استراتيجية الحكومة السورية تجاه توغلات الكيان الصهيوني المحتل

مقدمة:

في مشهد يتكرر شبه يومياً على امتداد الجنوب السوري، تتوغل آليات عسكرية تابعة للكيان الصهيوني المحتل في قرى القنيطرة ودرعا وريف دمشق، فتدهم منازل المدنيين، وتنصب حواجز عسكرية، وتعتقل شباباً ورعاة أغنام، وتجرف أراضي زراعية، وتمارس ما وصفته لجنة التحقيق الدولية المستقلة بأنه قد "يرقى إلى جرائم حرب".

وبينما يستمر هذا التصعيد الميداني، تختار الحكومة السورية الانتقالية مساراً دبلوماسياً يقوم على التفاوض غير المباشر برعاية أميركية، مؤكدة أن "سورية اختارت طريق الحوار".

يطرح هذا التباين الصارخ بين النشاط الميداني الإسرائيلي المكثف والحركة الدبلوماسية الحكومية؛ يطرح سؤالاً جوهرياً:
إلى متى يمكن للدبلوماسية أن تظل الخيار الوحيد، في ظل استمرار الانتهاكات اليومية التي تمس كرامة المواطن السوري وتنتهك سيادة الدولة؟
وإذا فشل المسار الدبلوماسي، هل تملك الحكومة الانتقالية بديلاً؟
وما هي المخاطر التي تهدد الاستقرار الداخلي إذا استمر هذا الوضع؟

حجم انتهاكات الكيان الصهيوني المحتل في الجنوب السوري:

تشير البيانات الموثقة إلى أرقام مقلقة تعكس تصاعداً مستمراً في العمليات الإسرائيلية.
فقد تم توثيق 1,068 توغلاً إسرائيلياً في الأراضي السورية منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى 19 أيلول/سبتمبر 2026.
وفي عام 2026 وحده، تم توثيق 594 توغلاً حتى منتصف أيلول/سبتمبر، وهو ما يعني بمعدل يزيد عن توغلين يومياً.

وتكشف البيانات الشهرية عن تصاعد مطرد في وتيرة العمليات، فمن 51 توغلاً في كانون الثاني/يناير، إلى 95 توغلاً في آب/أغسطس 2026. ووثّق مركز "سجل" 280 انتهاكاً في أيلول/سبتمبر 2026 وحده، بزيادة 5% عن آب/أغسطس الذي سجل 267 انتهاكاً، وبذلك ارتفع إجمالي الانتهاكات الموثقة منذ بداية العام إلى 2,032 انتهاكاً.

وتتصدر محافظة القنيطرة قائمة المناطق الأكثر تعرضاً للانتهاكات بـ 192 انتهاكاً في أيلول/سبتمبر وحده، تلتها درعا بـ 67 انتهاكاً، ثم ريف دمشق بـ 21 انتهاكاً.
وقد شملت العمليات الإسرائيلية مناطق جديدة في ريف دمشق الغربي، بينها محيط شلالات بيت جن ومرتفع حربون وقرية قلعة جندل قرب جبل الشيخ.

وتكشف تحليلات ACLED أن الكيان الصهيوني المحتل أنشأ تسعة قواعد ونقاط عسكرية في جنوب غرب سورية، تمتد من جبل الشيخ إلى درعا والقنيطرة، بما في ذلك أربع قواعد خارج المنطقة العازلة.
وفي أيار/مايو 2026 وحده، نفذت القوات الإسرائيلية 84 توغلاً برياً في جنوب سورية.

لكن الأهم من الأرقام هو طبيعة العمليات، التي تشير إلى تحول من منطق "الردع المؤقت" إلى "الهندسة الدائمة".
فبحسب تحليل ACLED، تُستخدم مبيدات أعشاب لإخلاء المزارعين من أراضيهم وتحويل منطقة زراعية منتجة إلى ممر عسكري مخصص لمناورات القوات والاستطلاع.

وهذا يشير إلى استراتيجية إسرائيلية واضحة لـ"إعادة رسم خطوط السلطة والتحكم المكاني في المنطقة الحدودية".

استراتيجية الدبلوماسية الحكومية:

تؤكد الحكومة السورية الانتقالية باستمرار أن خيارها الدبلوماسي هو استراتيجية واعية، وليس استسلاماً.
فقد صرح الرئيس أحمد الشرع في أيلول/سبتمبر 2026 أن المفاوضات مع الكيان الصهيوني "وصلت إلى 90% من الاتفاقات" قبل أن يتراجع الكيان الصهيوني "لأسباب مختلفة".

وأكد أن سورية "لا تزال تختار الدبلوماسية وحل المشكلة بالحوار والمفاوضات".
وحدد المطالب السورية بوضوح: انسحاب الكيان الصهيوني إلى خطوط عام 1974، ووقف الانتهاكات، والالتزام بضمانات السيادة.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات جوهرية، تتمثل بـ:

أولاً، الكيان الصهيوني يرفض الانسحاب من المنطقة العازلة، التي يصفها بأنها "أصل أمني" لا يمكن التخلي عنه.

وثانياً، الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط لا يبدو مطروحاً في الأفق المنظور، إذ يشترط المسؤولون الإسرائيليون استمرار الوجود العسكري "طالما بقيت التهديدات الجهادية".

وثالثاً، تفتقر سورية إلى أدوات ضغط ملموسة على إسرائيل، خصوصاً في ظل غياب أي قدرة عسكرية متكافئة، واستمرار اعتمادها على الدعم الأميركي.

والأخطر من ذلك، أن هذه الاستراتيجية الدبلوماسية تتعرض لانتقادات متزايدة من الشارع السوري.
فتشير استطلاعات الرأي لـ ACRPS إلى أن 74% من السوريين يرفضون الاعتراف بالكيان الصهيوني, و88% يرونها تهديداً مباشراً لأمن واستقرار سورية. وتكشف البيانات عن فجوة واضحة بين المزاج الشعبي الرافض للتوغلات، والمسار السياسي الذي تتبعه الحكومة.

التوتر التركي-الإسرائيلي:

لم يعد المشهد السوري محصوراً في ثنائية الحكومة السورية وإسرائيل، بل دخل لاعب جديد بقوة، وهي تركيا.
فقد شهد آب/أغسطس 2026 تصعيداً غير مسبوق بين أنقرة وتل أبيب، تمثل في الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، والتي استهدفت مدرج المطار ومرافقه.

وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل حذّرت سورية قبل الضربة من عدم السماح بوجود تركي في القاعدة.
ويبدو أن هذه الضربة قد تشكل نقطة تحول دفعت العلاقات الإسرائيلية-التركية نحو مسار عسكري متطور.

فقد أصبحت تركيا أحد الحلفاء الرئيسيين للرئيس السوري أحمد الشرع وتقدم الدعم العسكري والدبلوماسي، وتدريب الجيش السوري، والمساعدة في إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وقد وقعت أنقرة اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان والسعودية في آب/أغسطس 2026، مما يعزز موقعها الإقليمي.

ويشير المبعوث الأميركي توماس باراك إلى أن الضربة الإسرائيلية "عكست تصوراً – سواء كان دقيقاً أو في غير محله – بأن تركيا قد تزيد وجودها في تلك القاعدة في المستقبل القريب".
ولهذا، تعمل واشنطن على إنشاء آلية لمنع التضارب بين إسرائيل وتركيا سورية، لمنع أي مواجهة غير مقصودة.

وتكشف تحليلات معهد واشنطن أن "إسرائيل قد تعتقد أن الوضع المتوتر الحالي مستدام، لكن واشنطن تشعر بالإحباط بسبب تداعياته المحتملة على التطبيع العربي، والاحتكاك العسكري التركي، والخطط الاقتصادية قصيرة المدى".
وهذا يعني أن الموقف التركي أصبح عاملاً حاسماً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وأن أي استراتيجية سورية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذا المتغير الإقليمي.

مخاطر انفجار الغضب الشعبي:

يمثل استمرار التوغلات الإسرائيلية، دون رد رسمي ملموس، خطراً حقيقياً على الاستقرار الداخلي.
فالشعور بالذل والقهر الذي يعبر عنه السوريون في الجنوب هو وقود محتمل لانفجار اجتماعي.
وفي هذا السياق، يمكن الاستناد إلى نظرية "الحرمان النسبي" التي طورها عالم النفس الاجتماعي تيد غار، والتي تفسر كيف ينشأ الغضب الجماعي عندما يشعر الناس بفجوة بين ما يعتقدون أنهم يستحقونه وما يحصلون عليه فعلاً.

