ملخص تنفيذي:
يمثل سوق العمل السوري اليوم واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في مسار التعافي الوطني، فبينما تسجل المؤشرات الاقتصادية الكلية بعض التحسن، مع نمو قطاعي البناء والتشييد والتجارة، يظل سوق العمل عاجزاً عن مواكبة هذا التعافي، في مشهد يعكس انفصالاً خطيراً بين نمو القطاعات وإعادة توزيع منافع هذا النمو على القوى العاملة.
فمتوسط الأجر الشهري لا يتجاوز 200 دولاراً أميركياً، وسطيا، في حين تتجاوز تكلفة المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد في دمشق 660 دولاراً شهرياً، مما يخلق فجوة هائلة تدفع أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر.
ويعكس هذا المقال أبعاد الأزمة من خلال تحليل مؤشرات سوق العمل، وتستعرض نماذج من تجارب دول خرجت من صراعات، وتقدم رؤية استراتيجية للخروج من فخ الفقر نحو تعافٍ شامل ومستدام.
سوق العمل بين البطالة المقنعة والعمالة الهشة:
يكشف المشهد العمالي في سورية اليوم عن اختلالات هيكلية عميقة، تتجاوز مجرد ارتفاع معدلات البطالة إلى أزمات نوعية في طبيعة العمل وظروفه.
تشير تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية لعام 2026 إلى أن معدل البطالة في سورية يحوم حول عتبة 14%.
ومع ذلك، تؤكد الدراسات الاقتصادية والتقارير الميدانية المحدثة أن هذا الرقم لا يعكس واقع سوق العمل الفعلي نظراً لانتشار ‘البطالة المقنعة’ وهيمنة القطاع غير الرسمي بنسبة تتجاوز 83%.
ونتيجة لذلك، تقدر التصريحات والمسوح المحلية أن معدل البطالة الحقيقي والفعلي يتجاوز 60% في معظم المحافظات السورية، بالتزامن مع بلوغ بطالة فئة الشباب حاجز 33.1%."
غير أن هذه النسبة، رغم خطورتها، لا تعكس سوى جزء من الأزمة، إذ تتفاوت تقديرات البطالة بصورة كبيرة، بما يعكس فجوة جوهرية في البيانات.
فالرقم الأكثر إثارة للقلق يتمثل في بطالة الشباب، حيث تشير التقديرات إلى أن ثلث الشباب السوري (33%) يبحثون عن عمل دون جدوى.
وتعكس هذه النسبة أزمة ديموغرافية متفاقمة، إذ يدخل أكثر من 200 ألف شخص سنوياً إلى سوق العمل، في غياب فرص كافية لاستيعابهم، وتضاف إليها ضغوط جديدة نتيجة عودة اللاجئين والنازحين، مما يزيد الطلب على الوظائف في وقت لا يزال فيه النمو الاقتصادي غير قادر على توليد فرص عمل كافية.
لكن الأزمة الأعمق تكمن في هشاشة العمل نفسه، حيث تشير التقديرات إلى أن الغالبية العظمى من القوى العاملة تعمل في القطاع غير المنظم، بعقود شفهية، دون تأمين صحي أو تعويضات، وسط ظروف عمل تستنزف الطاقة البدنية والنفسية.
وتشير التقارير الميدانية التي قام بها فريقنا بقسم البحوث والدراسات لـِ تيار المستقبل السوري إلى أن العمال يواصلون أداء مهامهم لمدة تصل إلى تسع ساعات يومياً على مدار الشهر، دون الحصول على يوم راحة أسبوعية.
ويستغل بعض أرباب العمل حاجة الأفراد الملحة إلى أي دخل مالي لخفض الأجور وزيادة الأعباء الوظيفية.
وفي ظل هذه الظروف، تحولت نسبة كبيرة من القوى العاملة إلى قطاعات خدمية وشخصية غير إنتاجية، مثل البيع المتجول والنقل الخاص، وهي أعمال تتسم بتذبذب المردود المالي وانعدام الاستقرار المعيشي.
وقد بلغت الظاهرة حداً جعل بعض العمال يقبلون ببدلات عينية أو وجبات طعام في مكان العمل بوصفها جزءاً من الأجر اليومي، بدلاً من السيولة النقدية.
الأجور بين الزيادات الاسمية والتآكل الحقيقي:
في محاولة لمواجهة تدهور الأوضاع المعيشية، اتخذت الحكومة السورية سلسلة من الإجراءات لرفع رواتب العاملين في القطاع العام، حيث رفعت الرواتب بنسبة 200% في تموز/يوليو 2025، ثم بنسبة 50% إضافية في آذار/مارس 2026.
ونتيجة لذلك، ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 1,256,000 ليرة سورية شهرياً (نحو 114 دولاراً).
كما صدر المرسوم رقم 67 لعام 2026، الذي منح العاملين زيادة عامة بنسبة 50%، ورفع الحد الأدنى للأجور في القطاعات العام والخاص والتعاوني والمشترك إلى 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً.
غير أن هذه الزيادات الاسمية، رغم أهميتها، لم تترجم إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة.
