“المجتمع الدولي خذل سوريا اليوم كما خذلها على مدى 14 عاماً… لم يُعقد حتى الآن مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا… سوريا تحتاج إلى نحو 300 مليار دولار لإعادة الإعمار… وخطة الحكومة تقوم على إعادة الإعمار من خلال الاستثمار" -من تصريحات وزير إدارة الطوارئ والكوارث رائد الصالح لقناة الحرة
تضع هذه التصريحات المشكلة في إطار مباشر: سوريا تحتاج إلى أموال هائلة، والمجتمع الدولي لا يقدم ما يكفي. لكن تفسير تأخر إعادة الإعمار بالـ”خذلان” الخارجي وحده لا يشرح لماذا لم يتحول الانفتاح السياسي على سوريا الجديدة إلى برنامج دولي ضخم ومستدام. فالسؤال ليس فقط: لماذا لا يدفع العالم؟ بل أيضاً: هل تملك الدولة السورية الخطة والمؤسسات والقواعد التي تسمح باستقبال مئات المليارات وإدارتها بكفاءة؟
وحجم التحدي هائل بالفعل. فبحسب تقدير البنك الدولي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تبلغ الكلفة المقدرة لإعادة بناء الأصول المادية المتضررة نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق بين 140 و345 مليار دولار. لذلك فإن الحديث لا يتعلق بحزمة مشاريع منفردة، بل بإعادة بناء اقتصاد وبنية تحتية ومؤسسات على مستوى بلد كامل.
أولاً: من “دعم السوريين” إلى التعامل مع الدولة السورية
لا يجوز قراءة أموال مؤتمرات بروكسل في عهد الأسد باعتبارها تمويلاً للدولة السورية أو ثقةً ببنيتها المؤسساتية. فقد كان مؤتمر بروكسل السابع عام 2023 ومؤتمر بروكسل الثامن عام 2024 موجّهين أساساً لتلبية احتياجات السوريين داخل البلاد، ودعم اللاجئين والدول والمجتمعات المضيفة عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، في وقت بقي فيه النظام معزولاً سياسياً أوروبياً وبقي تمويل إعادة الإعمار الشامل خارج إطار التعاون معه.
بعد سقوط الأسد تغيّر الإطار السياسي. ففي مؤتمر بروكسل التاسع في 17 مارس/آذار 2025 شاركت الحكومة الانتقالية ووزير الخارجية أسعد الشيباني في أول حضور رسمي للحكومة السورية في هذه السلسلة، وتحوّل عنوان المؤتمر إلى “الوقوف مع سوريا: تلبية احتياجات انتقال ناجح”. ومع ذلك لم تظهر قفزة تمويلية باتجاه إعادة الإعمار: بلغت التعهدات الإجمالية في 2024 نحو 7.5 مليارات يورو، وفي 2025 نحو 5.8 مليارات، بقيت مزيجاً من الاحتياجات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي داخل سوريا وفي دول الجوار، لا صندوقاً دولياً شاملاً لإعادة الإعمار، كما يظهر في بيان التعهدات المالي الرسمي لعام 2025.
وفوق ذلك استمر الضغط على التمويل الإنساني نفسه. ففي مايو/أيار 2026 أعلن برنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50 بالمئة بسبب نقص التمويل. وهذا يثبت أن تعب المانحين وتعدد الأزمات وضغط الميزانيات جزء حقيقي من الصورة، لكنه لا يفسر وحده غياب آلية واسعة لإعادة الإعمار.
