سورية على مفترق السيادة

من يعرف تاريخ هذه البلاد يدرك أن لحظات التحول الكبرى بداية اختبار أعمق، لقد كشف سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 هشاشة الدولة التي بُنيت على السيطرة لا على الشرعية.

يمتلئ التاريخ السوري بالدروس التي جرى تجاهلها.

إن حكم الحزب الواحد حوّل الدولة إلى أداة قمع، ففقدت قدرتها على تمثيل شعبها.

و الثورة التي انفجرت عام 2011 كانت رفضاً لهذا التحويل، لكنها تحولت بفعل التدخلات الإقليمية والدولية وتعنت نظام الأسد إلى حرب مدمرة.

والنتيجة معروفة، أكثر من عقد من الاقتتال، ودمار هائل قدّره البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار كلفة إعادة إعمار الأصول المادية وحدها، وتشريد ملايين، وانهيار شبه كامل للمؤسسات.

ما يميز اللحظة الحالية عن سابقاتها أن السلطة الجديدة جاءت من خارج المنظومة القديمة، وهذا يمنحها فرصة تاريخية، لكنه يضع عليها عبئاً مضاعفاً، وهو إثبات أنها ليست مجرد استبدال سلطة بسلطة أخرى، بل بداية دولة مختلفة.

والمفارقة أن هذا العبء المزدوج هو ما يجعل التحليل الاستراتيجي ضرورياً، فالسلطة التي لا تُختبر إلا بخطابها، لا يمكن الحكم عليها إلا بأفعالها.. والسلطة التي تَعِدُ بالدولة، لا يمكن محاسبتها إلا بمؤشرات بناء الدولة.

هناك ثلاث فجوات استراتيجية:

الفجوة الأولى، فجوة السيادة:

على صعيد الأرض والسيادة، تم توثيق أكثر من 1229 توغلاً للكيان الصهيوني المحتل داخل الأراضي السورية منذ سقوط الأسد وحتى أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026، تركزت في القنيطرة ودرعا وريف دمشق.

ومركز إيتانا سجّل نحو 3200 عملية برية إسرائيلية حتى أيلول/سبتمبر 2026، منها 1996 عملية في عام 2026 وحده، وسجّل أيلول أعلى رقم شهري بـ361 عملية.

ويؤكد مشروع بيانات مواقع الصراع المسلح (ACLED) تصاعد العنف ضد المدنيين، مع أعمال تحصين وتجريف أراضٍ زراعية واعتقالات.

هذه الانتهاكات إعادة رسم لخطوط السيطرة على الأرض، وتهديد مباشر لأي مشروع سيادي، فإسرائيل تختبر قدرة المجتمع الدولي على الاكتراث، وقدرة الحكومة الانتقالية على تحويل السيادة من شعار إلى واقع.

الفجوة الثانية، فجوة الشرعية الاجتماعية:

على صعيد الشعب، لا يزال نحو 5.54 مليون نازح داخلي حسب بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حتى 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، رغم عودة أكثر من مليوني نازح منذ نهاية 2024.

والتضخم عاد للارتفاع، ورفع أسعار المحروقات في أيلول/سبتمبر أشعل موجة احتجاجات واسعة، خاصة في الشمال والشرق.
والفقر لا يزال يطال غالبية السكان، والبطالة مرتفعة، ومشاركة المرأة في سوق العمل ضعيفة.

هذه الأرقام تصف أزمة شرعية ظاهرة، فالحكومة التي لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من الخدمات والمعيشة، تفقد تدريجياً قدرتها على المطالبة بالصبر والتضحية، والاحتجاجات بحقيقتها تعبير عن فجوة بين خطاب التغيير وواقع الإنجاز.

الفجوة الثالثة، فجوة المؤسسات:

على صعيد السلطة، هناك خطوات ملموسة: تقدم في دمج قوات سوريا الديمقراطية، وتشكيل هيئات للعدالة الانتقالية، وانفتاح دبلوماسي مع واشنطن ودول عربية، واتفاق مع البنك الدولي لإنشاء صندوق متعدد المانحين لدعم التعافي.

لكن الشرعية الداخلية لا تُبنى بالاجتماعات الخارجية وحدها. الاحتجاجات المتكررة على الأوضاع المعيشية، والتوترات في مناطق معينة، تشير إلى فجوة بين الخطاب والإنجاز.

والمشكلة أن المؤسسات الانتقالية، بطبيعتها، هشة.

فهي لا تملك الشرعية الكاملة، ولا القدرات الكافية، ولا الوقت اللازم.

وإذا لم تتحول بسرعة إلى مؤسسات دائمة، فإنها تتحول إلى مجرد واجهات لإدارة الأزمة، لا أدوات لحلها.

على أن الخطر الأكبر ليس في التوغلات الإسرائيلية وحدها، رغم خطورتها، بل في احتمال أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى إدارة للأزمة بدل حلها.

وهنا يعلمنا التاريخ أن السلطات التي تفشل في حماية أرضها تفقد شرعيتها تدريجياً، مهما كانت نواياها.

والسلطات التي تؤجل العدالة الاجتماعية تحت شعار الأولوية للاستقرار، تعيد إنتاج أسباب الثورة.