فمتوسط الأجر الشهري للعامل أو الموظف العادي لا يزال يقل عن 200 دولاراً أميركياً، في حين تُقدر تكلفة المعيشة الدنيا لأسرة مكونة من خمسة أفراد في دمشق بـ 7.26 ملايين ليرة (نحو 660 دولاراً)، بينما يصل متوسط تكلفة المعيشة إلى 11.6 مليون ليرة (نحو 1,055 دولاراً).
وهذه الفجوة الهائلة بين الدخل والإنفاق تعني أن الراتب الشهري للعامل لا يغطي حتى نصف احتياجات الأسرة الأساسية.
وتتفاقم الأزمة مع استمرار الضغوط التضخمية، حيث عاود التضخم الارتفاع في الأشهر الأولى من عام 2026، ليُقدّر التضخم السنوي بنحو 27.5% في نيسان/أبريل 2026. وقد ارتفعت خطوط الفقر بنحو 15% في المتوسط بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026، مما دفع أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر, مع تجاوز معدل البطالة العام 50%، وبطالة الشباب 60%.
وتكشف بيانات الإنفاق الأسري عن عمق المأساة، حيث يستحوذ الغذاء على نحو 52.5% من إجمالي إنفاق الأسر، مما يعني أن غالبية الدخل تُستهلك في تأمين الحد الأدنى من سلة غذائية محدودة، مع عجز شبه كامل عن تحمل تكاليف العلاج والأدوية والفواتير الخدمية أو تأمين المستلزمات الشخصية والتعليمية للأطفال.
وتتجه أسر وأفراد إلى إهمال العلاجات الدورية والفحوص الطبية، والاعتماد على الأدوية البديلة أو المسكنات من دون استشارات طبية.
انهيار نموذج المعيل الواحد واستنفار الأسرة بأكملها:
أدت الأزمة المعيشية إلى انهيار النموذج التقليدي للأسرة القائمة على معيل واحد، واضطرت الأسر إلى الدفع بمختلف أفرادها نحو سوق العمل الموازي والمجهد.
فبات الآباء والأمهات والشباب يخرجون لممارسة أعمال متعددة والعمل لساعات إضافية لتأمين السيولة النقدية اليومية الشحيحة.
ومن أخطر تداعيات هذه الأزمة التسرب من التعليم والعمالة المبكرة، حيث تضطر بعض العائلات إلى إخراج أبنائها من مقاعد الدراسة وتوجيههم نحو سوق العمل الحرفي أو الخدمي لتأمين إيرادات إضافية.
وهذا يهدد بنشوء جيل جديد يفتقر إلى التعليم والمهارات اللازمة للحصول على فرص عمل أفضل مستقبلاً.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من مليوني طفل خارج المنظومة التعليمية، في وقت يُقدّر فيه عدد النازحين داخلياً بـ 7 ملايين شخص، واللاجئين بـ 6 ملايين.
كما يعاني 12 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، فيما لا يزال نحو 15.6 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وقد أدى التغيير القسري في نمط الحياة، وانشغال جميع أفراد الأسرة بالعمل لساعات طويلة، إلى تراجع التواصل الأسري والاجتماعي وزيادة الضغوط النفسية المستمرة.
كما انعدمت لدى كثير من الأسر القدرة على بناء أي مدخرات لمواجهة الظروف الطارئة.
وفي هذا السياق، شهدت سورية موجة من الاحتجاجات والإضرابات العمالية، حيث خرج عمال النقل والمزارعون والممرضون والمعلمون والمحامون وطلاب الجامعات احتجاجاً على تردي الأوضاع.
ففي ريفي إدلب وحلب، خاض المعلمون إضراباً كبيراً في أواخر كانون الثاني/يناير 2026 للمطالبة بتحسين الأجور، وأغلقت أكثر من 1,700 مدرسة في هذه المناطق.
تجارب دولية في التعافي العمالي بعد النزاعات:
لا يمكن قراءة الأزمة السورية بمعزل عن التجارب الدولية في إعادة الإعمار وخلق فرص العمل.
فقد أثبتت الدراسات المقارنة أن نجاح عمليات إعادة الإعمار لا يرتبط بحجم التمويل فقط، بل بمدى جودة الحوكمة المؤسسية المرافقة لعملية الإعمار.
وفي هذا السياق، تبرز ثلاث تجارب رئيسية:
أولاً، تجربة رواندا: بعد الإبادة الجماعية عام 1994، ركزت رواندا على بناء مؤسسات شاملة، وإصلاح القضاء، وتعزيز المصالحة الوطنية، إلى جانب استثمار ضخم في التعليم والتدريب المهني. وقد ساهم هذا النهج المتكامل في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وخلق فرص عمل، رغم محدودية الموارد الطبيعية.
ثانياً، تجربة اليمن: نفذ البنك الدولي بالتعاون مع الأمم المتحدة مشاريع الاستجابة الطارئة والنقد مقابل العمل، والتي عُززت مؤخراً بتمويلات إضافية بلغت 100 مليون دولار، لخلق فرص عمل مؤقتة من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق الحضرية، وقد أثبتت هذه النماذج أن برامج الأشغال العامة المؤقتة أداة فعالة لتوفير شبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر ضعفاً.