ثانياً: بعد سقوط الأسد تغيّر السؤال
في عهد الأسد كان العائق السياسي سابقاً على العائق المؤسساتي: الدول الغربية لم تكن أصلاً مستعدة لتمويل إعادة إعمار تقودها تلك السلطة. أما بعد التغيير والانفتاح على دمشق، فأصبح السؤال أكثر مباشرة: هل تملك الدولة الجديدة مؤسسات وخطة وقواعد تسمح بإدارة تدفقات مالية ضخمة بكفاءة وشفافية؟
هذا ليس شرطاً خاصاً بسوريا. فمنذ التسعينيات ربطت مؤسسات التمويل والمساعدات بصورة متزايدة بين الدعم وبين “الملكية الوطنية” والنتائج والقدرة المؤسساتية. وينص إعلان باريس لفعالية المساعدات على أن تقود الدول المستفيدة استراتيجياتها التنموية وأن تحولها إلى برامج مرتبة الأولويات وقابلة للمتابعة. وتدخل هنا “القدرة الاستيعابية”: قدرة المؤسسات والاقتصاد على استقبال الأموال وتنفيذ المشاريع ومراقبتها دون أن يتحول التدفق المالي إلى هدر أو فساد أو اختناقات.
ثالثاً: الأولويات ليست خريطة طريق متكاملة
من الإنصاف القول إن الحكومة السورية لم تبقَ بلا إطار معلن. ففي مارس/آذار 2026 أصدرت “بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي”، وأُطلق رسمياً في 2 أبريل/نيسان، وحدد أربع مجالات عامة للتعافي: استعادة البنية التحتية الحيوية، واستئناف الخدمات الأساسية، وتعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات العامة، بالتوازي مع إزالة الألغام ومخلفات الحرب.
لكن هذا الإطار جاء بعد نحو خمسة عشر شهراً من سقوط النظام السابق، وبعد أكثر من عام من مؤتمر بروكسل 2025 الذي كانت فيه مسألة التعافي مطروحة رسمياً. والأهم أن تحديد اتجاهات عامة لا يساوي خريطة طريق تنفيذية لإعادة إعمار بلد بحجم سوريا؛ فالخطة المتكاملة تحتاج إلى تقدير محدث للأضرار، وترتيب قطاعي وجغرافي للمشاريع، ومراحل زمنية، وكلف ومصادر تمويل، ومسؤوليات واضحة، وإطار قانوني، ومؤشرات قياس ومراجعة ومساءلة.
بل إن مسؤولاً في إدارة التعاون الدولي بوزارة الخارجية قال في مايو/أيار 2026، خلال اجتماع مع ممثلي 23 دولة مانحة، إن العديد من المشاريع ما زالت صغيرة ومجزأة وغير مرتبطة باستراتيجية وطنية شاملة للتعافي. وهذه العبارة تميّز بوضوح بين وجود “أولويات” وبين وجود استراتيجية وطنية تجمع المشاريع والتمويل والتنفيذ في مسار واحد.
وفي مارس/آذار 2026 وافق البنك الدولي على مشروع لتعزيز إدارة المال العام والمشتريات الحكومية في سوريا، مشيراً إلى أن الأنظمة والعمليات المالية ما تزال تواجه تحديات كبيرة، وأن الإدارة المنضبطة والشفافة للمال العام ضرورية لبناء الثقة وتعبئة التمويل الخارجي. أي أن بناء المؤسسات لا ينبغي أن ينتظر انتهاء البناء المادي، بل يجب أن يسير معه منذ البداية.
كنت قد شرحت في ورقة ديسمبر/كانون الأول 2024 “إعادة الإعمار الاستراتيجي في سورية: تحويل التحديات إلى فرص” ما يعنيه إعداد خريطة طريق من هذا النوع: آفاق زمنية قصيرة ومتوسطة وبعيدة، قاعدة بيانات موحدة، سيناريوهات متعددة، وربط قطاعات الطاقة والمياه والنقل والسكن والخدمات الاجتماعية، ثم مقارنة البدائل وتحديد قيود التمويل ومراجعة النتائج دورياً. الورقة ليست خطة جاهزة لإعادة إعمار سوريا، بل شرح لمنهجية بناء الخطة كي لا تتحول الحاجات الطارئة إلى قرارات منفصلة بلا اتجاه طويل المدى.
رابعاً: القانون والثقة جزء من التمويل
إعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت ومحطات كهرباء. المشاريع طويلة العمر تحتاج وضوحاً في الملكية والتعويض والمشتريات والتحكيم والضرائب وعلاقة المستثمر بالدولة والمجتمع المحلي. وتظهر حساسية ذلك خصوصاً في السكن والأرض والملكية. ففي تقرير صدر في 27 سبتمبر/أيلول 2026 قالت هيومن رايتس ووتش إن بعض صفقات إعادة الإعمار تسبق اكتمال إطار حقوقي يضمن المشاركة والتعويض وآليات التظلم. لا يعني ذلك وجود فراغ قانوني كامل، لكنه يعني أن اليقين القانوني المطلوب لعملية إعمار واسعة ما يزال غير مكتمل.
خامساً: دروس من تجارب أخرى
التجارب الدولية لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها توضح لماذا يصر المانحون على التخطيط والمؤسسات. ففي أفغانستان أظهرت تقارير SIGAR حول دروس عشرين عاماً من إعادة الإعمار أن الإنفاق الذي تجاوز قدرة الدولة والاقتصاد على الاستيعاب ساهم في الهدر والفساد وضعف النتائج. وفي لبنان ارتبط تمويل مؤتمر “سيدر” عام 2018 بإصلاحات في الكهرباء والمالية العامة والحوكمة، وأكد صندوق النقد الدولي أن تنفيذ الإصلاحات كان ضرورياً لتحفيز الصرف، لكن تعثرها حال دون تحول التعهدات إلى برنامج استثماري بالحجم المعلن.
أما أوكرانيا، رغم أولويتها السياسية والأمنية الاستثنائية لدى أوروبا، فتقدم المثال المعاكس لفكرة “المال أولاً والخطة لاحقاً”. فمشروع دعم أوكرانيا Ukraine Facility يربط المدفوعات بتنفيذ “خطة أوكرانيا” وإصلاحات وأهداف محددة. أما تجربة رواندا فتفيد في جانب أكثر تحديداً: التنسيق الوطني للمساعدات وربطها بخطط الدولة. فقد وثقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انتقال تنسيق المساعدات في رواندا إلى قيادة حكومية تربط التمويل الخارجي بالأولويات الوطنية، بينما استمرت الدولة في تعزيز الإدارة المالية وتعبئة الإيرادات المحلية. الدرس هنا ليس أن رواندا “قضت على الفساد”، بل أن المساعدات والاستثمار عملا داخل إطار دولة تقود التخطيط وتبني أدواتها المالية والإدارية.
سادساً: هل يمكن إعادة بناء سوريا بالاستثمار الخارجي وحده؟
هنا تقع المشكلة الأوضح في عبارة أن “فلسفة الحكومة تقوم على إعادة الإعمار من خلال الاستثمار”. الاستثمار الخارجي ضروري لبلد يحتاج إلى مئات المليارات ولا تملك خزينته القدرة على تمويلها، لكنه ليس مرادفاً لتمويل إعادة الإعمار، ولا يستطيع أن يحل محل الدولة والتمويل العام والميسر.
السبب اقتصادي قبل أن يكون أيديولوجياً. رأس المال الخاص يبحث عن مشروع قادر على استرداد رأس المال وتحقيق عائد ضمن مستوى مقبول من المخاطر. لذلك تكون الطاقة والاتصالات والموانئ وبعض العقارات والصناعات أكثر جاذبية من مدرسة في قرية مدمرة، أو شبكة صرف صحي في منطقة فقيرة، أو مستشفى عام، أو طريق محلي بلا إيراد مباشر. قد تكون القيمة الاجتماعية لهذه المشاريع هائلة، لكن عائدها التجاري ضعيف أو بعيد الأجل.
حتى المؤسسات الدولية الأكثر تشجيعاً لمشاركة القطاع الخاص لا تطرحه بديلاً كاملاً عن الدولة. فمقاربة البنك الدولي المعروفة بـ Maximizing Finance for Development تقوم على جذب التمويل الخاص حيث يكون ذلك ممكناً ومستداماً، مع استخدام الموارد العامة حيث لا يكون الحل الخاص مناسباً. كما يرى صندوق النقد الدولي أن الاستثمار العام والخاص في البنية التحتية متكاملان لا بديلان أحدهما عن الآخر. وفي الدول الهشة، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المخاطر وضعف البيئة التنظيمية والمؤسسات والبنية التحتية نفسها تحد من قدرة رأس المال الخاص على سد فجوة التمويل.
وهذا هو جوهر ما ناقشته في ورقة “اقتصاد النيوليبرالية في أرض المحنّة السورية: كارثة يجب تجنبها”: المشكلة ليست في القطاع الخاص أو الاستثمار الأجنبي، بل في تحويلهما إلى بديل عن الدولة في لحظة تكون مؤسساتها في أضعف حالاتها. إعادة بناء سوريا تحتاج إلى مزيج من الإيرادات العامة، والمنح والتمويل الميسر، والاستثمارات العامة في البنية الأساسية والخدمات، والاستثمار الخاص المحلي والأجنبي والشراكات حيث تكون مجدية، ضمن خطة وطنية واحدة. أما ترك إعادة الإعمار لقانون الربحية وحده فسيوجه المال إلى أكثر القطاعات ربحاً لا إلى أكثر المناطق والقطاعات حاجة.
خلاصة القول
لا يمكن اختزال تعثر إعادة إعمار سوريا بفكرة “خذلان المجتمع الدولي”. فالتمويل الخارجي ما يزال دون حجم الكارثة، والمساعدات الإنسانية نفسها تعاني نقصاً حاداً، والدول المانحة تتحرك وفق مصالحها وأولوياتها وحساباتها السياسية. لكن هذا لا يعفي السلطة الانتقالية من مسؤوليتها عن الجزء الذي يقع داخل قدرتها: بناء المؤسسات، وإرساء قواعد واضحة، ووضع استراتيجية وطنية قابلة للتنفيذ، وتحديد كيف وأين وبأي ترتيب ستُستخدم الأموال عندما تصل.
لقد احتاجت الحكومة أكثر من عام لتطرح إطاراً عاماً لأولويات التعافي، وما زالت هذه الأولويات لم تتحول إلى خريطة طريق متكاملة تحدد المشاريع والكلف والمراحل الزمنية ومصادر التمويل والمسؤوليات وآليات الرقابة. كما أن الاعتماد على الاستثمار الخارجي بوصفه المحرك الأساسي لإعادة الإعمار لا يكفي لبناء بلد بحجم الدمار السوري؛ فالاستثمار الخاص يتجه بطبيعته إلى القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق العائد، بينما تحتاج إعادة بناء الدولة أيضاً إلى تمويل عام وتنموي طويل الأجل للبنية التحتية والخدمات والمناطق الأقل جاذبية لرأس المال.
لذلك فإن مسؤولية التأخر موزعة، لكنها ليست متماثلة. المجتمع الدولي مطالب بتمويل أكبر وأكثر استدامة، أما السلطة السورية فمطالبة بأن تجعل هذا التمويل ممكناً وقابلاً للاستخدام الفعّال، لا أن تنتظر وصوله أولاً ثم تبحث لاحقاً عن كيفية إنفاقه. فإعادة الإعمار لا تبدأ يوم تصل الأموال، بل تبدأ قبل ذلك ببناء الدولة القادرة على تحديد أولوياتها وإدارة مواردها ومحاسبة نفسها على النتائج.
وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السابق، يصبح استمرار إدارة الملفات بمنطق المبادرات المنفصلة والعقود المتفرقة أكثر خطورة. فكلما تأخرت الخطة الوطنية، ازداد احتمال أن تحدد المشاريع التي يعرضها المستثمرون وجهة إعادة الإعمار، بدلاً من أن تحدد الدولة أولاً ما تحتاجه سوريا ثم تبحث عن أفضل وسيلة لتمويله وتنفيذه.
وعندها لا يعود السؤال فقط: من خذل سوريا؟ بل أيضاً: هل قامت الدولة السورية بكل ما يلزم كي لا تُخذل مرة أخرى؟