استمرار احتجاز الشيخ الدكتور حسن محمد علي عبارة

يُتابع تيار المستقبل السوري بقلق بالغ ما يُتداول بشأن قضية الشيخ الدكتور حسن محمد علي عبارة، المقيم في حي الشماس بمدينة حمص، والذي تشير المعلومات المتاحة إلى أنه ما يزال موقوفاً لدى السلطات السورية منذ الخامس من آذار/مارس 2026، دون صدور بيان رسمي يوضح طبيعة التهم المنسوبة إليه، أو الجهة القضائية التي تنظر في قضيته، أو الإجراءات القانونية التي اتُّخذت بحقه، وذلك وفق ما هو متداول في وسائل الإعلام والمصادر المتاحة حتى تاريخ صدور هذا البيان.

ينطلق تيار المستقبل السوري في موقفه من هذه القضية من التزامه الراسخ بمبادئ سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وترسيخ الضمانات الدستورية التي نادى بها السوريون، وإيمانه بأن المرحلة الانتقالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على بناء مؤسسات تقوم على العدالة والشفافية، وتُخضع جميع الإجراءات لسلطان القانون والقضاء.

يؤكد تيار المستقبل السوري أن المطالبة بضمانات المحاكمة العادلة لا تعني تبني أي موقف مسبق من براءة أو إدانة أي شخص، وإنما هي دفاع عن مبدأ دستوري أصيل يقضي بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي صادر عن المحكمة المختصة، بعد محاكمة عادلة تكفل له جميع حقوق الدفاع.

كما يؤكد تيار المستقبل السوري أن هذا البيان يأتي حرصاً على دعم مسار بناء دولة القانون، وليس بقصد التشكيك بمؤسسات الدولة أو النيل من جهودها، بل انطلاقاً من القناعة بأن النقد القانوني المسؤول يسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ شرعية الدولة القائمة على احترام الدستور والقانون.

أولاً: الإطار الدستوري والقانوني

كرّس الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية لعام 2025 جملة من المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها صون الحرية الشخصية، وعدم جواز تقييدها إلا وفق أحكام القانون وبأمر صادر عن الجهة القضائية المختصة.

كما أكد مبدأ قرينة البراءة، وأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له حقوق الدفاع كاملة.
ونص كذلك على ضمان حق التقاضي، وبناء دولة القانون والمؤسسات، واحترام الحقوق والحريات العامة.

ومن جهة أخرى، لا يزال قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري يرسي الضمانات الإجرائية المتعلقة بالتوقيف والتحقيق والدفاع، ومن أبرزها عرض الموقوف على السلطة القضائية المختصة خلال المدة التي يحددها القانون، وتمكينه من الاستعانة بمحامٍ، وإبلاغه بالأسباب القانونية التي استوجبت توقيفه، وإخضاع جميع إجراءات التحقيق لرقابة القضاء.

كما يقرر قانون العقوبات السوري مبدأ الشرعية الجنائية، القائم على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، وأن العقوبة شخصية، ويجرّم أي حرمان غير مشروع من الحرية خارج الأطر التي يحددها القانون.

ثانياً: القضية في ضوء المعلومات المتاحة

استناداً إلى ما نشرته وسائل إعلام موثوقة، وما تم تداوله من معلومات حتى تاريخ هذا البيان، فإنه لم يُعلن رسمياً عن طبيعة التهم الموجهة إلى الشيخ الدكتور حسن محمد علي عبارة، كما لم تُنشر أي معلومات رسمية بشأن الجهة القضائية المختصة التي تنظر في ملفه، أو الإجراءات القانونية التي تم اتخاذها بحقه.

وإذا صحت المعلومات المتداولة بشأن استمرار احتجازه دون تمكينه من التواصل مع محامٍ، أو دون إعلان واضح عن الأساس القانوني لتوقيفه، فإن ذلك قد يثير تساؤلات قانونية تستحق التوضيح من الجهات المختصة، انسجاماً مع أحكام الإعلان الدستوري والقوانين النافذة.

كما أن ما أُشير إليه إعلامياً حول إخضاعه لما سُمّي "جلسات مناصحة أو تقويم فكري"، إن صح، يقتضي توضيحاً رسمياً، إذ إن الإجراءات التي تمس الحرية الشخصية يجب أن تستند إلى أساس قانوني واضح، وأن تكون خاضعة لإشراف السلطة القضائية المختصة.

