استقبل الرئيس أحمد الشرع في الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في دمشق، في أول زيارة بهذا المستوى منذ التغيير السياسي نهاية عام 2024.
تعكس هذه الزيارة تحولاً في منطق العلاقات بين بلدين يتقاسمان أكثر من 600 كيلومتر من الحدود، وتاريخاً مشتركاً، وتحديات أمنية واقتصادية متداخلة.
كما تمثل هذه الخطوة فرصة حقيقية لإعادة بناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، لكنها في الوقت نفسه تختبر قدرة السلطة الانتقالية في دمشق على تحويل الإعلانات السياسية إلى مؤسسات وآليات تنفيذية شفافة ومستدامة.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري سجل نمواً حقيقياً بلغ 0.8% في 2024 ثم ارتفع إلى 3.6% في 2025، مع توقعات بنمو يتراوح بين 8 و10% في 2026، مدفوعاً بانتعاش نسبي في قطاعي النفط والزراعة وإعادة الإعمار.
هذا التعافي، رغم هشاشته واستمرار الضغوط التضخمية (التي بلغت مستويات مرتفعة في مراحل سابقة)، يخلق نافذة للتعاون مع العراق الذي يبحث عن منافذ تصديرية بديلة بعد اضطرابات مضيق هرمز.
ليأتي مشروع إعادة تفعيل خط أنابيب حديثة–بانياس في صدارة المباحثات، بطاقة مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
وسبق أن وُقعت مذكرة تفاهم في تموز/يوليو 2026، وبدأ تصدير كميات محدودة عبر الأراضي السورية.
هذا المشروع، إذا نُفذ وفق معايير فنية ومالية شفافة وبمشاركة ائتلافات دولية (بما فيها شركات أمريكية)، يمكن أن يوفر لسورية عائدات ترانزيت وفرص عمل في إعادة التأهيل والتشغيل، بينما يمنح العراق منفذاً استراتيجياً نحو المتوسط.
أما التبادل التجاري الثنائي فلا يزال ضعيفاً، حيث تشير بيانات 2024 تشير إلى إجمالي يقارب 124 مليون دولار فقط (صادرات سورية إلى العراق نحو 106.7 مليون مقابل صادرات عراقية محدودة).
وتتوقع غرف التجارة إمكانية رفعه إلى 300–500 مليون دولار بحلول 2027 إذا ما أُعيد تأهيل المعابر وطُورت الإجراءات الجمركية، دون احتساب تجارة الطاقة.
يُطرح التعاون الزراعي أيضاً كمسار لتحقيق تكامل غذائي، فكلا البلدين يمتلكان إمكانات زراعية كبيرة، لكن غياب آليات تنسيق مستدامة، وضعف البنية التحتية اللوجستية، وغياب ضمانات للمستثمرين، يحولان دون الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات حتى الآن.
وعن أمن الحدود المشتركة، يبقى الملف الأكثر إلحاحاً.
فالتهريب، وتحركات الجماعات المسلحة، وتدفق المقاتلين، كلها تحديات مشتركة تتطلب تنسيقاً عملياتياً مستمراً وليس مجرد بيانات مشتركة.
لقد أكدت السلطة الانتقالية في دمشق في أكثر من مناسبة التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، وهو توجه يتقاطع مع جهود بغداد.
غير أن نجاح هذا التوجه يعتمد على بناء مؤسسات أمنية مهنية خاضعة للمساءلة، بعيداً عن منطق الولاءات الفرعية أو الترتيبات غير الرسمية التي عانت منها المنطقة طويلاً.
وسياسياً، تعكس الزيارة رغبة الجانبين في توحيد المواقف إزاء التطورات الإقليمية، لكن الشراكة الحقيقية لا تُبنى فقط على مستوى القمم؛ هي تحتاج إلى آليات مؤسسية دائمة، ولجان مشتركة فاعلة، ومشاركة أوسع للقطاع الخاص والمجتمعات المحلية على جانبي الحدود.
إن من الضروري التأكيد على أن أي سوري يُرحب بأي خطوة تعزز الاستقرار والتنمية والمصالح الوطنية السورية، لكننا ننبه إلى مخاطر الاعتماد المفرط على الإعلانات دون آليات تنفيذ واضحة.