والتحليل الاستراتيجي يقول إن إسرائيل تستغل فراغ القوة وغياب الردع لفرض أمر واقع في الجنوب، خاصة مع اقتراب انتخاباتها.
أما على المستوى الداخلي، فإن التأخر في بناء مؤسسات شاملة وشفافة يفتح الباب أمام عودة الولاءات الفرعية والطائفية والجهوية.

وهنا يبرز رابط تحليلي مهم: الفجوة بين السيادة والشرعية ليست فجوتين منفصلتين، بل فجوة واحدة.

فالدولة التي لا تستطيع حماية أرضها، تفقد قدرتها على حماية مواطنيها.

والدولة التي لا تستطيع تأمين الخدمات، تفقد قدرتها على المطالبة بالولاء.

وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة، هي أن ضعف السيادة يؤدي إلى ضعف الشرعية، وضعف الشرعية يؤدي إلى ضعف القدرة على بناء السيادة.

وإذا استمرت الوتيرة الحالية دون تغيير جوهري، فإن السيناريوهات المحتملة خلال العامين المقبلين تتراوح بين:

أولا ً، سيناريو التعافي الجزئي: نجاح جزئي في جذب استثمارات خليجية ودولية عبر الصندوق متعدد المانحين، وتحسن نسبي في الخدمات، مع استمرار التوغلات الإسرائيلية كأمر واقع محدود.

هذا السيناريو يحافظ على استقرار هش لكنه لا يبني دولة قوية.

ثانياً، سيناريو التآكل: تفاقم الضغوط المعيشية مع استمرار الانتهاكات الحدودية، مما يغذي احتجاجات أوسع ويضعف الشرعية الانتقالية. هنا يصبح خطر الانقسام الداخلي أكبر.

ثالثاً، سيناريو النهوض الحقيقي: يتطلب قرارات جريئة، سياسة سيادية واضحة تجاه الجنوب تعتمد على الدبلوماسية المدعومة بالقوة الناعمة والصلبة معاً، وعدالة انتقالية جادة لا انتقامية، وإصلاح اقتصادي يركز على الإنتاج لا الاستهلاك، ومشاركة حقيقية لكل المكونات في بناء الدستور والمؤسسات.

والسيناريو الثالث ليس مستحيلاً، لكنه مشروط. فهو يحتاج إلى إرادة سياسية، وتمويل مستدام، ودعم إقليمي، ومشاركة شعبية. وبدون هذه الشروط، سيبقى حلماً.

انطلاقاً من هذا التحليل، يمكن اقتراح خمس توصيات:

أولاً: ربط السيادة بالتنمية، فلا يمكن الدفاع عن الأرض دون بناء القدرات الاقتصادية والعسكرية، والمطلوب استراتيجية سيادية واضحة، تجمع بين الدبلوماسية والردع، وبين التنمية وحماية الحدود.

ثانياً: بناء مؤسسات دائمة، لا انتقالية فقط، بمعنى أنه يجب أن تتحول الهيئات الانتقالية بسرعة إلى مؤسسات دائمة، لها صلاحيات واضحة، وموازنات محددة، وآليات مساءلة.

ثالثاً: معالجة الأزمة الاقتصادية كأولوية، لأنه لا يمكن بناء الشرعية على الخطابات، والمطلوب إصلاحات اقتصادية جريئة، تشمل تحرير السوق، ودعم الإنتاج، وحماية الفئات الأضعف.

رابعاً: إشراك جميع المكونات، فلا يمكن بناء دولة مواطنة دون مشاركة حقيقية لكل المكونات، بغض النظر عن انتماءاتها. والمطلوب حوار وطني شامل، لا مجرد لقاءات نخبوية.

خامساً: بناء تحالفات إقليمية ودولية، وأيضا لا يمكن لسورية أن تواجه التحديات وحدها. والمطلوب تحالفات استراتيجية، مع دول عربية وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة، لضمان الدعم السياسي والاقتصادي.

أخيراً، إن المستقبل لن يُحسم في العواصم الخارجية، بل في قدرة السوريين على تحويل لحظة التغيير إلى مشروع دولة.
والدولة التي تحتاجها سورية ليست دولة فصيل أو منطقة أو طائفة، بل دولة مواطنة تحمي أرضها، وتعيد بناء اقتصادها، وتضمن كرامة أبنائها.

والخيار أمامنا واضح: إما أن نكتب صفحة جديدة تستحق تضحيات السوريين، أو نعيد تدوير أخطاء الماضي تحت شعارات جديدة. التاريخ لن يرحم المترددين.

شاركها على:

اقرأ أيضا

حادثة الأدوية وعقاقير التخدير منتهية الصلاحية في مشفى الكسرة العام بريف دير الزور الغربي

تقرير جديد يكشف عن حادثة الأدوية وعقاقير التخدير منتهية الصلاحية في مشفى الكسرة العام بريف دير الزور الغربي.

27 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للتراث السمعي البصري

اليوم العالمي للتراث السمعي البصري ودوره في حفظ التسجيلات الصوتية والمرئية كجزء من تاريخنا الجماعي.

27 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع