قراءة نقدية في جهود مكافحة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في سورية

مقدمة:

في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أطلقت الأكاديمية السورية للإعلام، بالشراكة مع وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، حملة إعلامية تحت عنوان "الكلمة تبني"، تهدف إلى التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة، وتعزيز الممارسات المسؤولة في تداول المحتوى ونشره.

وتأتي الحملة ضمن مشروع "تعزيز القدرات الوطنية الإعلامية لمواجهة خطاب الكراهية وبناء السلام في سورية".
في ظاهرها، تبدو هذه الحملة خطوة وطنية ضرورية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل تكفي حملة توعوية لمواجهة ظاهرة تفاقمت حتى أودت بحياة الآلاف، وتغلغلت في نسيج المجتمع السوري؟.
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من قراءة حجم الظاهرة، وتحليل جذورها، وتقييم مدى كفاية الاستجابة الرسمية لها.

حجم الظاهرة:

  1. خطاب الكراهية:
    لقد بلغ عدد المدنيين الذين قتلوا برصاص طائفي منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى عام 2026 4,140 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، سقط القسم الأكبر منهم في مجازر الساحل السوري وأحداث السويداء.
    وقد سجل عام 2025 وحده 1,201 حالة قتل، بينهم 23 طفلاً و41 سيدة، في عمليات تصفية وانتقام.
    أما هجمات السادس من آذار/مارس فقد تم توثيق مقتل 1,683 مدنياً في الساحل السوري والمناطق الجبلية حتى 24 تشرين الثاني، ضمن 63 مجزرة موثقة.
    تكشق هذه الأرقام عن وظيفة خطاب الكراهية في تأجيج هذا العنف رغم جهود المصلحين وكثير من قيادة المرحلة الانتقالية، فوفقاً لتقرير صادر عن "تحالف الصحفيات" في تموز/يوليو 2026، استند إلى تحليل 64 حالة موثقة خلال حزيران/يونيو 2026، 40 حالة تضمنت خطاب كراهية طائفياً استهدفت جماعات محددة، مقابل 25 حالة شملت خطاباً موجهاً ضد النساء (استهدفت 11 منها النساء بشكل مباشر)، فيما احتوت 17 حالة على تحريض مباشر أو غير مباشر على العنف.
  2. المعلومات المضللة:
    لم تكن المعلومات المضللة أقل خطورة من خطاب الكراهية.
    فوفقاً لتحقيق استقصائي أجرته BBC عربي، نُشر في أيار/مايو 2025، رصد الفريق أكثر من مليوني منشور مرتبط بالأحداث في سورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، وقام بتحليل عينة تشمل أكثر من 400 ألف منشور على منصة "إكس".
    وبعد فحص 50 ألف منشور تحتوي على ادعاءات كاذبة أو غير موثوقة ضد الإدارة السورية الجديدة، تبيّن أن 60% من هذه المنشورات صادرة عن حسابات حددت أدوات التحليل موقعها الجغرافي خارج سورية، خاصة في العراق واليمن ولبنان وإيران.
    وتشير دراسة نُشرت في معهد دمشق للدراسات إلى أن 14% من الخطاب المتداول في الفضاء الرقمي السوري بعد كانون الأول/ديسمبر 2024 كان خطاباً عنيفاً هداماً، موزعاً بين الخطاب الاستقطابي (38.9%)، وخطاب الإبادة (19.6%)، والكراهية المحيّزة للعنف (15.8%)، والتحريض (7.9%).
  3. جذور الظاهرة:
    لم ينشأ خطاب الكراهية من فراغ، فخمسة عقود من حكم نظام الأسد أنتجت ما يمكن تسميته "ثقافة الاستقطاب" ، حيث كان الخطاب الرسمي يقوم على تقسيم المجتمع إلى "موالين" و"خونة".
    وقد زرعت هذه الثقافة بذور الانقسام في الوعي الجمعي، حتى بات خطاب الكراهية بعد سقوط النظام تصعيداً لإرث قديم، وليس ظاهرة جديدة.
    ويؤكد تقرير صادر عن "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" ، نُشر في أيار/مايو 2025، أن "الانتشار الواسع للمعلومات المضللة ونظريات المؤامرة لعب دوراً مركزياً" في المجازر التي وقعت في الساحل السوري في آذار/مارس 2025، موصياً السلطات الانتقالية بـ"الإسراع في سنّ تشريعات واضحة تُجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي".

تقييم حملة "الكلمة تبني":

  1. الإطار المؤسسي والشراكات:
    تتميز الحملة بشراكة بين الأكاديمية السورية للإعلام، ووزارة الإعلام، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) .
    يمنح هذا الإطار المؤسسي الحملة شرعية ويوفر خبرات دولية.
    وتستهدف الحملة جميع المحافظات السورية الأربع عشرة، عبر قنوات متعددة تشمل وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون والإذاعة، والصحافة، والإعلانات الخارجية، والرسائل النصية.
  2. غياب الإطار القانوني:
    أبرز ثغرة في الحملة هي غياب إطار قانوني ملزم، فلا يوجد حتى الآن قانون سوري يجرم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، رغم أن "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" أوصت الحكومة الانتقالية بـ"الإسراع في سن تشريعات واضحة تجرم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي".
    وحملة توعوية دون إطار قانوني رادع تشبه من يبني سداً من الرمل أمام فيضان.
  3. هل تكفي حملة توعوية؟:
    للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستناد إلى نظرية "الوقاية المتعددة المستويات" في علم الصحة العامة، التي تؤكد أن مواجهة الظواهر المعقدة تتطلب تدخلات على ثلاثة مستويات: الوقاية الأولية (منع الظاهرة قبل حدوثها)، والوقاية الثانوية (الكشف المبكر والتدخل السريع)، والوقاية الثالثية (معالجة الآثار والوقاية من التكرار).
    بتطبيق هذا الإطار على خطاب الكراهية، نجد أن حملة "الكلمة تبني" تمثل وقاية أولية فقط (توعية)، بينما تفتقر سورية إلى وقاية ثانوية (آليات رصد وتدخل سريع لمنع تحول خطاب الكراهية إلى عنف)، ووقاية ثالثية (محاسبة مرتكبي جرائم الكراهية، وجبر ضرر الضحايا، وإعادة تأهيل المجتمعات المتضررة).

نحو استراتيجية وطنية متكاملة:

انطلاقاً من هذا التحليل، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إقرار قانون لتجريم خطاب الكراهية والتحريض، حيث يجب على مجلس الشعب الإسراع في سن تشريع واضح يجرم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والمناطقي، ويحدد العقوبات، وآليات الملاحقة، وضمانات حرية التعبير المسؤولة.

ثانياً: إنشاء هيئة وطنية لمكافحة خطاب الكراهية، مستقلة تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني والخبراء، تتولى رصد خطاب الكراهية، وتحليل اتجاهاته، وتقديم توصيات للسياسات، ودعم الضحايا.

ثالثاً: إنشاء نظام وطني للرصد المبكر لخطاب الكراهية، يتضمن فرقاً متخصصة في تحليل المحتوى الرقمي، وآليات للتدخل السريع لمنع تحول الخطاب إلى عنف.

رابعاً: أن تكون منظمات المجتمع المدني شريكة في تصميم وتنفيذ ومراقبة أي استراتيجية وطنية لمكافحة خطاب الكراهية.
خامساً: إدماج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية، لتمكين الأجيال الجديدة من التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وفهم مخاطر خطاب الكراهية.

خاتمة:

تمثل حملة "الكلمة تبني" خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها خطوة غير كافية.
فخطاب الكراهية في سورية هو إرث بنيوي للاستبداد، وسلاح في صراع إقليمي، ووقود لعنف أودى بحياة الآلاف.
ومواجهته تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة، تجمع بين الوقاية (التوعية والتربية)، والردع (القانون والمحاسبة)، والإنصاف (جبر الضرر والمصالحة).
إن الكلمة قد تبني، لكنها قد تقتل أيضاً.
ومن حق السوريين، الذين عانوا ويلات الحرب والانقسام، أن يعيشوا في فضاء عام لا تُستخدم فيه الكلمة سلاحاً للكراهية، بل جسراً للتفاهم والبناء.

المراجع:

  1. الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). (2026، 6 تشرين الأول). "الكلمة تبني".. حملة إعلامية للتوعية بمخاطر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة. https://sana.sy/press/2598923/
  2. تلفزيون سوريا. (2026، 6 تشرين الأول). "الكلمة تبني".. حملة لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في سوريا. https://www.syria.tv/
  3. تحالف الصحفيات. (2026، 24 تموز). 3 سرديات تغذي خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوري. https://7al.net/
  4. معهد دمشق للدراسات. (2025، تشرين الثاني). تحولات العنف الرقمي وخطاب الكراهية في السياق السوري: تحليل سردي سلوكي وتقني. https://damascusinstitute.org/
  5. BBC News عربي. (2025، 11 أيار). تحقيق لبي بي سي يكشف عن شبكات خارجية تغذّي الطائفية وخطاب الكراهية في سوريا. https://www.bbc.com/arabic/
  6. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. (2025، 27 أيار). سوريا: دور خطاب الكراهية في المجازر التي شهدها الساحل في آذار/مارس 2025. https://stj-sy.org/

شاركها على:

اقرأ أيضا

أزمة البنزين الرديء

أزمة البنزين الرديء في دمشق وتأثيراتها على السائقين والمركبات الحديثة.

7 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للقطن

أهمية اليوم العالمي للقطن وتأثيره على المزارعين وسبل العيش حول العالم.

7 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع