يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الأسى والقلق تفاصيل قضية الشاب محمد غميرة، الذي تعرّض للضرب المبرح في مخفر مدينة الحفة بريف اللاذقية، مما أدى إلى إصابته بنزيف دماغي ودخوله في غيبوبة في العناية المشددة بمشفى تشرين الجامعي، بعد احتجازه لنحو ثلاثة أيام على خلفية شكوى مالية.
وتُفيد المعلومات المتداولة أن "غميرة" يعاني من مرض الناعور (الهيموفيليا)، وهو اضطراب يؤثر في تخثر الدم ويجعل النزيف أكثر خطورة، وأن زوجته وشقيقه أبلغا عناصر المخفر مسبقاً بوضعه الصحي الحساس وطلبا منهم عدم ضربه.
وقد أُفرج عنه بعد صدور قرار من قاض بإطلاق سراحه، لكنه خرج وهو يعاني من نزيف داخلي ونزيف دماغي، وتوقف قلبه ثلاث مرات قبل أن ينجح الأطباء في إنعاشه .
يُثمن تيار المستقبل السوري مطالبة عائلة غميرة والناشطين بفتح تحقيق شفاف وسريع، ويُعبّر عن تضامنه الكامل مع الشاب وعائلته، ويتمنى له الشفاء العاجل.
ويُذكّر بأن ما جرى في مخفر الحفة، إن ثبتت تفاصيله، يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون والقيم الإنسانية، ويُثير تساؤلات جدية حول مدى التزام مؤسسات الدولة الجديدة بمعايير حقوق الإنسان، وحماية المواطنين من التعذيب وسوء المعاملة، خاصة في ظل وجود مرضى وحالات صحية حساسة في مراكز الاحتجاز.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن هذه القضية تعكس تحديات هيكلية في منظومة الاحتجاز والعدالة الجنائية، وتتطلب معالجة جذرية.
ونرى في تفاصيل القضية ثلاث إشكاليات رئيسية:
أولاً: استمرار ممارسات التعذيب وسوء المعاملة رغم انتصارنا على نظام الأسد، وهذا يُشبه ممارسات النظام البائد التي عانى منها السوريون لعقود، والتي دفعوا ثمناً باهظاً للتخلص منها.
ونحذر من أن استمرار مثل هذه الممارسات، حتى ولو كانت فردية، يُقوّض ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم الجديدة، ويُهدد مسار العدالة الانتقالية برمته التي نسعى لترسيخها وتمكينها بسورية الجديدة.
ثانياً: غياب آليات الحماية للفئات الأكثر هشاشة، فقضية غميرة تُظهر غياب بروتوكولات واضحة للتعامل مع المحتجزين ذوي الظروف الصحية الخاصة، رغم أن عائلته أبلغت المخفر مسبقاً بحالته، وهذا يستوجب تطوير أنظمة تدقيق طبي للمحتجزين، وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم، ومنع أي شكل من أشكال العنف بحقهم.
ثالثاً: الحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف، ونشدد على أن التحقيق في هذه القضية يجب ألا يقتصر على معاقبة الجناة، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى مراجعة الإجراءات والبروتوكولات الأمنية في مراكز الاحتجاز كافة، لمنع تكرار مثل هذه المآسي، والكشف عن أي ثغرات هيكلية سمحت بحدوثها.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية والقيمية، يُوصي تيار المستقبل السوري بتبني استراتيجية متكاملة لمعالجة قضية التعذيب والاعتقال التعسفي في سورية، تستند إلى الأسس التالية:
أولاً، ضمان تحقيق عاجل ومستقل وشامل في قضية غميرة عبر:
- تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، تضم قضاة وخبراء في الطب الشرعي وحقوق الإنسان، للكشف عن ملابسات القضية، وتحديد المسؤوليات الفردية، وإحالة المتورطين إلى القضاء العادل .
- إعلان نتائج التحقيق بشفافية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاك، وتقديم تعويض عادل للضحية وعائلته، وضمان توفير الرعاية الطبية اللازمة له.
ثانياً، وضع حد لظاهرة التعذيب والإفلات من العقاب من خلال:
- إصدار تشريعات تجرّم التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز، وتنص على عقوبات رادعة بحق المخالفين، بما يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي صادقت عليها سورية عام 2004 .
- تفعيل آليات رقابية مستقلة، كالآلية الوطنية للوقاية من التعذيب التي تنص عليها اتفاقية الأمم المتحدة، لضمان زيارة أماكن الاحتجاز بشكل دوري وغير معلن، والتحقق من أوضاع المحتجزين .
- اعتماد مدونات سلوك واضحة لعناصر الأمن الداخلي، وبرامج تدريبية إجبارية حول حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب، والتعامل مع المحتجزين ذوي الاحتياجات الخاصة .
ثالثاً، إصلاح منظومة العدالة الجنائية وأماكن الاحتجاز:
- تطوير نظام للفحص الطبي الإلزامي للمحتجزين، فور دخولهم مراكز الاحتجاز، مع توفير الرعاية الصحية اللازمة لهم، وإبلاغ ذويهم بحالتهم الصحية.
- مراجعة إجراءات الاحتجاز، وضمان حق المحتجزين في التواصل مع محامٍ وعائلاتهم فوراً، ومنع أي تأخير أو عرقلة لهذا الحق.
- إنشاء سجل وطني موحد للمحتجزين، يُحدّث بشكل يومي، ويتيح للعائلات والجهات القضائية المختصة معلومات دقيقة عن أماكن الاحتجاز وحالات المحتجزين.
رابعاً، ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المؤسسات الأمنية والقضائية:
- إطلاق برامج تدريبية إجبارية حول حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب، لعناصر الأمن الداخلي والقضاة والمدعين العامين، بالتعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة.
- إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى المواطنين حول انتهاكات حقوق الإنسان في مراكز الاحتجاز، وضمان التعامل معها بجدية وشفافية.
- تعزيز التعاون مع المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، للاستفادة من خبراتها في مجال مناهضة التعذيب وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية .
يُثمن تيار المستقبل السوري أي خطوة تُتخذ لمعالجة قضية محمد غميرة، وضمان العدالة له ولعائلته.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن محاربة التعذيب والاعتقال التعسفي هي واجب أخلاقي وإنساني، واختبار حقيقي لمدى التزام سورية الجديدة بمعايير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن استمرار مثل هذه الممارسات، أياً كان مرتكبوها، يُقوّض كل الجهود التي تُبذل لبناء دولة القانون والمؤسسات، ويُعيد إنتاج مآسي الماضي التي عانى منها السوريون لعقود.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز حقوق الإنسان ويُجفف منابع التعذيب، ناقداً لكل تقصير، مراقباً لكل إنجاز، سعياً إلى سورية جديدة تسود فيها العدالة والكرامة، ولا مكان فيها للتعذيب والإفلات من العقاب.