قراءة في اعتصام قانون وكرامة، بين الشّارع والدولة

شهدت العاصمة السورية دمشق اليوم السبت 2026/06/06م، اعتصاماً باسم: قانون وكرامة، في مشهدٍ يعكس حالةً متناميةً من الحراك المجتمعي والسياسي في سورية الجديدة، ويكشف في الوقت نفسه عن جملة من الأسئلة العميقة المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن، وبين المؤسسات السياسية ووسائل التعبير الشعبي.

وقد انقسم الرأي العام السوري تجاه هذا الاعتصام بين فريق رأى فيه تعبيراً مشروعاً عن مطالب شعبية محقة، وفريق آخر اعتبر أن هذه التحركات قد تضر بالاستقرار الوطني في مرحلة ما تزال فيها الدولة السورية الحديثة تخطو خطواتها الأولى نحو إعادة البناء واستعادة عافيتها بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار.

غير أن قراءة المشهد من زاوية التأييد أو الرفض وحدها تبدو قراءة قاصرة عن فهم أبعاده الحقيقية، فالسؤال الأهم ليس في تحليل كون الاعتصام صحيحاً أو خاطئاً؟ ولكن في سؤالِ لماذا وصل السوريون أصلاً إلى الشارع!.

إنه من الخطأ السياسي والقانوني اختزال المشهد في موقف مؤيد أو معارض للاعتصام ذاته.
فالتجمع السلمي، ما دام ملتزماً بالقانون وحريصاً على السلم الأهلي، فهو حقٌّ من الحقوق الطبيعية التي لا تتعارض مع بناء الدولة، بل قد تشكل إحدى وسائل تصحيح مسارها وتطوير أدائها.

وفي المقابل، لا يجوز أيضاً افتراض أن كلَّ تحركٍ شعبيٍّ معصومٌ من الأخطاء أو من محاولات التوظيف السياسي الضيق، إذ إنَّ أي ظاهرة عامةٍ قد تتعرض لمحاولات استثمار من قبل بعض الأطراف أو الأفراد الذين يسعون إلى تحقيق أهداف لا تنسجم بالضرورة مع المصلحة الوطنية العليا.

ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألا نضع علامة رفضٍ مطلقةٍ على المعتصمين، كما لا يجوز في الوقت نفسه منح أيِّ حراكٍ حصانةً سياسيةً أو أخلاقيةً مطلقة.
فالمجتمعات الحية تُقاس بقدرتها على النقاش وإدارة الاختلاف، لا بقدرتها على إلغاء أحد أطرافه.

لقد أكدنا في تيار المستقبل السوري، وفي أكثر من دراسةٍ ومقالٍ سابقٍ أن استمرار تأخر انعقاد مجلس الشعب يُمثّل أحد أبرز مظاهر الفراغ السياسي في المرحلة الانتقالية.

ففي الدول المستقرة لا يتوجه المواطن مباشرة إلى الشارع كلما أراد إيصال مطلبٍ أو الاعتراض على قرار، بل توجد قنواتٌ طبيعيةٌ وواضحةٌ تبدأ بالمواطن، ثم بالحزب أو التيار السياسي، ثم بمجلس الشعب، ومنه إلى الحكومة، وصولاً إلى رئاسة الدولة.

هذه السلسلة المؤسسية هي التي تحول المطالب الشعبية إلى تشريعات وسياسات عامة، وتمنح المجتمع القدرة على التأثير في القرار الوطني بصورة منظمة ومستدامة.

ولكن، وعندما تتعطل إحدى حلقات هذه السلسلة، يبدأ الضغط بالتراكم حتى يبحث عن منافذ بديلة!!

وحين يتأخر مجلس الشعب عن أداء دوره الطبيعي، يصبح الشارع تلقائياً إحدى الساحات التي يحاول المواطن من خلالها إيصال صوته.

ولذلك فإن الاعتصام ليس بالضرورة أن يكون أصل المشكلة كما يُزيِّنُ البعض، بل قد يكون في كثير من الأحيان أحد أعراضها.

وإلى جانب تأخر انعقاد مجلس الشعب، تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهميةً برأينا، تتمثل في قتل ودفن تفعيل الحياة الحزبية والسياسية في سورية الجديدة.

فخلال سنوات الثورة السورية وما بعدها نشأت أحزاب وتيارات سياسية عديدة، بعضها يعود إلى ما قبل الثورة، وبعضها وُلد خلال سنواتها أو بعد انتصارها.

غير أن هذه القوى لم تحصل حتى الآن على المساحة الطبيعية التي تمكِّنُها من أداء دورها الكامل في الحياة العامة.

والحقيقة أن الأحزاب والتيارات السياسية ليست عبئاً على الدولة، بل هي جزءٌ من بنيتها الطبيعية وأحدَ أهمِّ أدواتها في تنظيم المجال العام.

فهي تشكل الجسر الذي يربط بين المجتمع والدولة، وبين المطالب الشعبية وصنّاع القرار.
وعندما تُهمَّش الأحزاب أو يُضعف حضورها أو تُحاصر قدرتها على العمل، يفقد المواطن المسارات الطبيعية للتعبير عن مطالبه، فتنتقل هذه المطالب من المؤسسات إلى الساحات العامة!.