فالسوريون في الجنوب يرون أن كرامتهم وسيادتهم تُنتهك يومياً، بينما يظل الرد الرسمي مقتصراً على البيانات الدبلوماسية.
وهذا التناقض بين التوقعات (الحماية السيادية) والواقع (التوغلات المستمرة) هو بالضبط ما تغذيه نظرية الحرمان النسبي كشرط للانفجار.
وقد برزت تقارير عن نواة مقاومة شعبية في الجنوب السوري، حيث أشارت تحليلات إلى "تحركات إسرائيلية ونواة مقاومة شعبية".
وإذا استمرت التوغلات دون أفق سياسي واضح، فإن هذه النواة قد تجد بيئة خصبة للنمو، خصوصاً في ظل غياب آليات رسمية فعالة لحماية المواطنين.
والخطر لا يقتصر على الجنوب.

فالفجوة بين الخطاب الرسمي الدبلوماسي والمشاعر الشعبية الرافضة يمكن أن تؤدي إلى انفجار ثوري عسكري ضد إسرائيل، قد يكون خارج سيطرة الحكومة.

وهذا السيناريو، إذا تحقق، سيجر سورية إلى مواجهة غير محسوبة، قد تتحول إلى حرب شاملة تدمر ما تبقى من البنية التحتية، وتقوض مسار التعافي الذي بدأ للتو.

سيناريوهات العلاقة بين الحكومة السورية والكيان الصهيوني المحتل:

السيناريو الأول، استمرار الدبلوماسية مع استمرار الانتهاكات (الوضع الراهن):
في هذا السيناريو، تستمر الحكومة في مسارها الدبلوماسي، بينما تواصل الكيان توغلاتها اليومية.
وتظل العلاقة في حالة "لا حرب ولا سلام"، مع تراكم الغضب الشعبي، وتآكل شرعية الحكومة الداخلية.
هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، لكنه غير مستدام على المدى الطويل.
وتشير تحليلات معهد واشنطن إلى أن "إسرائيل قد تعتقد أن الوضع المتوتر الحالي مستدام"، لكن واشنطن "تشعر بالإحباط" من تداعياته.

السيناريو الثاني، اتفاق أمني مع انسحاب مشروط:
إذا نجحت الوساطة الأميركية في إقناع الكيان بالانسحاب من المناطق التي توغلت فيها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مقابل ضمانات أمنية سورية، فقد يدخل الطرفان في مرحلة جديدة من العلاقات.
وقد أشار تقرير لمعهد واشنطن إلى أن "إنهاء اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل" هو أحد التحديات الرئيسية.
لكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال حالياً، في ظل رفض الكيان الانسحاب من "المنطقة العازلة" التي تصفها بأنها "أصل أمني".

السيناريو الثالث، الانفجار الشعبي والمواجهة:
إذا استمرت التوغلات دون أفق سياسي، فقد يشهد الجنوب السوري انفجاراً شعبياً، تتشكل فيه مجموعات مسلحة محلية لمواجهة التوغلات.
وهذا السيناريو قد يجر سورية إلى مواجهة غير متكافئة مع الكيان الصهيوني، تتحمل فيها البلاد خسائر فادحة.
وتشير تحليلات مراكز البحث إلى أن إسرائيل تفضل إبقاء الوضع في حالة "لا حرب ولا سلام"، لأن هذا يمنحها حرية العمل العسكري دون تكاليف سياسية.

السيناريو الرابع، انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى المواجهة:
في حال فشل المسار الدبلوماسي تماماً، قد تجد الحكومة السورية نفسها مضطرة للعودة إلى خيار المواجهة، أو على الأقل التلويح به.
وهذا السيناريو سيعيد سورية إلى مربع الصراع، ويعطل مسار التعافي، ويضعف الثقة الدولية بالحكومة الانتقالية.

