يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام إقرار مجلس الشعب لنظامه الداخلي، باعتباره أحد أهم الاستحقاقات المؤسسية في المرحلة الانتقالية التي تشهدها الجمهورية العربية السورية، إذ لا يمثل النظام الداخلي مجرد مجموعة من الإجراءات التنظيمية، بل يشكل الإطار القانوني الناظم لعمل السلطة التشريعية، ويعكس مستوى النضج المؤسسي الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها.
وانطلاقًا من ذلك، يرحب تيار المستقبل السوري بإقرار النظام الداخلي، ويرى أن استكمال البنية القانونية المنظمة لعمل مجلس الشعب يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز الحياة الدستورية، شريطة أن يقترن ذلك بتطبيق عملي يرسخ استقلال المجلس، ويعزز دوره التشريعي والرقابي، ويضمن الشفافية والمساءلة، ويجعل المجلس معبرًا حقيقيًا عن المصلحة الوطنية.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن قيمة أي نظام داخلي لا تكمن في عدد مواده، ولا في دقة صياغاته القانونية فحسب، وإنما في مدى قدرته على تحقيق مجموعة من المبادئ الدستورية الأساسية، وفي مقدمتها استقلال السلطة التشريعية، والفصل المتوازن بين السلطات، واحترام التعددية السياسية، وصيانة حقوق النواب، وضمان حق المجتمع في متابعة أعمال ممثليه.
كما يرى تيار المستقبل السوري أن نجاح النظام الداخلي لن يقاس بما كُتب على الورق، بل بما سيظهر في الممارسة اليومية داخل المجلس؛ فكم من أنظمة داخلية متقدمة بقيت حبرًا على ورق، وكم من نصوص مختصرة صنعت برلمانات فاعلة لأنها احترمت روح القانون قبل حروفه.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن مجلس الشعب في سورية الجديدة مدعو إلى تجاوز الصورة التقليدية التي ارتبطت بالمجالس السابقة، والتي كانت تفتقر إلى الاستقلال الحقيقي، وتحولت في كثير من الأحيان إلى جهة تصادق على القرارات بدل أن تناقشها، وإلى الانتقال نحو مؤسسة دستورية تمتلك الإرادة والقدرة على التشريع والرقابة والمساءلة.
وانطلاقًا من ذلك، يرى تيار المستقبل السوري أن نجاح النظام الداخلي ينبغي أن يقاس بمجموعة من المعايير، أهمها:
- أن يحمي استقلال مجلس الشعب في مواجهة أي تأثير خارج اختصاصاته الدستورية.
- أن يكفل حق جميع الأعضاء في مناقشة مشاريع القوانين وإبداء الرأي بحرية ومسؤولية.
- أن يعزز الدور الرقابي للمجلس على أداء السلطة التنفيذية، من خلال أدوات الاستجواب وطلب المعلومات ومناقشة السياسات العامة.
- أن يمنح اللجان الدائمة والمؤقتة صلاحيات حقيقية في الدراسة والتحقيق وإعداد التشريعات.
- أن يضمن علنية الجلسات، وإتاحة الاطلاع على محاضرها ونتائج التصويت، إلا فيما تقتضيه المصلحة الوطنية وفق ضوابط قانونية واضحة.
- أن ينظم تضارب المصالح، ويضع قواعد واضحة للنزاهة والإفصاح المالي والأخلاقي.
- أن يحمي حقوق الأقلية البرلمانية، ويكفل مشاركتها الفاعلة في أعمال المجلس ولجانه.
- أن يحدد آليات واضحة لمساءلة أعضاء المجلس عند الإخلال بواجباتهم، بما يحفظ هيبة المؤسسة ويحترم الضمانات القانونية.
- أن يحقق التوازن بين سرعة الإنجاز التشريعي وجودة التشريع، بعيدًا عن التسرع أو التعطيل.
- أن يفتح المجال أمام تطوير النظام الداخلي كلما كشفت التجربة العملية عن الحاجة إلى ذلك.
كما يدعو تيار المستقبل السوري إلى نشر النص الكامل للنظام الداخلي بصيغته النهائية، وإتاحته للرأي العام والباحثين والمؤسسات القانونية، إيمانًا بأن الشفافية هي إحدى ركائز بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وأن اطلاع المواطنين على القواعد المنظمة لعمل ممثليهم يعزز الثقافة الدستورية، ويكرس مبدأ المشاركة الواعية في الحياة العامة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية تتطلب برلمانًا فاعلًا، لا يقتصر دوره على سن القوانين، وإنما يشارك في رسم السياسات العامة، ومراقبة الأداء الحكومي، وحماية الحقوق والحريات، والإسهام في بناء دولة المؤسسات والقانون، بما ينسجم مع تطلعات السوريين الذين قدموا تضحيات جسامًا من أجل قيام دولة عادلة تحترم الإنسان وتصون كرامته.
ويشدد تيار المستقبل السوري على أن قوة الدولة لا تتحقق بقوة السلطة التنفيذية وحدها، بل بتوازن السلطات، واستقلال القضاء، وفاعلية السلطة التشريعية، لأن الدول الحديثة تُبنى بالمؤسسات، لا بالأفراد، وبالقانون، لا بالاستثناءات.
ويوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- نشر النظام الداخلي كاملًا بصيغته الرسمية، وإتاحته للرأي العام.
- الالتزام بالتطبيق الحرفي والعادل لجميع أحكامه دون انتقائية.
- تعزيز استقلال مجلس الشعب في أداء وظائفه التشريعية والرقابية.
- ضمان شفافية أعمال المجلس، وإتاحة المعلومات المتعلقة بجلساته وقراراته.
- إجراء مراجعة دورية للنظام الداخلي في ضوء التجربة العملية، بما يسهم في تطوير الأداء البرلماني.
- ترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف المسؤول داخل المجلس، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
- الاستثمار في بناء القدرات البرلمانية للأعضاء، بما يرفع جودة التشريع والرقابة.
إن تيار المستقبل السوري ينظر إلى النظام الداخلي لمجلس الشعب بوصفه وسيلة لبناء مؤسسة تشريعية قوية، لا غاية في ذاته، ويؤمن بأن مستقبل الحياة البرلمانية في سورية لن يصنعه النص القانوني وحده، وإنما تصنعه الإرادة السياسية، واحترام الدستور، وسيادة القانون، والإيمان بأن المجلس هو صوت الشعب، لا صدى السلطة.