ثالثاً، تجربة أوكرانيا: في مواجهة تحديات إعادة الإعمار التي تُقدّر تكلفتها المحدثة لعام 2026 بنحو 588 مليار دولار، ركزت أوكرانيا على جذب الاستثمارات الدولية وخلق فرص عمل واسعة في قطاع البناء، برواتب تنافسية تتراوح بين 800 و5,000 دولار شهرياً، مع الاعتماد على توليفة من العمالة المحلية والأجنبية لنقل المهارات وتسريع وتيرة البناء."
وتشير تجارب البنك الدولي في الدول الهشة والمتضررة من النزاعات إلى أن برامج التنمية المجتمعية والمحلية يمكن أن تخلق فرص عمل مباشرة، كما في مشروع أفغانستان الذي وفر وظائف مؤقتة لأكثر من 1.3 مليون أسرة.
كما تؤكد الدراسات أن الدعم النفسي والاجتماعي يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل أكثر من الدعم التقليدي للشركات.
آفاق التعافي:
انطلاقاً من حجم التحدي، وتجارب الدول المشابهة، يمكن رسم ملامح استراتيجية عمالية وطنية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول، إصلاح سوق العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية: يتطلب ذلك إصدار تشريعات تنظم العمل غير المنظم، وتحدد حداً أدنى للأجور يتناسب مع تكلفة المعيشة الفعلية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي والاجتماعي لتشمل العمال في القطاع الخاص وغير المنظم.
وقد بدأت الحكومة السورية الجديدة، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، خطوات في هذا الاتجاه، من خلال توقيع مذكرة تفاهم لمسح القوى العاملة، وتصميم برنامج وطني للأشغال العامة.
ويُركز برنامج "دعم سورية" الصادر عن منظمة العمل الدولية على ثلاث ركائز: خلق فرص العمل والانتعاش الاقتصادي، وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية، وتحسين حوكمة سوق العمل والحوار الاجتماعي.
المحور الثاني، ربط التدريب والتعليم باحتياجات سوق العمل: يجب إعادة هيكلة نظام التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET) لتلبية احتياجات قطاعات إعادة الإعمار، وقد عقدت منظمة العمل الدولية حواراً وطنياً في حزيران/يونيو 2026 لتعزيز نظام TVET ومواءمة التدريب مع احتياجات سوق العمل. ويجب أن يركز التدريب على المهارات المطلوبة في قطاعات البناء والطاقة والخدمات اللوجستية، مع ضمان وصول النساء والشباب إلى هذه الفرص.
المحور الثالث، استثمار إعادة الإعمار في خلق فرص العمل: يجب أن تكون مشاريع إعادة الإعمار، وخاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، محركاً رئيسياً لخلق فرص العمل.
وقد خصص الاتحاد الأوروبي حزمة بقيمة 620 مليون يورو لدعم التعافي الاقتصادي في سورية، وتعمل منظمة العمل الدولية على وضع "العمل اللائق" في صميم إعادة الإعمار.
كما يمكن الاستفادة من نموذج "الأشغال العامة" الذي تتبناه الحكومة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية.
وتشير التجارب إلى أن التدريب المرتبط مباشرة باحتياجات مشاريع التعافي الفعلية هو الأكثر فعالية.
خاتمة:
تمثل أزمة العمالة والأجور في سورية اختبار لمدى قدرة الدولة الجديدة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
فالفجوة الهائلة بين الأجور وتكاليف المعيشة، وانتشار العمالة الهشة، وانهيار نموذج المعيل الواحد، كلها مؤشرات على أزمة هيكلية تتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً.
غير أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة لإعادة بناء سوق العمل على أسس أكثر عدالة واستدامة.
فإعادة الإعمار، إذا ما أُحسن إدارتها، يمكن أن تكون محركاً رئيسياً لخلق فرص العمل، وتحفيز النمو، وإعادة توزيع منافع التعافي على جميع الفئات.
وهذا يتطلب إرادة سياسية، وإصلاحات مؤسسية، وشراكات دولية، واستثماراً في البشر قبل الحجر.
فالمقياس الحقيقي لنجاح سورية الجديدة ليس في حجم الاستثمارات التي تجذبها، ولا في عدد المشاريع التي تطلقها، بل في قدرتها على توفير فرص عمل كريمة لشبابها، وأجور عادلة لعمالها، وحياة كريمة لأسرها.
وهذا هو التحدي الأكبر، والأمل الأعمق، في رحلة التعافي السورية.
المراجع:
- International Labour Organization. (2026, April 27). Syria advances national recovery through public works programme design and strengthened labour market data systems. ILO Newsroom. ilo.org
- International Organization for Migration. (2025, December 9). Syrian Arab Republic Crisis Response Plan 2026. IOM Global Crisis Response Platform. iom.int
- United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2025, March 25). Syrian Arab Republic Humanitarian Response Priorities. Humanitarian Action. humanitarianaction.info
- منظمة العمل الدولية. (2025). سورية: تعزيز العمل اللائق في مرحلة التحول (برنامج الدعم). منشورات منظمة العمل الدولية. ilo.org