توصيات:

انطلاقاً من التحليل السابق، واستناداً إلى تقييمات مراكز البحث الدولية (معهد واشنطن، كارنيغي، ACLED..)، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

للحكومة السورية: تعزيز الموقف التفاوضي.
على الحكومة السورية أن تدرك أن الاستمرار في الدبلوماسية دون أدوات ضغط قد يتحول إلى استسلام تدريجي.
ولهذا، يجب:

  • توسيع قاعدة الدعم الدولي، عبر الاستفادة من مواقف الاتحاد الأوروبي، الذي جدد رفضه للسيادة الإسرائيلية على الجولان، ومن الدعم العربي الموحد لتعزيز الموقف السوري.
  • تثبيت المطالب السيادية، و التأكيد على أن أي اتفاق أمني يجب أن يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من المناطق التي توغلت فيها بعد ديسمبر 2024، والعودة إلى اتفاقية 1974.
  • الاستثمار في القدرات الدفاعية الذاتية، و تطوير قدرات الجيش السوري، بالتعاون مع تركيا والدول العربية، ليكون قادراً على حماية الحدود في حال انهار المسار الدبلوماسي.
    وقد وقعت أنقرة اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان والسعودية، مما يفتح المجال لتعاون دفاعي أوسع.

للقوى الإقليمية والدولية: ضغط حقيقي على الكيان الصهيوني المحتل.
على الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية أن تدرك أن استمرار توغلات الكيان يهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله. ويجب:

  • ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل بدلاً من الاكتفاء بالوساطة، ويجب ربط أي دعم لإسرائيل بوقف الانتهاكات والالتزام بالانسحاب.
  • وقد أشار باراك إلى أن "الأولوية الآن هي خفض التوترات وإتاحة المجال لنهج أكثر اتزاناً".
  • تفعيل آلية منع التضارب: دعم الجهود الأميركية لإنشاء آلية اتصال بين الكيان الصهيوني المحتل وتركيا سورية لمنع أي مواجهة غير مقصودة.
  • دعم الحكومة السورية: تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لتعزيز قدرة الحكومة على بسط سلطتها وحماية مواطنيها.

للمجتمع المدني: دور في حماية المدنيين.
على منظمات المجتمع المدني السورية أن توثق الانتهاكات، وتدعم الضحايا، وتطالب بالمساءلة، دون الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة.

للحكومة السورية: إدارة الغضب الشعبي.
يجب على الحكومة أن تدرك أن صمت الشارع ليس رضا، بل انتظار.
ولهذا، يجب:

  • توفير قنوات للتعبير السلمي، فبدلاً من قمع الغضب، يجب توجيهه نحو مسارات سياسية سلمية.
  • إشراك المجتمع في القرار، و إطلاع الرأي العام على تطورات المفاوضات، وشرح الاستراتيجية الدبلوماسية، لضمان الدعم الشعبي.
  • الاستعداد لسيناريو الانفجار ووضع خطط طارئة للتعامل مع أي تصعيد شعبي، بحيث لا يتحول إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة.

خاتمة:

إن استراتيجية الدبلوماسية التي تتبعها الحكومة السورية الانتقالية تجاه توغلات الكيان الصهيوني المحتل تمثل خياراً عقلانياً في ظل غياب أي بديل عسكري متكافئ.

لكن هذه الاستراتيجية، إذا استمرت دون نتائج ملموسة، فإنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تتجلى بـ تآكل شرعية الحكومة، وتصاعد الغضب الشعبي، واحتمال انفجار غير محسوب.

إن الشعب السوري، الذي تحمل ويلات الحرب لعقد ونيف، يستحق أن يرى أفقاً سياسياً واضحاً، لا أن يظل رهينة لتوغلات يومية ووعود دبلوماسية معلقة.

وعلى الحكومة السورية أن توازن بين ضرورة الحفاظ على المسار الدبلوماسي، وحتمية حماية مواطنيها وصون كرامتهم.
وإذا فشل المسار الدبلوماسي، فإن السؤال الذي يجب أن يكون حاضراً: ما هو البديل؟.

ولا ينبغي أن يكون الجواب الوحيد هو الاستمرار في الصمت.
إن حماية السيادة السورية واجب وطني وأخلاقي.
والاستمرار في غض الطرف عن الانتهاكات اليومية لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية، لا يريدها لا السوريون ولا المجتمع الدولي.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تكرار استهداف المقرات الحكومية السورية

انفجارات مطار تفتناز العسكري تسلط الضوء على تكرار استهداف المقرات الحكومية وأثر ذلك على الأمن الوطني.

3 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

مظاهرات الحسكة

تحت شعار جمعة فرض السيادة. تجمع الآلاف للمطالبة بالوحدة والسيادة.

3 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع