سلامة الطرق في سورية أزمةٌ وحلول

تمهيد:

تشكل حوادث السير في سورية واحدة من أبرز التحديات التي تهدد السلامة العامة، في وقت تواجه فيه البلاد مرحلة إعادة إعمار تستوجب بناء بنية تحتية آمنة ومستدامة.

فبينما أمام الحكومة السورية مسؤولية كبيرة بتأهيل شبكة الطرق وتحديثها، تواصل الحوادث المرورية حصد الأرواح وإلحاق الخسائر المادية، في مشهد يعكس أزمة متعددة الأبعاد تتشابك فيها العوامل البشرية والفنية مع تداعيات الحرب وتآكل البنية التحتية.

ففي الوقت الذي يستعد فيه السوريون لاستعادة حركة النقل والنشاط الاقتصادي، تبقى حوادث السير واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً التي تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على تأهيل الطرق، بل تمتد إلى تغيير السلوكيات، وتطوير التشريعات، وتعزيز ثقافة السلامة المرورية.

الأرقام المقلقة:

تكشف البيانات الرسمية عن حجم المأساة الذي لا يقل خطورة عن أي كارثة طبيعية أو أمنية.
فوفقاً لإحصاءات الدفاع المدني السوري، استجابت الفرق المختصة منذ بداية عام 2025 وحتى 20 تموز/يوليو من العام نفسه لـ 1,412 حادث سير، أسفرت عن وفاة 81 شخصاً وإصابة 1,299 آخرين.
غير أن هذه الأرقام لم تشهد تراجعاً في العام 2026، بل استمرت الحوادث في تسجيل مستويات مرتفعة.
ففي شهر حزيران/يونيو وحده، وقع 540 حادثاً نتج عنها وفاة 25 شخصاً وإصابة 537 آخرين، فيما سجل شهر تموز/يوليو 516 حادثاً أسفرت عن وفاة 64 شخصاً وإصابة 604 أشخاص.
وهذا يعني أن معدل الحوادث اليومي يتجاوز 17 حادثاً، أي ما يعادل حادثاً كل ساعة ونصف تقريباً.
أما الحادث الأكثر دموية، فكان اصطدام حافلتين على الطريق الواصل بين السخنة وتدمر ضمن محور دير الزور – دمشق في 25 تموز/يوليو 2026، والذي أدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين.
حيث كشف هذا الحادث وحده عن هشاشة منظومة السلامة المرورية في سورية، وعن غياب الحد الأدنى من معايير الأمان على بعض الطرق الحيوية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الحوادث تتركز على محاور حيوية عدة، أبرزها طرق دمشق – دير الزور، وتدمر – السخنة، وحمص – دمشق، وحمص – طرطوس، وحماة – حلب.
ما يعني أن الظاهرة ليست محصورة في منطقة معينة، بل تمتد على امتداد شبكة النقل في البلاد، مما يعكس أزمة بنيوية تتطلب تدخلاً شاملاً.

تحليل الأسباب:

تتداخل أسباب حوادث السير في سورية بين عوامل بشرية وفنية، يأتي في مقدمتها السرعة الزائدة، وعدم التقيد بقواعد المرور، والتجاوزات الخاطئة، وضعف الانتباه أثناء القيادة، واستخدام الهاتف المحمول.
وهذه السلوكيات تعكس ثقافة مرورية متداعية، تترسخ مع غياب الرقابة الفاعلة وضعف الردع القانوني.
إلى ذلك، تساهم الأعطال الفنية في المركبات، ولا سيما الإطارات والمكابح، في نسبة كبيرة من الحوادث.
ومع تقدم عمر الأسطول المروري في سورية، نتيجة سنوات الحصار والعقوبات والحرب، تتفاقم هذه المشكلة، حيث تفتقر الكثير من المركبات إلى الصيانة الدورية اللازمة.
غير أن العامل الأكثر تعقيداً هو واقع الطرق نفسها.
فقد أوضح رئيس لجنة الطرق في نقابة المهندسين السوريين مهند ألفا أن الزيادة الكبيرة في الحركة المرورية، الناتجة عن النشاط الاقتصادي وانفتاح سورية على محيطها، رفعت الضغط على شبكة الطرق، الأمر الذي يجعل تطويرها وتوسعتها ضرورة ملحة.
وأشار ألفا إلى أن ضيق بعض الطرق ورداءة حالتها الفنية، ولا سيما طريقي دير الزور – دمشق والرقة – دمشق، يسهمان في ارتفاع معدلات الحوادث، وهذا يعكس إرث الحرب الذي خلّف شبكة طرق منهكة، تعاني من الحفر والهبوطات وغياب عناصر السلامة المرورية الأساسية.

الإجراءات الحكومية:

في مواجهة هذه الأزمة، أطلقت الحكومة السورية سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز السلامة المرورية.
وتواصل وزارة الداخلية تنفيذ خطط تتضمن تكثيف انتشار الدوريات المرورية، وتنظيم حركة السير، وتشديد الرقابة على المخالفات، والتوسع في استخدام الكاميرات الذكية وأجهزة رصد السرعة.
كما تلعب وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، من خلال فرق الدفاع المدني، دوراً محورياً في الاستجابة الميدانية للحوادث، عبر تقديم الإسعافات الأولية، وإنقاذ العالقين، ونقل المصابين إلى المشافي، وتأمين مواقع الحوادث.
وفي مجال البنية التحتية، أعلنت وزارة النقل، في 28 حزيران/يونيو الماضي، بدء تنفيذ خطة لإعادة تأهيل الطرق المركزية وفق أحدث المعايير الفنية، واستقطاب شركات متخصصة لتنفيذ مشاريع استراتيجية.
وتشمل هذه الخطة إعادة تأهيل الطريق الدولي M45 الممتد من معبر نصيب إلى معبر باب الهوى مروراً بدمشق وحمص وحماة وسراقب وحلب، إضافة إلى مشروع إعادة تأهيل الطريق العام بين دمشق ودير الزور.
كما أشار رئيس لجنة الطرق في نقابة المهندسين السوريين إلى أن وزارة النقل رصدت نحو نصف مليار دولار لتنفيذ مشاريع الطرق.

