يتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الاستنكار والقلق الحادثة الخطيرة المتداولة في مدينة عربين بريف دمشق، والتي تضمنت – بحسب ما أظهرته المواد المصورة والمعلومات المتداولة – نبش أحد القبور، وإخراج جثمان الميت، وتصويره، ثم تسليمه إلى ذويه، بذريعة انتمائه أو تأييده السابق لإحدى الجهات خلال سنوات الصراع.
وإذا صحت هذه الوقائع، فإنها تمثل انتهاكاً بالغ الخطورة لحرمة الموتى، واعتداءً على الكرامة الإنسانية، وخروجاً على أحكام الشريعة الإسلامية، والقانون السوري، والمبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة السورية الجديدة.
وينطلق هذا البيان من التزام تيار المستقبل السوري بمبادئ سيادة القانون، واحترام الكرامة الإنسانية، والعدالة الانتقالية، وليس من الدفاع عن أي شخص أو أي موقف سياسي.
فكرامة الإنسان، وحرمة قبره، لا تتوقفان على انتمائه السياسي أو موقفه السابق، وإنما يحميهما الشرع، والقانون، والضمير الإنساني.
كما يرى تيار المستقبل السوري أن بناء الدولة السورية الجديدة، وفق الإعلان الدستوري، يقوم على سيادة القانون، وصون الكرامة الإنسانية، ومنع الاعتداء على الحقوق والحريات.
ومن ثم، فإن أي اعتداء على حرمة الموتى أو المقابر يمثل خروجاً على هذه المبادئ، ويقوض الجهود الرامية إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
إن تيار المستقبل السوري يرى في هذه الحاظثة انتهاكاً للشريعة الإسلامية، والقانون، والكرامة الإنسانية، فحرمة الميت في الإسلام ثابتة بنصوص الشرع.
وقد نهى النبي ﷺ عن التمثيل بالقتلى، وأكد الفقه الإسلامي صيانة حرمة الإنسان بعد وفاته، وعدم جواز الاعتداء على قبره أو جثمانه إلا فيما يجيزه الشرع والقانون.
وعليه، فإن أي محاولة لتبرير نبش القبور أو التمثيل بالموتى استناداً إلى المواقف السياسية أو الانتماءات السابقة، لا تستند إلى أصل شرعي، ولا إلى قاعدة قانونية، وإنما تمثل خروجاً على مبادئ العدل التي جاء بها الإسلام.
كما يجرّم قانون العقوبات السوري نبش القبور أو الاعتداء عليها خارج الحالات التي يجيزها القانون، ويقرر العقوبات المناسبة لذلك.
وتكفل قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، احترام جثامين الموتى وصون المقابر، باعتبار ذلك جزءاً من الكرامة الإنسانية التي يجب احترامها حتى في أوقات النزاعات المسلحة.
فالإنسان لا يفقد كرامته بموته، والمقابر ليست ساحات لتصفية الحسابات أو ممارسة الانتقام، بل هي مواضع يجب أن تبقى مصونة، احتراماً للإنسان، وللمجتمع، وللقيم التي تقوم عليها الأمم.
يرى تيار المستقبل السوري أن العدالة الانتقالية لا تقوم على الانتقام، ولا على العقوبات الجماعية، ولا على الأحكام الشعبية.
وإنما تقوم على كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وضمان المحاسبة عبر القضاء المختص، مع احترام الضمانات القانونية لجميع الأطراف.
ومن ثم، فإن أي اعتداء على المقابر، أو العبث بجثامين الموتى، يشكل انتكاسة خطيرة لمسار العدالة الانتقالية، لأنه يعيد إنتاج منطق الثأر، ويستبدل القانون بردود الأفعال الفردية.
فالعدالة لا تتحقق خارج قاعات القضاء، ولا يمكن بناء دولة القانون إذا أصبح الأفراد هم من يقررون العقوبة، وينفذونها، ويحددون مستحقيها.
إن تيار المستقبل السوري يرى أن أخطر ما في هذه الحادثة أنها لا تمس فرداً بعينه فقط، بل تمس المجتمع بأكمله.
فحين يصبح الانتماء السياسي أو الموقف السابق مبرراً لانتهاك حرمة القبور، فإن ذلك يفتح الباب أمام دوامة لا تنتهي من الثأر والانتقام، ويهدد السلم الأهلي الذي يتطلع السوريون إلى ترسيخه بعد سنوات طويلة من الصراع.
كما أن هذه الممارسات تضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، لأنها توحي بأن القانون يمكن تجاوزه، وأن العدالة قد تُستبدل بالفعل الفردي.
وهو ما يتعارض مع أسس الدولة الحديثة التي تقوم على احتكار القضاء وحده لسلطة الفصل في المسؤوليات والحقوق.
إننا في تيار المستقبل السوري نرى ضرورة التذكير أننا ما خرجنا في ثورتنا من أجل استبدال الظلم بظلم آخر، أو الانتقام بانتقام مضاد.
فالسوري الذي رفض انتهاك الكرامة الإنسانية بالأمس، لا يجوز له أن يقبل بانتهاكها اليوم، مهما كان المبرر، ومهما كان الشخص المستهدف، والعدالة لا تُبنى بالثأر، ولا تُصان الكرامة بانتهاك كرامة الآخرين، وإنما تتحقق باحتكام الجميع إلى القضاء، واحترام القانون، وصيانة الحقوق التي لا يجوز المساس بها.
يدعو تيار المستقبل السوري الجهات المختصة إلى إجراء تحقيق شفاف ومستقل في هذه الحادثة، وكشف حقيقتها كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها وفق القانون، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المقابر ومنع تكرار مثل هذه الأفعال.
ويؤكد التيار أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة الناس خارج إطار القانون.
بل تُقاس بقدرتها على إخضاع الجميع، أفراداً ومؤسسات، لسيادة القانون.
كما يؤكد أن حرمة القبر لا تسقط بسقوط نظام، وكرامة الميت لا تزول باختلاف الموقف السياسي، لأن العدالة لا تعرف قبور المنتصرين وقبور المهزومين، وإنما تعرف قبور البشر التي يجب أن تُصان جميعها.