يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ اجتماع لجنة تمديد الخدمة، الثلاثاء 04-08-2026 م، لدراسة طلبات استمرار عدد من العاملين في الجهات العامة بعد بلوغهم السن القانونية، وذلك برئاسة وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف.
كما تابعنا استناد دراسة الطلبات إلى معايير تشمل الحاجة المؤسسية الفعلية، وندرة الاختصاص، وأهمية الخبرات الفنية المتراكمة في ضمان استمرارية العمل، بهدف تحقيق التوازن بين الاحتفاظ بالكفاءات النوعية وتطوير الأداء الإداري وتجديد الموارد البشرية وإتاحة المجال أمام الكفاءات الجديدة.
وتأتي هذه الاجتماعات في إطار تنفيذ المرسوم الرئاسي رقم 42 لعام 2025، الذي شكل لجنة تمديد الخدمة برئاسة وزير التنمية الإدارية، وعضوية مدير تخطيط الموارد البشرية، وممثلين عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إضافة إلى خبير في إدارة الموارد البشرية.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن تفعيل عمل لجنة تمديد الخدمة يحمل ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: يُجسّد تحولاً من سياسة التمديد التلقائي أو القرارات الفردية غير المعلنة، إلى سياسة مؤسسية قائمة على معايير واضحة وشفافة، فالمرسوم رقم 42 لم يترك الباب مفتوحاً للتمديد وفق المزاج الشخصي، بل وضعه في إطار لجنة مركزية تدرس كل حالة على حدة، وفق الحاجة الفعلية والمصلحة العامة.
ونرى هنا في هذا التحول خطوة ضرورية لتفكيك ثقافة "الواسطة" في إدارة الموارد البشرية، وترسيخ مبدأ أن التمديد استثناء يخضع للتقييم، لا قاعدة تُمنح للجميع.
ثانياً: يُشير إلى إدراك متزايد بحجم النزيف البشري الذي أصاب المؤسسات السورية، وأهمية الحفاظ على الخبرات النوعية التي يصعب تعويضها، خاصة في ظل هجرة الكفاءات وضعف برامج التدريب البديلة، وبالتالي فأننا نؤمن أن الاحتفاظ بالخبرات الفنية المتراكمة في القطاعات الحيوية (كالصحة والتعليم والتخطيط) ضرورة لضمان استمرارية الخدمات للمواطنين، خاصة في مرحلة انتقالية تتطلب استقراراً إدارياً.
ثالثاً: يُظهر التزاماً حكومياً ندعمه، وذلك بتطبيق القوانين بدلاً من الاكتفاء بإصدارها.
فالمرسوم أُصكر قبل عام لكن تفعيله عبر اجتماعات دورية ولجان فاعلة يُشير إلى أن مرحلة "القوانين النائمة" آخذة في الانتهاء.
وتيار المستقبل السوري يثمن هذا النهج، ويرى فيه مؤشراً على أن الإصلاح الإداري يتحول من شعارات إلى ممارسة فعلية.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية تحديث إدارة الموارد البشرية كشرط أساسي لبناء الدولة الجديدة:
- بيان "حول المرسوم الرئاسي رقم 42 لعام 2025: نحو كفاءة مؤسسية عادلة" (بتاريخ 16 تموز/يوليو 2025)، والذي ثمّنا فيه صدور المرسوم، واعتبرناه خطوة نوعية في طريق تحديث إدارة الموارد البشرية في مؤسسات الدولة.
- وحذّرنا من تحول التمديد الإداري إلى مسار استثنائي غير خاضع للمساءلة، وأكدنا ضرورة إخضاع الطلبات لمعايير موضوعية ترتبط بالكفاءة والأداء الفعلي، لا بمجرد الأقدمية أو الانتماء الوظيفي.
- دراسة "إصلاح الخدمة المدنية في سورية" (بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 2025)، حيث أكد على أن الخدمة المدنية هي العمود الفقري لأي جهاز حكومي فعال، ودعا إلى اعتماد الترقية بناءً على الأداء والكفاءة، وليس الأقدمية فقط.
- الورقة التأسيسية 22 "تيار المستقبل السوري والكفاءة" (بتاريخ 16 شباط/فبراير 2024)، حيث شددنا على أن الكفاءة تتمثل بالأهلية العلمية التخصصية والعملية التراكمية، وليس بالعدالة الشخصية أو الجذر الاجتماعي.