التحديات الهيكلية:

رغم هذه الإجراءات، تواجه خطة تعزيز السلامة المرورية تحديات هيكلية تعيق تحقيق الأهداف المنشودة:

أولاً: غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة، فقد أوضح رئيس لجنة الطرق في نقابة المهندسين السوريين أنه لا توجد حتى الآن إحصاءات وطنية موحدة لتصنيف الطرق بحسب عدد الحوادث أو كثافة الحركة المرورية، وهذا الغياب يحول دون تحليل دقيق لمواقع الحوادث وأسبابها وزمن الاستجابة، ويعيق وضع سياسات وإجراءات وقائية أكثر فاعلية.
ثانياً: تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق، حيث تتداخل مسؤوليات وزارات الداخلية والنقل والطوارئ، مما قد يؤدي إلى ازدواجية الجهود أو تضاربها، في وقت تتطلب فيه السلامة المرورية مقاربة متكاملة.
ثالثاً: محدودية التمويل.ط، فرغم رصد نصف مليار دولار لمشاريع الطرق، تبقى هذه الميزانية محدودة مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بشبكة الطرق خلال سنوات الحرب، وتشير التقديرات إلى أن إعادة تأهيل شبكة الطرق السورية بالكامل تتطلب استثمارات تفوق بكثير المبالغ المرصودة حالياً.
رابعاً: ضعف ثقافة السلامة المرورية، إذ لا يمكن للبنية التحتية وحدها أن تحقق السلامة المرورية دون تغيير جذري في السلوكيات، فالسرعة الزائدة والتجاوزات الخاطئة واستخدام الهاتف أثناء القيادة ما تزال ممارسات شائعة، تعكس غياب الوعي بمخاطرها.

خاتمة وتوصيات:


تشكل حوادث السير في سورية أزمة إنسانية واقتصادية تستوجب تدخلاً عاجلاً وشاملاً.
فالأرقام المقلقة التي تسجلها الإحصاءات الرسمية لا تعكس فقط حجم المأساة، بل تكشف عن فجوة كبيرة بين حجم التحدي وحجم الاستجابة.

وفي ضوء ذلك، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لحوادث السير، كما يجب أن تربط هذه القاعدة مختلف الجهات المعنية، وتتيح تحليل مواقع الحوادث وأسبابها وزمن الاستجابة، لتكون أداة فعالة في رسم السياسات الوقائية.

ثانياً: تعزيز الرقابة المرورية وتحديث التشريعات، وتشديد العقوبات على المخالفات المرورية الخطيرة، مع الاستثمار في الكاميرات الذكية وأجهزة الرصد، وتطوير نظام نقاط المخالفات الذي يردع السائقين المتهورين.

ثالثاً: تسريع وتيرة إعادة تأهيل الطرق، مع التركيز على المحاور الأكثر خطورة، ولا سيما طريق دير الزور – دمشق الذي وصفته النقابة بأنه يحتاج إلى "معالجة إسعافية عاجلة وإعادة تأهيل شاملة".

رابعاً: إطلاق حملات توعوية مستدامة، حيث يجب أن تتجاوز حملات التوعية المناسبات الموسمية، لتصبح جزءاً من المناهج الدراسية وبرامج التدريب المهني، بهدف ترسيخ ثقافة القيادة الآمنة منذ سن مبكرة.

خامساً: تعزيز الصيانة الدورية للمركبات، عبر فرض فحوصات دورية إلزامية للمركبات، خاصة تلك المستخدمة في النقل العام والشاحنات، مع تشديد الرقابة على الحمولات الزائدة التي تسرع في تدهور الطرق.

سادساً: تكامل الجهود بين المؤسسات، من خلال إنشاء لجنة وطنية للسلامة المرورية تضم جميع الجهات المعنية، لتنسيق الجهود وضمان مقاربة شاملة لا تقتصر على جانب واحد.

إن السلامة المرورية حق أساسي لكل مواطن، واستثمار في مستقبل البلاد.
فكل حياة تُفقد على الطرق هي خسارة لا يمكن تعويضها، وكل حادث يمكن تجنبه هو خطوة نحو سورية أكثر أمناً واستقراراً.
ومع استمرار تسجيل مئات الحوادث سنوياً، تبقى السلامة المرورية مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية ومستخدمي الطرق، في وقت تتجه فيه الدولة إلى تنفيذ مشاريع واسعة لتحديث شبكة النقل، مما يستوجب مواكبة هذه الجهود بثقافة مرورية واعية وإرادة سياسية حقيقية للحد من هذه الظاهرة المقلقة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الطلاق التعسفي في القانون السوري: قراءة نقدية في المادة 117 على ضوء مبادئ الشريعة وحقوق المرأة

تحليل شامل للمادة 117 في قانون الطلاق التعسفي السوري وتأثيرها على حقوق المرأة ومبادئ الشريعة.

2 أغسطس 2026

سميرة بازرباشي

استحداث لجنة التعليم العالي والبحث العلمي في مجلس الشعب

بيان حول استحداث لجنة التعليم العالي والبحث العلمي في مجلس الشعب ودورها في تطوير التعليم العالي في سوريا.

2 أغسطس 2026

إدارة الموقع