التعاون القضائي السوري العراقي

يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام نتائج الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد القضائي المرافق له إلى دمشق، ولقاءاته مع السيد الرئيس أحمد الشرع ووزير العدل السوري مظهر الويس، وما أُعلن عن الاتفاق على تشكيل لجان قضائية وفنية مشتركة لمتابعة ملفات الموقوفين المرتبطين بتنظيم «داعش» والقادمين من مخيم الهول، وتعزيز التعاون القانوني والقضائي بين سورية والعراق.

ويرى تيار المستقبل السوري أن انتقال التعامل مع هذا الملف من المقاربة الأمنية المجردة إلى المقاربة القضائية والمؤسساتية يمثل خطوة مهمة ينبغي البناء عليها؛ فالإرهاب الذي عانت منه سورية والعراق معاً لا يمكن معالجة آثاره بالحلول الأمنية وحدها، وإنما بقضاء قادر على تحديد المسؤولية الفردية، وحفظ الأدلة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.

كما يرى تيار المستقبل السوري أن ملف السوريين الموجودين في السجون ومراكز الاحتجاز العراقية يجب أن يكون ملفاً سيادياً وقانونياً سورياً بامتياز، وأن تتحمل الدولة السورية مسؤوليتها تجاه مواطنيها أينما كانوا، سواء كانوا متهمين أو موقوفين أو ضحايا أو أفراداً من أسر ارتبط وجودهم بظروف مخيم الهول وما نشأ عنه.

وفي الوقت نفسه، يؤكد التيار أن استعادة الدولة لمسؤوليتها عن مواطنيها لا تعني تبرئة أحد أو إسقاط المسؤولية عن مرتكبي الجرائم، بل تعني تحديد هذه المسؤولية بواسطة القضاء والقانون، بعيداً عن الأحكام الجماعية أو التصنيفات الفضفاضة.

وانطلاقاً من ذلك، يؤكد تيار المستقبل السوري على ما يلي:

نرحب بتطوير التعاون القضائي السوري–العراقي، ونرى فيه خطوة إيجابية نحو بناء علاقات بين البلدين تقوم على المؤسسات والقانون والمصالح المشتركة، بدلاً من العلاقات الأمنية والسياسية غير المنضبطة التي طبعت مراحل سابقة.

ندعو إلى وضع إطار قانوني واضح وشفاف لعمل اللجان المشتركة، يحدد اختصاصاتها وآليات تبادل المعلومات والأدلة والملفات القضائية، ويحفظ سيادة كل من الدولتين واختصاص قضائهما الوطني.

نؤكد ضرورة الفصل بين الانتماء أو الاشتباه وبين ثبوت الجريمة؛ فلا يجوز اعتبار كل من عاش في مخيم الهول أو ارتبط جغرافياً بمناطق سيطرة «داعش» مسؤولاً جنائياً، وإنما المسؤولية شخصية، ولا تثبت إلا بالأدلة والمحاكمة العادلة.

ندعو الحكومة السورية إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية للسوريين الموقوفين أو المحكومين في العراق، تتضمن أوضاعهم القانونية والتهم الموجهة إليهم ومراحل محاكماتهم، بما يتيح للدولة ولعائلاتهم معرفة مصيرهم ومتابعة ملفاتهم وفق الأصول القانونية.

نؤكد أهمية توفير الضمانات القضائية وحق الدفاع والمحاكمة العادلة لكل متهم، مهما كانت خطورة التهمة الموجهة إليه؛ فالدولة التي حارب السوريون من أجلها يجب أن تتميز عن دولة الاستبداد بالتزامها بالقانون حتى في مواجهة من يُتهمون بأخطر الجرائم.

ندعو إلى إعطاء حقوق الضحايا السوريين والعراقيين أولوية مركزية في أي ترتيبات قضائية مقبلة، بما يشمل توثيق الجرائم، وحفظ الأدلة والشهادات، وتمكين الضحايا وذويهم من الوصول إلى العدالة وعدم اختزال الملف في مصير الموقوفين وحدهم.

نطالب بالتعامل بصورة منفصلة وخاصة مع النساء والأطفال والقاصرين ومن لم تثبت مشاركتهم في أعمال جرمية، ورفض أي شكل من أشكال المسؤولية الجماعية أو توريث الجريمة للأبناء والأسر.

ندعو إلى توسيع التعاون السوري–العراقي ليشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات وضبط الحدود وتبادل المطلوبين وفق القانون، باعتبار أمن سورية والعراق مترابطاً، وبما يحفظ سيادة البلدين ويمنع عودة التنظيمات العابرة للحدود.

ونرى ضرورة أن تكون أي عملية لنقل السوريين أو إعادتهم إلى سورية خاضعة لإجراءات قضائية موثقة ومعلنة، بحيث لا يؤدي انتقال الأشخاص بين الدولتين إلى ضياع الأدلة أو سقوط حقوق الضحايا أو تعذر استكمال المحاكمات.

ندعو وزارة العدل السورية إلى إطلاع الرأي العام، بالقدر الذي لا يضر بسير التحقيقات، على الإطار القانوني والنتائج الأساسية لعمل اللجان المشتركة، لأن الشفافية في الملفات الكبرى تعزز ثقة السوريين بمؤسسات العدالة الجديدة.

إن تيار المستقبل السوري يرى في هذا التعاون فرصة تتجاوز معالجة ملف آني إلى تأسيس نموذج جديد للعلاقة بين سورية والعراق؛ علاقة دولتين ومؤسسات وقضاء، لا علاقة أجهزة ونفوذ ومحاور.

كما نؤكد أن نجاح الدولة السورية الجديدة لن يُقاس فقط بقدرتها على ملاحقة الإرهاب، وإنما بقدرتها على فعل ذلك تحت سقف القانون؛ بحيث ينال المجرم جزاءه، ويحصل البريء على حريته، ويصل الضحية إلى حقه، ولا يبقى سوري مجهول المصير خارج اهتمام دولته.

إن معركتنا مع الإرهاب ليست معركة انتقام، بل معركة دولة وعدالة وسيادة؛ والانتصار الحقيقي فيها أن يواجه السوريون أخطر الملفات التي خلفتها سنوات الحرب بأدوات القانون والمؤسسات، لا بأدوات الفوضى والاستثناء.

شاركها على:

اقرأ أيضا

يوم استقلال جمهورية باكستان الإسلامية

تاريخ يوم استقلال جمهورية باكستان الإسلامية وأهميته في تشكيل هوية الشعب الباكستاني.

14 أغسطس 2026

إدارة الموقع

التشغيل التجاري للرصيف رقم (4) في ميناء طرطوس

التشغيل التجاري للرصيف رقم (4) في ميناء طرطوس يمثل خطوة نحو سيادة الاقتصاد السوري واستعادة السيطرة.

13 أغسطس 2026

إدارة الموقع