في السياسة، لا تقول البيانات الرسمية كل شيء، ولا تكشف الصور البروتوكولية دائماً حقيقة ما يجري خلف الأبواب المغلقة. وأحياناً يكون توقيت الزيارة، والبلد المقصود بها، وما سبقها بأيام، أكثر دلالة من عشرات التصريحات التي تعقبها.
ومن هذه الزاوية تحديداً أقرأ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى باكستان.
فالزيارة هي الأولى لوزير خارجية سوري إلى إسلام آباد منذ نحو تسعة عشر عاماً، وهذا وحده يجعلها حدثاً مهماً في مسار إعادة بناء السياسة الخارجية السورية.
لكنني أعتقد أن أهميتها الحقيقية لا تكمن فقط في إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وإسلام آباد، بل في اللحظة الإقليمية التي جاءت فيها.
كما نعلم فإنه منذ أيام، وقع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وتعرض مطار أبو الظهور العسكري لضربات إسرائيلية على خلفية المخاوف الإسرائيلية من حضور عسكري تركي محتمل، وأعلنت دمشق موقفاً جديداً ومهماً من المواد النووية المكتشفة في سورية، ثم اتجه وزير الخارجية السوري إلى إسلام آباد مرحباً بالاتفاق الدفاعي الجديد.
قد تكون هذه الملفات منفصلة رسمياً، لكن هل هي منفصلة استراتيجياً؟!
لا أعتقد أن سورية ستطرق غداً باب اتفاق مكة مطالبة بأن تصبح العضو الرابع فيه، ولا أرى أن مصلحة دمشق في هذه المرحلة تقتضي استعجال الدخول في أحلاف عسكرية مغلقة.
لكنني أرى شيئاً آخر، فربما تكون سورية أمام فرصة لتصبح الشريك الرابع غير الرسمي لمنظومة مصالح تتشكل بين ثلاث دول تمثل كل واحدة منها شيئاً تحتاجه سورية الجديدة.
فمن جانب، فإن تركيا تمثل العمق الجغرافي والخبرة العسكرية والتكنولوجية، ولديها بالفعل دور في تدريب الجيش السوري الجديد وإعادة بناء بعض قدراته.
والسعودية تمثل العمق العربي والثقل السياسي والاقتصادي والقدرة على فتح الأبواب الإقليمية والدولية أمام سورية.
أما باكستان، فتمتلك جيشاً كبيراً، وصناعة دفاعية، وخبرة استراتيجية طويلة، وقدرات علمية وتكنولوجية متقدمة، إضافة إلى كونها قوة نووية.
وحين يرحب وزير الخارجية السوري علناً باتفاق مكة أثناء وجوده في إسلام آباد، فمن المشروع سياسياً أن نسأل: هل تنظر دمشق إلى الاتفاق باعتباره شأناً يخص ثلاث دول فقط، أم باعتباره نواة لنظام أمني إقليمي جديد تريد سورية أن تجد لنفسها موقعاً قريباً منه؟
أبو الظهور.. رسالة إلى دمشق أم إلى أنقرة؟
هنا يصبح توقيت الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور أكثر إثارة للاهتمام.
فأنا لا أقرأ تلك الضربة باعتبارها رسالة إلى دمشق وحدها.
وفي تقديري، كان جزء أساسي منها موجهاً إلى أنقرة وهذا ما بدأ يتبلور واضحاً من خلال التصريحات.
إذاً، فالخلاف لم يعد متعلقاً فقط بما تملكه سورية اليوم، وإنما بما يمكن أن تصبح عليه سورية إذا أعيد بناء قدراتها العسكرية بمساعدة دولة إقليمية كبيرة مثل تركيا.
وبذلك يمكن قراءة الرسالة الإسرائيلية على النحو الآتي: يمكنكم إعادة بناء الدولة السورية، ويمكنكم تطوير علاقاتكم، ولكن تحويل سورية إلى مساحة استراتيجية عسكرية جديدة له حدود إسرائيلية.
وهنا تكمن المشكلة، لأن قبول سورية بهذه المعادلة يعني عملياً قبولها بأن تبقى دولة منقوصة السيادة، يحق للآخرين تحديد نوع الجيش الذي تملكه، والمنشآت التي تستخدمها، والشركاء الذين تتعاون معهم.
أما رفض المعادلة فلا يعني بالضرورة الذهاب إلى الحرب، وهذه نقطة أراها مركزية.
فالردع ليس مرادفاً للحرب، بل إن أفضل الردع هو الذي يمنع وقوعها.
هل كانت ضربة أبو الظهور رسالة استباقية؟
يمكن الذهاب في القراءة خطوة أخرى، ولكن بوصفها فرضية سياسية لا معلومة مؤكدة.