يرى تيار المستقبل السوري أن تفعيل اللجنة، رغم أهميته، يواجه تحديات كبرى تستوجب معالجة جذرية:
- الفجوة بين المعايير والتطبيق: فوجود معايير (كالحاجة المؤسسية وندرة الاختصاص) لا يضمن وحدها عدالة القرارات، ما لم تقترن بآليات رقابية ومتابعة دقيقة، تضمن عدم تحولها إلى ذريعة لتمديدات غير مبررة.
- غياب آليات الطعن والتظلم: فالمرسوم لم يحدد بوضوح إمكانية الطعن على قرارات الرفض أو القبول، مما قد يخلق شعوراً بعدم الإنصاف بين العاملين.
- خطر تحول التمديد إلى استثناء دائم: فإذا أصبح التمديد بعد السن القانونية ممارسة واسعة، فإنه سيعيق تجديد الموارد البشرية وإتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة، وهو ما يتناقض مع روح الإصلاح الإداري.
- غياب الشفافية في النتائج: فعدم نشر تقارير دورية عن قرارات اللجنة ومعاييرها قد يُبقي العملية في دائرة الغموض، ويُضعف ثقة الموظفين والرأي العام بها.
- غياب نموذج اقتصادي لتقييم الجدوى: فالقرارات الحالية لا تستند إلى معايير كلفة – مردود، مما قد يؤدي إلى تمديدات غير مبررة اقتصادياً.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة ومؤسساتها، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- اعتماد الشفافية الكاملة في عمل اللجنة: عبر نشر معايير القرار، وتقارير دورية عن عدد الطلبات المقبولة والمرفوضة وأسباب الرفض، مع ضمان حق العاملين في الاطلاع على حيثيات القرارات المتعلقة بهم.
- إنشاء آلية للطعن والتظلم: تتيح للعاملين الذين رُفضت طلباتهم حق التظلم أمام جهة مستقلة، مع تحديد مهلة زمنية للبت في التظلمات.
- ربط التمديد بخطط التعاقب الوظيفي: بحيث لا يكون التمديد بديلاً عن تدريب كفاءات شابة، بل إجراء مؤقت لحين سد الفجوات المعرفية، مع وضع جداول زمنية لنقل الخبرات من المخضرمين إلى الجدد.
- اعتماد نموذج اقتصادي لتقييم الجدوى: يقارن بين كلفة التمديد (رواتب ومزايا) وكلفة التوظيف البديل والتدريب، لضمان أن يكون التمديد قراراً مبنياً على أسس اقتصادية سليمة.
- تفعيل دور الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: كعضو في اللجنة، لضمان رقابة مستقلة على القرارات، ومنع أي تحايل أو محاباة.
- إطلاق حملة توعية داخل المؤسسات: لتعريف العاملين بضوابط التمديد ومعاييره، وتشجيع الكفاءات الشابة على التطوير الذاتي، بما يضمن تداولاً وظيفياً عادلاً ومنتجاً.
يؤيد تيار المستقبل السوري استمرار عمل لجنة تمديد الخدمة ودراسة الطلبات وفق معايير واضحة، ويرى في ذلك مؤشراً إيجابياً على أن الإصلاح الإداري يتحول من نصوص قانونية إلى ممارسة فعلية، ونُذكر بأن إدارة الموارد البشرية في مؤسسات الدولة هي اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في بناء جهاز إداري قائم على الكفاءة والنزاهة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن التمديد بعد السن القانونية يجب أن يظل استثناءً، لا قاعدة، وأن الهدف الأسمى هو بناء جيل جديد من الكوادر الإدارية القادرة على قيادة مؤسسات الدولة في المرحلة القادمة.
فالحفاظ على الخبرات لا ينبغي أن يكون على حساب إتاحة الفرصة للشباب، بل يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية متكاملة لإدارة الموارد البشرية، توازن بين الاستقرار والتجديد، وبين الخبرة والطموح.
وسيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز كفاءة المؤسسات العامة وشفافيتها، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة الإدارية، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي تكون فيها الخدمة المدنية ميداناً للكفاءة والنزاهة، لا مجالاً للمحسوبية والاستثناءات غير المبررة.