سورية ما بين الإنجازات التاريخية والتحديات الهيكلية

تمهيد:

شهدت سورية في غضون أيام قليلة من آب/أغسطس 2026، تحولين سياسيين متلاحقين وصفهما المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سورية والعراق توماس باراك بأنهما "إنجازات تاريخية".

ففي 24 آب/أغسطس، أنهت الولايات المتحدة رسمياً تصنيف سورية كدولة راعية للإرهاب، بعد 47 عاماً من الإدراج.
وفي 25 آب/أغسطس، أعلن مظلوم عبدي حل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية.

هذان الحدثان، وإن كانا يمثلان لحظات فارقة في مسار سورية بعد سقوط نظام الأسد، لا يمكن اختزالهما في قراءة واحدة احتفائية.
فهما يطرحان أسئلة أعمق حول طبيعة التحول الجاري، وحدود الإنجاز السياسي، وعلاقته بالواقع الاقتصادي والأمني الهش الذي لا تزال سورية تعيشه.

هذا المقال يحاول مقاربة هذين الحدثين في سياقهما التاريخي والنظري، مستنداً إلى المعطيات المتاحة، ومحاولاً تجاوز الخطاب الرسمي إلى قراءة نقدية للفرص والتحديات التي تنتظر سورية في مرحلتها الجديدة.

أولاً، الجذور التاريخية للتصنيف:

يعود تاريخ إدراج سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى 29 كانون الأول/ديسمبر 1979، في عهد الرئيس البائد حافظ الأسد، حين اتهمت واشنطن دمشق بدعم جماعات فلسطينية ولبنانية مسلحة معارضة لعملية السلام مع إسرائيل.
وقد ظل هذا التصنيف قائماً طيلة 47 عاماً، حتى أصبحت سورية صاحبة أطول مدة في هذه القائمة بين الدول المدرجة عليها.
غير أن العلاقات بين دمشق وواشنطن لم تكن طوال تلك العقود على درجة واحدة من العداء.
فقد شهدت التسعينيات فترات من التعاون والحوار، مما يعني أن التصنيف الذي بدأ كأداة سياسية أخذ مع الوقت يعيش حياة خاصة به، منفصلاً أحياناً عن طبيعة العلاقة الثنائية في لحظاتها المختلفة.
وهذا يعكس كيف تتحول السياسات الخارجية، بعد عقود، إلى سمات لصيقة بالهوية الوطنية، يصعب تغييرها حتى لو تبدلت الأسباب التي أنشأتها.
وجاءت ثورة الكرامة عام 2011 لتضاعف حدة العزلة، وتراكمت الإجراءات الأميركية والأوروبية، وصولاً إلى "قانون قيصر" الذي دخل حيز التطبيق في 2020.
وعندها وقع الاسم في شبكة واسعة من القيود والعقوبات، جعلت التعامل مع سورية أكثر صعوبة بكثير.

ثانياً، رفع التصنيف:

ماذا يعني الرفع قانونياً؟
لم يكن رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب بداية لتخفيف العقوبات، بل كان "خطوة رئيسية أخرى في تفكيك البنية القانونية والسياسية التي كانت تعزل دمشق عن واشنطن لعقود".
فمعظم العقوبات الأميركية الواسعة كانت قد رُفعت بالفعل من خلال سلسلة من الخطوات بدأت في عام 2025.
لكن التصنيف كان يشكل عقبة نفسية ومؤسسية أكثر منها قانونية، إذ ظل يشكل رادعاً للمؤسسات المالية الدولية والشركات الراغبة في التعامل مع سورية.
وقد وصفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنه كان "عائقاً رئيسياً للمستثمرين المحتملين" في سورية، معتبراً أن رفعه سوف "يفتح التجارة الدولية والاستثمار" ويمنح سورية فرصة لإعادة البناء.

الأثر الاقتصادي المرتقب:
تكمن الأهمية الاقتصادية للقرار في ثلاثة جوانب رئيسية:
أولاً: تسهيل التحويلات المالية، إن رفع الحظر عن المساعدات الأميركية، وتسهيل التحويلات المالية عبر المصارف الدولية، مما يسمح بتدفق الاستثمارات والمساعدات الإنسانية.
ثانياً: إزالة الحواجز النفسية أمام الاستثمار، كما يشير الباحث سينا آزودي، فإن الرفع "يجعل الوصول إلى النظام المالي والبنكي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة أسهل"، مما سيساعد في جذب التجارة والاستثمار.
ثالثاً: دعم إعادة الإعمار، حيث تقدّر احتياجات إعادة الإعمار في سورية بنحو 216 مليار دولار، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، أي ما يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي المتوقع.
ويرى خبراء كثيرون أن إزالة التصنيف خطوة أساسية لتذليل العقبات أمام التمويل الدولي.

لكن الحذر واجب:
رغم التفاؤل، يحذّر المحللون من أن "تخفيف العقوبات وحده لن يحل التحديات الاقتصادية والمؤسسية العميقة التي خلفتها سنوات الثورة".
فسورية لا تزال تعاني من:

فقر مدقع: حيث يُقدّر أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

انهيار البنية التحتية: مع تضرر أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه، ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي.