فالتسلسل الزمني مثير للاهتمام: اتفاق دفاعي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، وحديث عن تعاون عسكري سوري-تركي.
ثم ضربة إسرائيلية لأبو الظهور، ثم أعقبها زيارة سوريّة رفيعة إلى باكستان.
لهذا يمكن التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تريد أن ترسم منذ البداية حدوداً أمام أي هندسة أمنية جديدة تمتد مستقبلاً باتجاه سورية، وأنه مهما كانت التحالفات التي تتشكل حول دمشق، فستبقى لإسرائيل القدرة على العمل داخلها عندما ترى أن مصالحها الأمنية مهددة.
لكن المفارقة أن هذه السياسة قد تنتج عكس النتيجة المرجوة، فكلما اكتشفت دمشق أن مؤسساتها العسكرية يمكن ضربها من دون قدرة كافية على الردع، ازدادت حاجتها إلى بناء شبكة علاقات تجعل الاعتداء عليها أعلى تكلفة.
ومن هنا تصبح أنقرة والرياض وإسلام آباد أكثر أهمية في الحساب السوري رسمياً.
ثم يظهر العامل النووي!
وهنا أصل إلى أكثر المصادفات السياسية إثارة للاهتمام.
فكما نعلم وقبل زيارة الشيباني إلى باكستان مباشرة، فقد أعلنت سورية أنها ستحتفظ بالمواد النووية التي اكتشفتها، تحت ضمانات ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأكد وزير الخارجية حق سورية في الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ثم، بعد هذا الإعلان مباشرة تقريباً، يتوجه وزير الخارجية السوري إلى دولة نووية اسمها باكستان.
وهنا أملك معلومة تقول إن التعاون النووي السوري-الباكستاني كان بنداً في المباحثات غير المعلنة.
فسورية تريد فعلاً تأسيس برنامج وطني للاستخدام السلمي للطاقة النووية، لم تجد أفضل من باكستان لتكون من شركائها الرئيسيين.
وحين أقول باكستان النووية، لا أتحدث عن نقل سلاح نووي إلى سورية، ولا عن برنامج عسكري سري، ولا عن إدخال سورية في سباق تسلح نووي.
والحديث هنا عن معرفة نووية سلمية، فباكستان لم تصبح دولة ذات وزن لأنها امتلكت السلاح فقط، وإنما لأنها بنت جامعات ومختبرات وكوادر علمية ومؤسسات هندسية وتقنية ومنظومة معرفية كاملة.
وسورية بحاجة إلى هذا النوع من القوة، وبحاجة إلى فيزيائيين نوويين سوريين، ومهندسين، وإلى الطب النووي وعلاج الأورام، وإلى إنتاج النظائر المشعة، وإلى تطبيقات الإشعاع في الزراعة والصناعة، وإلى تقنيات تساعد في إدارة المياه وتحليتها.
ونحتاج، على المدى البعيد، إلى دراسة كل الخيارات الممكنة لإنتاج الطاقة، بما فيها الطاقة النووية المدنية، عندما تسمح الظروف الاقتصادية والفنية والأمنية بذلك.
لماذا لا يؤسس البلدان برنامجاً سورياً-باكستانياً للتعاون النووي السلمي تحت الإشراف الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
لماذا لا يذهب مئات الطلاب والباحثين والمهندسين السوريين إلى المؤسسات والجامعات والمراكز الباكستانية؟
ولماذا لا تصبح إسلام آباد أحد شركاء إعادة بناء البنية العلمية السورية التي استنزفتها عقود الاستبداد ثم سنوات الحرب والهجرة؟
ما الذي يقلق إسرائيل فعلاً؟
هنا يمكن إعادة قراءة المشهد الإسرائيلي بطريقة مختلفة.
فربما لا يكون السؤال الإسرائيلي الحقيقي هو ما تمتلكه سورية في صيف 2026!، ولكن ماذا يمكن أن تصبح سورية بعد عشر سنوات؟ وماذا لو استقرت الدولة؟ وماذا لو ساهم المال والاستثمار العربي، وفي مقدمته السعودي، في إعادة إعمارها؟
وماذا لو ساهمت تركيا في إعادة بناء الجيش والمؤسسات الدفاعية والصناعة والتكنولوجيا؟
وماذا لو دخلت باكستان شريكاً في التدريب والصناعات الدفاعية والعلوم والتكنولوجيا والاستخدامات النووية السلمية؟
وماذا لو استعادت الجامعات السورية علماءها وكفاءاتها؟
هنا تتغير المعادلة.
ولهذا أعتقد أن علينا ألا ننظر إلى أبو الظهور وحده! فالمطار جزء من الصورة.