فالتجربة السابقة في المنطقة أظهرت أن المشاريع الكبرى (نفط، تجارة، حدود) غالباً ما تتعثر بسبب غياب الشفافية، وضعف الحوكمة، وغياب المشاركة المجتمعية.
ويبدو أن السلطة الانتقالية أمام اختبار مزدوج:
إثبات قدرتها على إدارة ملفات سيادية حساسة بكفاءة فنية.
بناء ثقة داخلية بأن هذه الشراكات تصب في مصلحة المواطنين لا في ترتيبات نخبوية ضيقة.
ومن الضروري أن يتطلب النجاح معايير واضحة للمحاسبة، ونشر تفاصيل العقود والمذكرات، وإشراك خبراء مستقلين في المتابعة.
وعليه، فنحن أمام سيناريوهات مستقبلية محتملة:
السيناريو الأول (التفاؤلي/التكاملي):
يتم إحراز تقدم ملموس خلال 12–18 شهراً في إعادة تأهيل خط بانياس جزئياً، وترتفع حركة التجارة عبر المعابر بنسبة ملحوظة، ويُنشأ إطار أمني مشترك فعال.
ينعكس ذلك إيجاباً على النمو الاقتصادي في المناطق الحدودية، ويساهم في ترسيخ صورة سورية كشريك إقليمي موثوق.
ولكن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية مستمرة ودعماً فنياً دولياً.
السيناريو الثاني (الواقعي/التدريجي):
تحقق تقدم محدود وبطيء، أي: كميات نفط محدودة، تحسن جزئي في المعابر، وتنسيق أمني ظرفي.
وتبقى التحديات الإدارية والأمنية قائمة، ويظل حجم المكاسب الاقتصادية متواضعاً مقارنة بالإمكانات.
ويبدو أن هذا السيناريو هو الأرجح في المدى القصير إذا لم تُعالج نقاط الضعف المؤسسية.
السيناريو الثالث (الحذر/التعثر):
تعثر التنفيذ بسبب عقبات فنية أو تمويلية أو أمنية، أو بسبب غياب الشفافية الذي يولد شكوكاً داخلية.
تتحول في هذه الحالة الزيارات إلى مناسبات بروتوكولية دون أثر تنموي حقيقي، وتتراجع الثقة تدريجياً.
وانطلاقاً من ذلك يمكن التوصية بما يأتي:
- إنشاء آليات متابعة شفافة: لجان فنية مشتركة تنشر تقارير دورية عن تقدم المشاريع، خاصة خط النفط والمعابر.
- إشراك القطاع الخاص والمجتمعات المحلية: ضمان أن تعود عائدات الترانزيت والتجارة بالنفع على المناطق الحدودية من خلال استثمارات في البنية التحتية والخدمات.
- بناء قدرات مؤسسية: تدريب كوادر سورية في إدارة المشاريع الكبرى والحوكمة الاقتصادية، بالتعاون مع شركاء دوليين.
- أولوية الأمن المستدام: ربط أي تعاون أمني بمعايير حقوق الإنسان والمساءلة، لضمان استقرار طويل الأمد.
- رؤية اقتصادية أوسع: عدم الاقتصار على النفط؛ الاستثمار في الربط الكهربائي، والنقل، والزراعة، والسياحة الدينية والتاريخية المشتركة.
- حوار داخلي موازٍ: فتح نقاش عام داخل سورية حول أولويات الشراكات الإقليمية، بما يعزز الشرعية الشعبية للمسار الانتقالي.
تفتح زيارة الزيدي باباً مهماً، لكن الباب وحده لا يكفي، والمطلوب عبور حقيقي نحو مؤسسات قوية، وشفافية فعلية، ومكاسب ملموسة للمواطنين.
وبدورنا كتيار مدني سياسي مستقل، نتابع هذا المسار بعين النقد البناء والأمل المسؤول، مدركين أن الاستقرار والتنمية هما الضمانة الحقيقية لأي سلطة انتقالية تسعى إلى ترسيخ شرعيتها على أسس وطنية راسخة.