ضعف النظام المصرفي: حيث لا يزال القطاع المصرفي يعاني من خلل وظيفي حاد، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
كما أن استمرار بعض العقوبات المحددة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام البائد يظل عائقاً إضافياً.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن رفع التصنيف لا يعني تلقائياً تدفق الاستثمارات، بل يتطلب "بناء عملية على أساس متين من خلال لوائح قانونية جديدة، خاصة في المجالات المصرفية والمالية والاستثمار الأجنبي".

ثالثاً، حل "قسد":

السياق التاريخي والمسار الطويل:
جاء حل قسد تتويجاً لمسار دام 17 شهراً من المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية.
وقد بدأ هذا المسار بتوقيع اتفاق في 10 آذار/مارس 2025 بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية في إدارة الدولة السورية، ووقف إطلاق النار، وضمانات لحقوق المجتمع الكردي.
ومع أن الاتفاق شهد عقبات وتصعيداً عسكرياً في بعض الفترات، خاصة في كانون الأول/ديسمبر 2025، إلا أن مسار التفاوض استمر.
وجاء الإعلان النهائي في 25 آب/أغسطس 2026، حيث أعلن عبدي "نهاية مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلها كقوة عسكرية مستقلة".

ماذا يعني الحل؟
يتضمن الحل، وفقاً للترتيبات المعلنة، إنهاء الهياكل العسكرية والمدنية المستقلة التابعة لـ"قسد" و"الإدارة الذاتية"، وإدماج العناصر العسكرية والأمنية في مؤسسات الدولة.
ويقدّر عدد المقاتلين الذين انضموا إلى الجيش السوري بنحو 10 آلاف مقاتل، وقد يصل العدد النهائي إلى 12 ألفاً.

القراءة النقدية:
رغم أهمية هذا الإنجاز على مستوى توحيد المؤسسة العسكرية وبسط سلطة الدولة، تظل هناك تساؤلات حول:
أولاً: مدى جدية الاندماج، هل سيكون الاندماج شكلياً أم جوهرياً؟ وهل سيتمكن الجيش السوري من استيعاب هذه القوات ودمجها في هياكله القيادية دون إثارة توترات داخلية؟
ثانياً: مستقبل الحكم المحلي، ما هو مصير الإدارة الذاتية بعد حلها؟ وما هي الترتيبات التي ستحل محلها في المناطق ذات الغالبية الكردية؟
ثالثاً: الحقوق الثقافية، أشار عبدي إلى أن الرئيس الشرع أعلن عن "صون حق تعليم اللغة الكردية" وأظهر "موقفاً منفتحاً بشأن حق التعليم باللغة الأم"، لكن مدى التزام الحكومة بهذه الضمانات، وآليات تنفيذها، تبقى موضع ترقب.
رابعاً: التهديدات الأمنية المتبقية، فلا تزال فلول تنظيم الدولة الإسلامية تشكل تهديداً في المناطق الشرقية، وقد يؤدي أي فراغ أمني أو سوء إدارة لعملية الاندماج إلى خلق بيئة مناسبة لعودة التنظيم.

رابعاً، سورية في سياقها الإقليمي:

الفرصة الجيوسياسية:
تنظر واشنطن إلى سورية من منظور جيوسياسي أوسع.
فقد قال الباحث محمد نادر العمري إن "سقوط النظام السابق قدّم لواشنطن فرصة جيواستراتيجية لإعادة تشكيل التوجه الإقليمي لسورية بعد عقود من العلاقات الوثيقة مع روسيا وإيران".
ويضيف أن "الموقع الجغرافي لسورية يمنحها أهمية خاصة في الحسابات الأميركية تجاه العديد من المنافسين الإقليميين والدوليين".

المخاطر الإسرائيلية:
غير أن هذه الفرصة تواجه تحديات جسيمة، أبرزها التهديد الإسرائيلي المستمر.
ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعلن رفع التصنيف، كانت إسرائيل تشن غارات على سورية، مما يضع دمشق أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تحقيق الاستقرار والاندماج الإقليمي في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي؟
هذا، وقد أشارت وكالة الأناضول إلى أن "الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية بالقرب من إدلب أعادت التأكيد على أن إسرائيل تظل التهديد الأساسي لإعادة إعمار سورية وتعافيها في هذه الحقبة الجديدة".

التوازن مع القوى الكبرى:
تواجه سورية تحدياً في الحفاظ على توازنها بين القوى الكبرى.
فالانفتاح على واشنطن لا يعني التخلي عن العلاقة مع موسكو أو طهران.
لكن الإبقاء على هذه العلاقات قد يثير تساؤلات حول مدى جدية التحول السوري.
وقد أشار تحليل في The Conversation إلى أن "إدارة ترامب تراهن على أن الرئيس السوري السابق المنتمي لتنظيم القاعدة قد تغير ويمكنه العمل مع الولايات المتحدة في مجالات السياسة الخارجية والاقتصاد وربما الدفاع"، وهو رهان محفوف بالمخاطر.

خامساً، السيناريوهات المستقبلية:
بناءً على المعطيات المتاحة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول, الاندماج المشروط (الأكثر ترجيحاً):
في هذا السيناريو، تتمكن سورية من اجتياز العقبات الإدارية المتبقية، وتبدأ في جذب استثمارات محدودة، مع استمرار تحسن العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.
ويظل الاستقرار النسبي قائماً، مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، وهذا يتوافق مع توقعات صندوق النقد الدولي بنمو يتجاوز 10% في عام 2026، لكن مع استمرار التضخم وعدم استقرار الأسعار.

السيناريو الثاني، التعافي المتسارع (السيناريو المتفائل):
إذا نجحت الحكومة في استكمال الإصلاحات الاقتصادية والقانونية المطلوبة، وتمكنت من طمأنة المستثمرين الدوليين، واستمر الدعم الأميركي والخليجي، فقد تشهد سورية تدفقاً للاستثمارات وبداية فعلية لعملية إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.

السيناريو الثالث، استمرار التحديات (السيناريو المتشائم):
في حال فشلت الحكومة في معالجة الملفات الداخلية (الفقر المدقع، النزوح، العدالة الانتقالية)، واستمرت التوترات الأمنية والتصعيد الإسرائيلي، فقد يظل أثر القرارات محدوداً، وتستمر عزوف المؤسسات المالية الدولية والشركات عن الانخراط الكامل في السوق السورية.

سادساً، توصيات نقدية لصناع القرار:
انطلاقاً من القراءة التحليلية السابقة، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إدراك محدودية الإنجازات الدبلوماسية، فرفع التصنيف وحل "قسد" خطوات مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق، بل يجب عدم الخلط بين الإنجاز السياسي والتحسن الاقتصادي الفعلي، فالتحديات الهيكلية (الفقر، البطالة، انهيار البنية التحتية) لا تزال قائمة.

ثانياً: أولوية الإصلاح المؤسسي، يجب أن تترافق الانفتاحات الدولية مع إصلاحات جذرية في القطاع المصرفي، ومكافحة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار.
وقد أكد صندوق النقد الدولي على أهمية "تعزيز الإدارة المالية العامة، وتعبئة الإيرادات، وتسريع إعادة تأهيل القطاع المصرفي".

ثالثاً: إدارة ملف الاندماج بحكمة، وهنا أيضا يجب أن يكون اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة عملية شفافة وشاملة، تضمن حقوق جميع المكونات، ولا تترك مجالاً للتمييز أو التهميش.

رابعاً: مواجهة التحدي الإسرائيلي، فلا يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، وعلى الحكومة السورية، بدعم من المجتمع الدولي، العمل على وقف هذه الانتهاكات، والضغط من أجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
خامساً: بناء اقتصاد ثابت، في ظل عدم اليقين الإقليمي والدولي، يجب تنويع مصادر الدخل والاستثمار، وعدم الاعتماد الكامل على طرف خارجي واحد.

خاتمة:

يمثل أسبوع آب/أغسطس 2026 لحظة فارقة في تاريخ سورية الحديث.
فرفع التصنيف عن الإرهاب وحل "قسد" هما إنجازان سياسيان كبيران، يعكسان تحولاً في الموقف الدولي من سورية، وقدرة الحكومة الجديدة على تحقيق اختراقات دبلوماسية وأمنية.
غير أن هذه الإنجازات، مهما كانت كبيرة، لا ينبغي أن تحجب التحديات الهيكلية التي لا تزال تواجه سورية.
فالاقتصاد المنهار، والبنية التحتية المدمرة، والفقر المستشري، والنزوح الجماعي، والتهديدات الأمنية، كلها ملفات لا تحلها البيانات الرئاسية أو تصريحات المسؤولين.
إن المقياس الحقيقي لنجاح سورية الجديدة هو في قدرتها على تحويل هذه الإنجازات إلى تحسين ملموس في حياة السوريين العاديين.
وهل يمكن لمواطن في حلب أو درعا أو الحسكة أن يشعر بتحسن في وضعه المعيشي، وأمنه، وكرامته.
وهذا يتطلب إرادة سياسية، وإصلاحات جذرية، وصبراً طويلاً، ووعياً بأن الطريق إلى التعافي الحقيقي لا يزال طويلاً وشاقاً.

شاركها على:

اقرأ أيضا

وقفة إسقاط قوانين الاستملاك والإيجار القديم

احتجاج أهالي مزارع البجاج والصبورة ضد قوانين الاستملاك والإيجار القديم يسعى إلى تعزيز حق التظاهر السلمي.

29 أغسطس 2026

إدارة الموقع

تذكار قطع رأس القديس يوحنا المعمدان

تذكار قطع رأس القديس يوحنا المعمدان يسلط الضوء على قيم التضحية والرفض للظلم في التاريخ السوري.

29 أغسطس 2026

إدارة الموقع