أما الصورة الكبرى فهي شكل الدولة السورية التي يجري بناؤها.
حتى إيران فهي حاضرة أيضاً في إسلام آباد
وهذا بعد آخر لا ينبغي إهماله.
فباكستان دولة تجمعها بإيران حدود طويلة وعلاقات تعاون وتنافس ومصالح وأزمات، وسورية الجديدة قطعت شوطاً كبيراً في إخراج نفسها من المحور الإيراني، لكنها لن تستطيع بناء سياستها الخارجية لعقود على مفهوم القطيعة وحده.
وستأتي لحظة تحتاج فيها دمشق إلى إدارة علاقتها مع طهران (لا عودة إلى الارتهان الإيراني).
وهنا تستطيع إسلام آباد مستقبلاً أن تكون إحدى قنوات التواصل المنضبط بين الدولتين، ولذلك كان لافتاً أن يطرح الشيباني من باكستان تحديداً مسألة الوساطة مع إيران وشروطها السورية.
وهذا يعطينا سبباً إضافياً للاعتقاد بأن إسلام آباد قد تتحول إلى محطة مهمة في السياسة السورية تجاه الشرق.
فسورية ليست مضطرة للاختيار بين المحاور
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر المسألة:
إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه سورية الجديدة هو الانتقال من محور إلى محور، وقد دفع السوريون ثمناً هائلاً عندما تحول بلدهم إلى جزء من المشروع الإيراني.
ولا أريد أن نستبدل التبعية لطهران بتبعية لأنقرة، أو بأي عاصمة أخرى!.
من الحماية إلى الردع:
بدايةً، إن الدولة التي تبحث عن حامٍ تصبح تابعة له.
أما الدولة التي تربط استقرارها بمصالح عشر دول، فإن الاعتداء عليها يصبح مكلفاً لعشر عواصم.
وهذه هي فلسفة الردع التي أراها مناسبة لسورية والتي تجعل انتهاك السيادة السورية أصعب من السابق.
وهنا يصبح اتفاق مكة مهماً.
وتصبح العلاقة التركية مهمة.
وتصبح زيارة باكستان مهمة.
ويصبح حتى الملف النووي السلمي جزءاً من مفهوم أشمل للقوة الوطنية.
هل تصبح سورية الشريك الرابع؟
لا أعرف إن كان في ذهن صانع القرار السوري اليوم تصور كهذا.
لكنني أعتقد أن السؤال يجب أن يوضع على الطاولة: هل يمكن أن تصبح سورية شريكاً استراتيجياً رابعاً لمنظومة السعودية-تركيا-باكستان من دون أن تتحول إلى عضو تابع في محور جديد؟
أرى أن ذلك ممكن، بل ربما تكون هذه الصيغة أفضل من العضوية الرسمية في المرحلة الحالية، بحيث تقوم على تعاون دفاعي مع تركيا، واستثمار بالعمق العربي مع السعودية، وبالتعاون العلمي والتكنولوجي مع باكستان، وتحت ذلك كله قرار سوري مستقل.
ما بعد إسلام آباد:
لا أنظر إلى زيارة الشيباني باعتبارها زيارة بروتوكولية، ولكن أنظر إليها باعتبارها اختباراً لاتجاه جديد محتمل في السياسة الخارجية السورية، فالتحالفات الكبرى تبدأ بزيارة، ثم برنامج لتدريب الضباط، ثم تعاون استخباراتي، ثم شراكة صناعية، ثم بعثات علمية، ثم استثمارات، ثم تعاون في الطاقة والطب النووي، ثم تنسيق سياسي وأمني.
وبعد سنوات، يكتشف الجميع أن شبكة استراتيجية كاملة نشأت أمام أعينهم بينما كانوا منشغلين بقراءة البيانات الرسمية.
أعتقد أن زيارة إسلام آباد تستحق أن تُقرأ بهذا المنظار.
وأعتقد أن اتفاق مكة يستحق أن تدرسه دمشق بعناية.
وأعتقد أن التعاون السوري-الباكستاني يستحق أن يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى الدفاع والتعليم والصناعة والتكنولوجيا والطب والطاقة والاستخدامات النووية السلمية.
لكنني أضع شرطاً واحداً فوق كل ذلك: ألاَّ تصبح سورية جزءاً تابعاً من محور جديد!! فنحن لا نريد أن نستبدل محوراً بمحور، بل نريد أن تصبح سورية نفسها محوراً تلتقي عنده المصالح، ولا تصادر عنده الإرادة الوطنية.
وهذا، في تقديري، هو الفارق بين دولة تبحث عمن يحميها، ودولة تبني من القوة والمعرفة والعلاقات ما يجعل الجميع يحسب حسابها.