وهنا يمكن القول أنّ إغلاق المسارب السياسية لا يلغي المشكلات، وإنما يغير فقط المكان الذي تظهر فيه.

ورغم كلِّ ما قيل عن التوتر الذي رافق بعض المشاهد المرتبطة بالاعتصام، فإن ثمّة جانباً إيجابياً لا ينبغي تجاهله.
فالمتابع لما جرى يلحظ أن الشارع السوري لم يكن مجرد ساحة احتجاج، بل تحول في لحظات عديدة إلى مساحة للنقاش العام بين رؤيتين مختلفتين تجاه مستقبل البلاد.

لقد وقف في الميدان تيّاران يحملان قراءتين مختلفتين للمصلحة الوطنية، فريقٌ يرى أن النزول إلى الشارع ضرورةٌ لفرض الاستجابة للمطالب الشعبية، وفريقٌ رأى أن الأولوية يجب أن تُعطى لترسيخ الاستقرار وحماية الدولة الناشئة من أي اهتزازاتٍ إضافية.

ورغم أن بعض الحوارات التي جرت بين الطرفين لم ترتقِ دائماً إلى المستوى الأخلاقي والحضاري المأمول، وشابها أحياناً الانفعال والحدة، إلا أن مجرد انتقال الخلاف إلى مساحة النقاش العلني يمثل تطوراً مهماً في الحياة العامة السورية.
ففي زمن الأسدين لم يكن المجتمع يمتلك فرصة حقيقية لمناقشة القضايا الوطنية الكبرى في الفضاء العام، بل كانت السياسة حكراً على السلطة، وكان الصّمت هو القاعدة، والخوف هو اللغة السائدة.

أما اليوم، فإن مجرد رؤية مواطنين مختلفين في الرأي يتحاورون حول الدولة والقانون والإصلاح والاستقرار والمستقبل الوطني، حتى وإن كان الحوار متوتراً أو ناقصاً، فإنه يعكس درجةً من النضج المجتمعي الذي ولد من رحم المعاناة والتجارب القاسية التي مر بها السوريون.

نعم، لقد تعلم السوريون خلال السنوات الماضية دروساً باهظة الثمن، وأصبح كثير منهم أكثر قدرة على فهم تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، وأكثر إدراكاً لتداخل المصالح والمخاطر والفرص، وأكثر استعداداً لمناقشة الشأن العام بصورة مباشرة.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي السياسي الشعبي، لا بوصفه أزمة ينبغي الخوف منها.

لقد كان من الأجدر برأينا بهاتين الرؤيتين المختلفتين المتحاورتين أن تلتقيا داخل أحزاب فاعلة، أو منتديات سياسية شرعية، أو تحت قبة مجلس شعب منتخب وقادر على استيعاب النقاشات الوطنية وتحويلها إلى سياسات عامة.
لكن ضعف هذه الأطر أو غيابها دفع أصحاب الرؤى المختلفة إلى نقل حواراتهم إلى الشارع وأمام عدسات الكاميرات.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إدانة الشارع ولا تمجيده، وليس تخوين المعتصمين ولا تخوين معارضيهم، وإنما الإسراع في استكمال البناء السياسي للدولة السورية الجديدة.

حاجتنا اليوم إلى مؤسسات قادرة على جمع الأصوات المختلفة تحت سقف وطني واحد.

وإن تأخير انعقاد مجلس الشعب، وتأخر تفعيل الحياة الحزبية بصورة حقيقية، لا يؤديان إلا إلى دفع الخلافات السياسية إلى الشارع، حيث تصبح أكثر عرضة للتوتر والاستقطاب.

أما الطريق الأسلم لبناء الدولة فيمر عبر فتح المجال السياسي المنظم، وإطلاق الحياة الحزبية المسؤولة، وتمكين مجلس الشعب من ممارسة دوره الكامل بوصفه المظلة الوطنية الجامعة للنقاش العام.

وحين يجد المواطن طريقه إلى الحزب، ويجد الحزب طريقه إلى البرلمان، ويجد البرلمان طريقه إلى الحكومة (ضمن هذه السلسلة الذهبية)، يصبح الشارع ساحةً للاحتفال بالوطن لا ساحةً للبحث عن بديلٍ عن مؤسساته.

وهنا فقط يتحول الاختلاف من مصدر قلق لدى الجميع إلى مصدر قوة للجميع، ويتحول الحوار من سجال عابر في الساحات إلى رافعة حقيقية لبناء سورية الحديثة التي حلم بها السوريون وضحوا من أجلها طوال سنوات الثورة والمعاناة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

التأمين بين الأطر الفقهية ومتطلبات النهضة الاقتصادية في سورية

التأمين بين الأطر الفقهية ومتطلبات النهضة الاقتصادية في سورية مع مراجعة شاملة وشروط شرعية.

5 يونيو 2026

جمعة محمد لهيب

توقيف ناشطين من متضرري "المرسوم 66″

تُحقق السلطات بتوقيف ناشطين من متضرري المرسوم 66، وسط مطالبات إنصاف لتعويض المتضررين في دمشق.

5 يونيو 2026

إدارة الموقع