ومن هنا، فإن الشفافية في الإعلان عن الإجراءات القانونية المتخذة لا تحمي حقوق الموقوف فحسب، بل تحمي أيضاً مؤسسات الدولة من انتشار الإشاعات، وتعزز ثقة المواطنين بمنظومة العدالة.

ثالثاً: المرحلة الانتقالية ومسؤولية ترسيخ سيادة القانون

لقد شهدت سورية، منذ سقوط النظام السابق، خطوات إيجابية في اتجاه إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسساتية.
ومن أبرز تلك الخطوات إصدار الإعلان الدستوري لعام 2025، وتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والعمل على معالجة الإرث القضائي الذي خلفته المحاكم الاستثنائية خلال العقود الماضية.

إن تيار المستقبل السوري ينظر بتقدير إلى هذه الخطوات، ويعدّها أساساً مهماً لبناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون.
غير أن نجاح هذه المسيرة يبقى مرتبطاً بمدى انعكاس هذه المبادئ على الممارسة اليومية لمؤسسات الدولة.

فالثقة لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بوضوح الإجراءات، واحترام الضمانات القانونية، وخضوع جميع السلطات لرقابة القضاء، فقوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على التوقيف أو الاحتجاز.

بل تُقاس بقدرتها على إخضاع جميع إجراءاتها لأحكام القانون، وإظهار ذلك للرأي العام بكل شفافية.

إننا في تيار المستقبل السوري وانطلاقاً من المبادئ الدستورية والقانونية، يؤكد تيار المستقبل السوري أن احترام الضمانات القانونية يمثل أحد أهم مرتكزات بناء سورية الجديدة.

ونرى أن أي إجراء يمس حرية الأفراد يجب أن يكون مستنداً إلى أساس قانوني واضح، وخاضعاً لإشراف القضاء المختص، ومقترناً بجميع الضمانات التي يكفلها الإعلان الدستوري والقوانين النافذة.

كما نؤكد أن تطبيق القانون لا يتعارض مع حماية الأمن العام، بل إن سيادة القانون هي الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها.

وإذا كانت لدى الجهات المختصة أدلة قانونية تستوجب الملاحقة، فإن المسار الطبيعي هو إحالة القضية إلى القضاء المختص، وتمكين المتهم من جميع حقوق الدفاع، وصولاً إلى حكم قضائي عادل وشفاف.

أما إذا لم تكن هناك مبررات قانونية لاستمرار التوقيف، فإن معالجة الأمر وفق أحكام القانون تعزز هيبة الدولة، وتؤكد التزامها بالمبادئ التي قامت عليها سورية الجديدة.

إننا في تيار المستقبل السوري نؤكد أن الطريقة التي تُدار بها مثل هذه القضايا ستكون معياراً مهماً لقياس مدى ترسخ دولة القانون في المرحلة الانتقالية.

فالعدالة الانتقالية الحقيقية لا تقتصر على محاسبة انتهاكات الماضي، وإنما تقتضي أيضاً بناء منظومة قانونية تمنع تكرار أي ممارسة تتعارض مع الدستور أو مع ضمانات المحاكمة العادلة، أياً كان مصدرها.

فالسوريين لم يقدموا تضحياتهم من أجل استبدال صورة بأخرى، وإنما من أجل بناء دولة يحكمها القانون، ويخضع فيها الجميع لسلطانه، وتُصان فيها كرامة الإنسان، وتُحترم فيها الحرية، ويُكفل لكل متهم حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة، باعتبار ذلك أساساً لا غنى عنه لبناء سورية الحرة والعادلة التي ينشدها جميع أبنائها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

حادثة نبش قبر وإخراج جثمان ميت في مدينة عربين

يتناول المقال حادثة نبش قبر وإخراج جثمان ميت في مدينة عربين، ومدى خطورة هذه القضايا على حقوق الإنسان.

25 يونيو 2026

إدارة الموقع

عاشوراء وانتصار الحق على الطغيان

يوم عاشوراء يذكرنا بأن الظلم زائل وأن الحق منتصر

25 يونيو 2026

إدارة الموقع