار القانون، يجب أن تصبح اليوم نموذجاً للشفافية والرقابة والالتزام بالضوابط القانونية.

إن تفعيل الرقابة المستقلة والمفاجئة، والتحول الرقمي في التوثيق، والإحالة الفورية للقضاء، والتدريب المستمر على حقوق الإنسان، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي ركائز أساسية لبناء دولة القانون التي نطمح إليها. وهي أيضاً استحقاق وطني لمن عانوا من ممارسات النظام البائد، وضمانة لعدم تكرار تلك الممارسات في المستقبل.

إننا في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن إصلاح قطاع العدالة الجنائية ومنظومة الاحتجاز هو مسؤولية وطنية وأخلاقية، تتطلب تضافر جهود الحكومة والسلطة القضائية والمجتمع المدني. ونحن على استعداد لتقديم الخبرة والدعم في هذا المسار، انطلاقاً من رؤيتنا في بناء سورية الجديدة، دولة القانون والمؤسسات، التي تصون كرامة جميع مواطنيها وتحقق العدالة للجميع.

شاركها على:

اقرأ أيضا

مذكرة التفاهم السورية التركية في الطاقة والتعدين

مذكرة التفاهم السورية التركية في الطاقة والتعدين: خطوة استراتيجية نحو تعزيز التعاون المشترك وإعادة الإعمار.

20 أغسطس 2026

إدارة الموقع

نجاحات سورية (17): ميرغانا الحجي

إنجازات ميرغانا الحجي ونجاحاتها المبهرة في بطولة القوة البدنية وكيف تشرّف الوطن.

20 أغسطس 2026

إدارة الموقع